محمد فاعور: الخيام... المكان الوحيد الذي لا أشعر فيه بالغربة


لا أعرف ما الذي يشدّني، ويشدّ الكثيرين مثلي، إلى «الضيعة»... إلى الخيام.

هل هي فعلاً ضيعة؟! حجمها السكاني حجم مدينة، ولكن بنيتها التحتية بنية ضيعة، وبين هذه وتلك قالوا: «بلدة الخيام».

هل بسبب الأصل؟ الإنسان يرجع إلى أصله، ربما.

ربما بسبب المشوار الذي يبدأ من بيروت: منظر البحر الأزرق الجميل، ثم الصعود نحو النبطية، المقطع الأصعب برأيي. بعده ترتاح العيون بالطلة الجميلة على طبيعة ما زال العمران بعيداً عنها، منظر تلال مرجعيون ووادي الليطاني، وموسيقى طقطقة جسر الخردلي، والطريق بمحاذاة قلعة الشقيف المهيبة وواديها الرهيب.

ربما هو الشوق إلى طلّتها بعد الوصول إلى القليعة والشروع في اجتياز السهل، منظرها مترامية على طول التلة، وخلفها جبل الشيخ المهيب.

ربما هو مناخها الأقل رطوبة من بيروت والساحل، فيصبح تحمّل الحرارة فيها أسهل.

أم هي ذكريات الطفولة في بيت جدّي وحاكورته، مع أولاد الخال والخالة والأقارب، ذلك البيت الصغير الذي كنت أراه كبيراً، وكان فيه دائماً مكان للجميع؟

الأكيد أنه كل ذلك وأكثر...

صباحاً، كنّا نلعب في الحاكورة بعد ترويقة الصبح: كاسة شاي ولفّة جبنة أو لبنة. أحد الأماكن المفضلة كانت «العربشة» على التينة. كلّ منا كان له مكانه الخاص، على فنده يستريح، يغني أو يتناول حبّة تين، خطوطها البيضاء ونقطة القطر تدلّ على أنها مستوية.

أو نقرر الذهاب للصيد. في البداية كنّا نصطاد بالفخ، ولما كبرنا تطورنا وصرنا نستعمل البارودة، أم حبّة.

كنّا ننزل على المحافر، أو البساتين القريبة حدّ عين بومزراب أو عين بومنصور، نطمر الفخ بالرمل بعد ربط الدودة، نختبئ ونبدأ بالغناء:

«آه يا دوري... يا ابن النوري، قدّامك لاي، يللا علاي، يللا يللا، عانك الله، وتشكلو... شكي صغيرة، عالبابيرة...»

أو:

«آه يا بوالحن... كن ولا تكن، على القعقور...»

فكل عصفور له غنيته.

كنّا أحياناً ننسى مراقبة ما يجري، مشغولين بالغناء، بينما يكون الفخ قد أطبق على العصفور منذ وقت، وعندما ننتبه نسرع إليه، نأخذ ريشة من جناحه لذبحه حسب الأصول بعد البسملة: «وسبحان اللي حلّلك للذبح».

ومع عصفورين أو ثلاثة نرجع للبيت ونعمل «بصلية».

أو نقرر الذهاب للسباحة، عالدردارة ومياهها الباردة المنعشة. تشعر أن رمال قعرها المتحركة تشدّك إليها.

أو نسرح في السهل الواسع، بدءاً بتينات العرايس، مروراً بشجر الصفصاف، ثم حقول البطيخ والشمام و«المأتى». نأكل من كل هذه الخيرات، وعلى ضفاف أقنية الري نلاحق بعض الضفادع وهي تصرخ: «قيق قيق». وإذا حصل أن قتلنا حيّة، نسحبها معنا إلى الضيعة مفتخرين بما صنعناه.

بعد الظهر كنّا نلعب «زحليطة».

طرقات الضيعة المنحدرة جداً كانت ملائمة للعبة الزحليطة. نختار حجراً كبيراً أملس من أحد جوانبه، نركبه ونمضي به من رأس الطريق حتى أسفله، ثم نعاود الكرة.

وآخر النهار نعود إلى البيت مع ثقب في مؤخرة البنطلون، ورِجل «معقورة».

مع مجيء المراهقة تتغير الاهتمامات، وتأتي الشقاوة.

السباحة تصبح أمتع في «الشاغورية»، ولتصل إلى الشاغورية عليك النزول إلى الوادي العميق الذي يفصل الخيام عن بلدة الماري إلى الشرق. هناك النهر قوي، مع أماكن غميقة وشلالات وصخور عالية مناسبة للشكّ، أي القفز.

وفي طريق العودة، صعوداً إلى البلدة، «بتحوّش صبير» لكي لا ترجع إلى البيت فاضي اليدين.

والشقاوة أيضاً في بعض «الغزوات» التي كنّا نقوم بها على «رمانة» الحجة الفلانية، أو على بستان فول الحج العلتاني.

أو بعد الرجوع من الصيد، ولكي تكون الوجبة «محرزة»، نذهب إلى الدكان في الضيعة: واحد يشتّت انتباه الدكنجي، والثاني يحطّ بجيبته بيضتين أو ثلاثة.

بعد الوجبة، أو قبلها، أو في أي وقت، نذهب إلى دكانة أبو علي للعب البليار «بيبي فوت». وعلى حائط دكانه مكتوب:

«يا للعار يا للعار، بو علي وهبه عمّر بيته من البليار».

والشقاوة أيضاً عندما كنّا ننزل إلى المرج، كل فتيان الحي، نركب تريللة تراكتور ابن خشيش، ننظر إلى عبدو ونبدأ الغناء:

«عبدو حابب غندورة، وغيرا ما بدّو...»

ومن تحت الزنار وبالنازل، وعبدو يتصنّع الحياء.

وعندما يحلّ المساء، الكزدورة بوسط البلدة، حيث تتوافد كل الشبيبة. الصبايا تتغندر زرافات، والفتية يحاولون لفت الانتباه، والبعض بطريقة «صبيانية» بالعضلات المفتولة.

في الليل، لعب الورق: ليخة وطرنيب، أو سبعة ونص. ويا ويلك إذا بتغشّ مع أبو بزقة، كانت بزقته كالقذيفة، تصيب دائماً!

أتت الحرب، وجاء الاحتلال، ولم نعد نطلع إلى الخيام.

اثنتان وعشرون سنة حتى التحرير. كنّا قد كبرنا وسافرنا وتغيرنا.

وبعد التحرير، بعد عام 2000، عدنا للزيارة، خلال العطل، لقضاء يوم أو يومين، أو أكثر قليلاً.

الأماكن تغيرت، والذكريات بقيت ذكريات... لكن لذّة المجيء إليها لم تتغير.

والسبب أعرفه.

أنا الذي سافرت وتعرّفت وتأقلمت...

هي المكان الوحيد في العالم الذي لا أشعر فيه، ولا يمكن لأحد أن يشعرني فيه، بأنني غريب.

محمد فاعور

تعليقات: