الجنوب: المشاكل الزراعية كقنبلة عنقودية كيفما لمستها انفجرت

القمح في كفردونين (علي لمع)
القمح في كفردونين (علي لمع)


الجنوب :

الزمان: أوائل تموز .2006

المكان: جنوب لبنان.

مجموعات من «خلايا النحل» المزارعة من أهالي القرى الجنوبية، تغزل 16 ساعة على 24 في حقول التبغ، تلملم وريقات «القطفة» الأولى، فيما تنصرف مجموعات أخرى إلى أغمار القمح تجمعها في بيادر تمهيداً لـ«دراستها» وفصل القمح عن التبن والقش.

في هذا الوقت من العام يحلو شمام بيت ياحون وبرعشيت وباقي القرى، وتبدأ سيارات الشحن بزرع الطرقات حاملة الجنى نحو الاسواق ومعها ما يثمره الجنوب من خضار صيفية.

12 تموز 2006 وما بعده ـ جنوب لبنان: العدوان الإسرائيلي على لبنان يبدأ من الجنوب. نيران الغزاة تلتهم حقول القمح ونهر يمشي من غمر إلى آخر. القصف يحرق صنادل الدخان في مواسمها الأولى. يترك المزارعون حقولهم، يرغمون على النزوح عن قراهم مخلفين جنى العمر.

14 آب 2006 ـ جنوب لبنان النازحون يعودون إلى أرض محروقة. لم يكتف الإسرائيليون بفعلتهم، فزرعوا حقول الناس بالقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، بدل القمح والتبغ وحبيبات زيتون ماتت على أمها ودوال لم يعرف عنبها طريقه إلى أفواه أطفالهم. قضى المحتلون على المواسم وكل ما يمت للزراعة بصلة. ثلاثة أشهر على العدوان، منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو» ووزارة الزراعة تصدران تقريراً مشتركاً يقدر الخسائر الزراعية في جنوب لبنان بـ280 مليون دولار أميركي، في الوقت الذي حدد فيه تجمع مزارعي الجنوب حجم الأضرار بـ400 مليون دولاراً أميركياً.

تباين في التقدير يبدو أنه لا ينعكس على أوضاع الناس. فسواء كانت الأضرار في الجنوب 280 أو 400 مليون دولار لا فرق، ما دام ليس هناك من سيعوض. فالهيئة العليا للإغاثة، وعلى لسان امينها العام اللواء يحيى رعد، اعتبرت أن وزارة الزراعة هي المعنية بموضوع الخسائر الزراعية جنوباً وليس الهيئة: «نحن لم نعوض عن الخسائر الزراعية»، قال رعد لـ«السفير»، فـ«الموضوع عند وزارة الزراعة».

مجلس الجنوب بدوره رمى الكرة في ملعب «وزارة الزراعة»، وفق ما أكده رئيس المجلس قبلان قبلان لـ«السفير»: «وزارة الزراعة أحصت الأضرار وقدمت تقريرها إلى مجلس الوزراء ونحن لم نكلف كمجلس جنوب بالتعويض عن الأضرار الزراعية».

وزارة الزراعة لم تكلف التعويض أيضاً، «ولم يصرف لها المال اللازم لذلك»، يقول وزير الزراعة المستقيل طلال الساحلي لـ«السفير»، مشيراً إلى أن الوزارة مسحت و«الفاو» الأضرار الزراعية وقدرتها بحوالى 280 مليون دولار أميركي: «أرسلنا التقرير إلى الجهات المعنية، في مجلس الوزراء والهيئة العليا للإغاثة».

يؤكد الساحلي أن وزارة الزراعة لا تملك المال لدفع التعويضات «ولم يصرفوا لنا بدل تعويضات الجنوب ولم يكلفوا الوزارة بها»، لافتاً إلى أن وزارة المالية أحيانا «لا تفرج عن موازنة الوزارة الأساسية».

وعن حجم الأضرار وقيمتها المباشرة وغير المباشرة، وارتفاع الخسائر مع مرور الوقت، أشار الساحلي إلى «أن التقرير أخذ بعين الاعتبار حجم أضرار العدوان المباشر على الزراعة (إحراق بساتين وكروم وحقول وجنى مواسم) وكذلك تأثيره على المحاصيل بعد عودة النازحين».

بعيداً عن التقارير التي يحتفظ بها أهل القرار لأنفسهم، تأتي الترجمة الحقيقية للأرقام على الأرض وبين ناسها لتعبر عن واقع الحال. وحال أولئك الذين عادوا ليجدوا 37 مليون متر مربع من أراضيهم مفروشة بالقنابل العنقودية، وفق آخر معطيات مركز التنسيق لنزع الألغام الذي يعمل على تنظيف هذه الأراضي لا يسر. وتؤكد الناطقة الإعلامية في المركز ومسؤولة البحث الميداني داليا فران أن فرق عمل المركز تمكنت من تسليم 17 في المئة من الأراضي الملوثة بالقنابل والذخائر غير المنفجرة فقط (أي 17 في المئة من 37 مليون متر مربع ملوثة) إلى المزارعين والأهالي حتى اليوم، بعد عام على العدوان.

يعني هذا الرقم في القاموس الزراعي الإنتاجي أنه بعد عام على العدوان، سيتمكن مزارعو الجنوب من إعادة زراعة 17 في المئة من حقولهم التي غزتها القنابل العنقودية، وبالتالي 17 في المئة من الإنتاج المتوقع.

وبالإضافة إلى أضرار القنابل العنقودية، يقسّم رئيس اللجنة الزراعية في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في صيدا والجنوب مصطفى عنتر، الأضرار الزراعية إلى مباشرة وأخرى غير مباشرة. ويقدر عنتر، وفقاً لدراسة الغرفة، الأضرار المباشرة التي احترقت في أرضها بسبب القصف الإسرائيلي وتلك التي يبست وتلف إنتاجها بما يزيد عن 150 مليون دولار، مشيراً إلى أن استمرار الضرر بسبب القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة التي تشل القطاع الزراعي، يصل بالخسائر إلى عتبة 300 مليون دولار، «وهذا الرقم مرشح للارتفاع في ظل استمرار مشكلة القنابل العنقودية من جهة والحاجة إلى أكثر من سنتين لاسترداد البساتين المحروقة والكروم سواء من الزيتون أو العنب أو غيرها». تحتاج شجيرة الموز، مثلاً، إلى «سنة وثمانية أشهر لكي تثمر بشكل جيد»، وفق عنتر.

ويتوقف عنتر عند ضرر يعتبر بمثابة ضربة كبيرة للمزارعين ويتمثل بتخريب «قنوات الري وبرك الضيع وخزانات المياه والآبار، مما منع مياه الري عن البساتين والكروم وسحاري الخضار وحقول واسعة وبالتالي تلف الكثير من زراعاتها وأشجارها ومنها بساتين الموز والحمضيات». ويحتاج ترميم البنية التحتية الزراعية إلى وقت يعاد بعده إحياء المواسم الزراعية.

ولا تقتصر خسائر الأهالي الزراعية على الزراعة والبساتين والكروم، بل تتعداها إلى قطاع المواشي الذي يقع في صلب القطاع الزراعي. ونتيجة للحرب فقد أهالي الجنوب اللبناني حوالى تسعين في المئة من مواشيهم الموزعة على أغنام وماعز وأبقار حلوبة وثيران وعجول وأحصنة وحمير بالإضافة إلى مزارع الدواجن، والتي تشكل جميعها مصدر رزق أساسي لعشرات العائلات وداعم لعائلات أخرى.

المزارعون

لم تعد حياة المزارعين في الجنوب كما كانت عليه قبل عام. لم يعد صياح الديك مع الفجر إيذاناً باستلال المعول والمحراث وقصد الحقل. أضحى المزارع الجنوبي مرغماً على كسل لم يعتده بعدما منعت عنه إسرائيل حقله.

وفي قلب هذه البطالة القسرية تبدو مبادرات المساعدة والتعويض خجولة جداً، مرتكزة إلى بعض المبالغ الرمزية التي أسمتها مؤسسة جهاد البناء بـ«الهدايا»، كي لا تدعي التعويض عن الخسائر، بالإضافة إلى مبالغ رمزية أو قفران نحل أو رؤوس مواش منحتها بعض المؤسسات الدولية الخيرية لبعض المزارعين.

يؤكد هذا الكلام المزارع ابراهيم خليل من بلدة مارون الراس. لدى خليل 50 دونماً من القمح احترقت في خلال الحرب، و27 دونم دخان أتلفت إسرائيل قطفتها الأولى على الصنادل والمشاكك وأحرقت ما تبقى على أمه في الحقول. ولم يكن مصير الـ30 دونماً من الشعير أفضل من مصير القمح والدخان.

في مقابل هذه الخسائر «لم يعوض علينا أحد»، يقول إبراهيم ولم نر مسؤولاً أو مندوباً رسمياً زارنا. هناك «هدايا» رمزية من جهاد البناء. وحدها الجمعية الخيرية السويسرية وزعت مبالغ بسيطة على الناس، تراوحت ما بين 200 إلى 1500 دولار لأكبر مزارع».

ومن مواشيه البالغ عددها 45 رأس ماعز وغنم، وجد إبراهيم لدى عودته وعائلته إلى مارون الراس «أربعة رؤوس فقط».

لمارون الراس مع تلف المواسم الزراعية قصة تختلف عن قصص باقي الضيع. ليس هناك كثافة في القنابل العنقودية في البلدة ولكن الإسرائيليين «بشحمهم ولحمهم» بقوا فيها شهراً ونصف شهر بعد وقف الأعمال الحربية»، يقول إبراهيم مشيراً إلى حؤول تواجدهم في مارون دون نزول الناس إلى حقولها: «يعني يلي ما احترق بالحرب، رجع ومات على أمه».

بيت ليف

ثلاثة آلاف رأس «طرش»، هي حصيلة ما قتل من رؤوس الغنم والبقر والماعز وغيرها في بيت ليف، وفق ما يؤكده مختارها حسين زلغوط: «عندما عاد الأهالي إلى البلدة كانت روائح الحيوانات النافقة في كل مكان».

تعتبر بيت ليف من الضيع المنكوبة بالقنابل العنقودية، لكن هذه نفسها هي التي تحيي بيت ليف في هذه الأيام. فبعد خسارة أهالي البلدة لمواسمهم الزراعية ومواشيهم ومنعهم عن حقولهم، أضحى عمل شبابها مع فرق نزع الألغام والقنابل العنقودية هو الدخل الوحيد للقرية. ويشير زلغوط إلى أن هناك أكثر من مئة شاب من البلدة يعملون مع شركات نزع الألغام: «صحيح أنها مهنة خطرة لكن لقمة العيش أهم بالنسبة لهؤلاء الشباب».

لم تعوض أي جهة رسمية على بيت ليف، أما «حزب الله فوزع مبالغ رمزية ما بين 200 و500 دولار أميركي».

نظفت حقول بيت ليف القريبة من المنازل بالكشف البصري: «يعني من دون آلات لإيجاد المطمور تحت الأرض» يقول المختار. وبذلك خاف الأهالي من النزول إلى حقولهم فبعد الشتاء وانجراف تربة الحقول «يخاف المزارع من المخفي أكثر من البادي للعيان».

خسرت بيت ليف «موسم العدوان»، كما يسميه بعض أهلها. حال العنقودي بين ناسها وحقولهم في الستة أشهر الماضية بينما كانت فرق نزع الألغام تنظـــف بلدتهم، وهـــا هم اليوم وبعد تسليمهم البلدة «نظيفة مبدئياً ولكن زراعتـــها علــى مسؤوليتكم» كما قال لهم «المنــظفون»، لا يجرؤون على حراثة حقولهم وهم بالتالي على موعد مع موسم قاحل آخر.

في بيت ليف قصة عن المزارع ديب بداح الذي لم ينتظر من ينظف له حقله. أخذ ديب يلملم ما يجده من شظايا وأجسام مشبوهة في حقله إلى أن حمل ذات يوم شظية تسببت بتشقق كفيه. عن هذه القنبلة قال الأهالي إنها «فوسفورية». بعد قصة الشظية حال الأهالي بين ديب وبين حقله، وعندما حضرت فرق نزع الألغام في مهمتها الأولى أرشدوها إلى أرضه لحمايته وصدقت مخاوفهم: «كان حقل ديب مليئاً بالقنابل العنقودية»، يقول المختار «ولو انه استمر بالنزول وحيداً لانفجرت فيه إحدى هذه القنابل».

كما كل القرى الجنوبية، ما يزال خراج بيت ليف وحقولها البعيدة ملوثة بالقنابل العنقودية. يمنع التلوث الكثير من أبنائها عن أراضيهم ويحول دون إنعاش تربية قطاع المواشي فيها: «تقع مراعي الضيعة هناك في خراجها، فكيف السبيل إليها؟»، يقول أبو حسين مرتضى الذي لم يجد من 80 رأس ماعز وحصانين سوى «ثلاث عنزات جربانة».

عيتا الشعب

لعيتا قصتها الخاصة مع الزراعة. قبل أن تحرق إسرائيل حقولها ومواسم أهلها، وتقتل مواشيها وتشرد من بقي منها حياً، قضمت أراضيها. ففي خلة وردة وحدها لا يقدر أهالي عيتا الشعب على دخول 250 دونماً من الأراضي المستصلحة للزراعة. تسعون في المئة من هذه الأراضي تزرع دخاناً والباقي زيتونا.

من الجهة «القبلية»، كما يسميها كبار عيتا، تقع خلة فرح. اضحت الخلة داخل الخط الأزرق وتعرف بكعب الأرض، خلة فرح ممنوعة على أهلها أيضا.

تنتج عيتا الشعب حوالى 12 ألف «طرد» دخان و«الطرد» كناية عن 30 كيلوغراما. تصل خسائر الدخان وحده إلى 360 مليون ليرة لبنانية، وفقاً لأرقام البلدية.

القمح مصدر رزق أيضاً، لا يصل إلى حجم الدخان ولكنه ملحوظ، وكذلك الزيتون. تضاف إلى مشاكل عيتا القنابل العنقودية والدمار الذي أصابها «لم يكن هناك أمكنة لتعود الناس إليها، فبقي نصف عيتا بورا»، يقول الحاج عبد الكريم دقدوق الذي صمد في عيتا كل الحرب. يملك دقدوق عشرين دونماً في وادي كورة وحدها «لم نزرعها بسبب العنقودي». اجتاحت دبابة إسرائيلية سيارة دقدوق الزراعية ولم تعد العائلة قادرة على استعمالها.

يتوقف نائب رئيس بلدية عيتا الشعب محمد باجوق عند مشكلة ضمان الأراضي «كان العديد من أهالي عيتا يؤجرون أراضيهم، اليوم ليس هناك من يضمن الأراضي».

تغيرت قواعد ما يعرف بضمان الأراضي في عيتا هذا العام. في العادة يأخذ من يضمن الأرض ويشتغل فيها ثلث الموسم بتعبه فيما يحتفظ صاحب الأرض بالثلثين: «اليوم أصبح لضامن الأرض الثلثان ولصاحبها الثلث بسبب خطورة الزراعة»، قلبت القنابل العنقودية «الآية».

تتركز القنابل العنقودية خصوصاً في خلة الجارودي والخبازة والزعتراية بشكل أساسي. وفي الجارودي تملك عائلة احمد سرور ما يدر عليها أكثر من 8 ملايين ليرة من التبغ: «السنة الماضية احترقوا والسنة ما قدرنا نزعها من العنقودي ولا من يعوض»، يقول احمد مشيراً إلى ان الجهات المعنية بتنظيف الأراضي وعدتهم خيرا «لكن لم يحن دورنا بعد».

للدكتور علي بزي ملاحظات على تنظيف الحقول من العنقودي: «الشغل بطيء حتى الآن، والشتاء طمر القنابل وبالتالي لم يعد يجدي الكشف البصري وحده على ألأرض».

في حقل بزي توجد قذيفة 155 والأرض مغطاة بـ«الهشير» (العشب الطويل) فمن سيجرؤ ويدخل إلى حقله، يسأل بزي.

هناك أراض زراعية في عيتا، وكما يقول الحاج دقدوق: «لم ينبت فيها زرع بعد أن أحرقها القصف، بسبب نوعية الأسلحة المستعملة».

يمتد موسم الخسائر الزراعية إلى سنوات لا إلى سنتين فقط، فالأشجار المثمرة لا تعطي في سنتين، يحتاج بعضها إلى أكثر من خمس سنوات. أحترق الكثير من الأشجار المثمرة في عيتا.

الخسائر الزراعية وانعدام المردود وكل المشاكل الاقتصادية يراها بزي معقولة مقارنة بقلق وخوف أهالي عيتا: «تروح أرزاقنا بس ما يتأذى أولادنا». أصبح أطفال الجنوب يسكنون في أقفاص منازلهم بعدما «كانوا ينتظرون الصيف للتنفيس عن سجون المدن والمدارس»، يقول بزي متمنياً عدم ترك الأمور للصدف بل يجب الإسراع في تنظيف الجنوب من العنقودي والذخائر غير المنفجرة. فـ«ابن خمس سنوات لا يعرف بـ«لا تقترب، لا تلمس، بلغ» لدى رؤيته جسماً غريبا».

لا يعرف الجنوبيون من أين تأتي مشاكلهم وحياتهم التي قلبها العدوان رأساً على عقب حتى أضحت بمشاكلها كقنبلة عنقودية كيفما لمستها انفجرت بك.

تعليقات: