|
بنتيجة معركة مارون الراس تغير الموقف تماماً وأصبحت الحرب أو الاستمرار فيها حاجة إسرائيلية خطيرة وجذرية تتمثل في إنقاذ صورة الجيش الإسرائيلي. وانقلبت المعركة إلى معركة حياة أو موت كما يقول شمعون بيريز نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعركة مصير مشروع بكامله في الشرق الأوسط بالنسبة لأميركا.
وهنا تلاقت المصلحتان الإسرائيلية والأميركية واتخذ القرار بالمتابعة، وأجهضت أميركا كل الفرص لوقف إطلاق النار وشجعت إسرائيل على المتابعة واعدة بالدعم العلني في كل شيء.. وكان القرار الصعب: المتابعة للتعويض.
فتقرر استئناف العمل على المحور ذاته رغم الخسارة، ما أدى إلى ملحمة بنت جبيل حيث كان للمقاومة تكتيك آخر انتهى اعتماده إلى خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الإسرائيليين، ما حملهم على تغيير محور العمل وانتقلوا إلى عيتا الشعب، ولم يكن حظهم هناك أفضل بل كانت الخسائر أشد وأدهى، فغيروا محور العمل ثانية وانتقلوا إلى محور الطيبة مرورا بالعديسة وكان الإخفاق حليفهم. هنا رأوا الحاجة إلى عمل استعراضي يخفي الإخفاقات الشديدة التي حدثت فاعتمدوا العمل خلف الخطوط بإنزال في بعلبك بقصد خطف قيادي من حزب الله، وأخفقت العملية أيضا عندما تبين أن من خطفتهم القوة الإسرائيلية مواطنون لا علاقة لهم بالحزب ولا عهد لهم باستعمال سلاحه. وعندما تكررت عملية الإنزال في صور كانت النتيجة واحدة: الإخفاق.
لقد احتار الجيش الإسرائيلي في اعتماد أي مدخل ميداني يحقق عبره الإنجاز العسكري الذي يمكنه أن يقول إنه انتصر في الحرب ولو جزئياً، ولكن تبين له أن الأمر بات في حكم المستحيل بعد 18 يوماً من بدء الحرب، خاصة بعدما بدأ يتلمس الإستراتيجية العسكرية الفريدة من نوعها لحزب الله في القتال والتي تقوم على العناصر التالية:
أوّلاً: الأرض المحضرة جيداً للقتال: عبر بناء الخنادق والأنفاق تحت الأرض التي تمكن من الحركة والاختفاء بعيداً عن مراقبة العدو وناره.
ثانباً: حسن اختيار السلاح في المواجهة بما يلائم الهدف ويحقق النتائج التدميرية أو الشلل له.
ثالثاً: المستوى الرفيع للمقاتل مهنيا ومعنوياً، إذ إنه مقاتل يخرق المعقول في المواجهة والثبات.
رابعاً: منظمة الأمن والاستعلام التي يملكها الحزب والتي تمكنه من الوصول إلى ما يريد أن يعرفه عن العدو، ويحول دون اختراق العدو أمنيا له.
خامساً: القدرات الصاروخية الهائلة التي تهدد العمق الإسرائيلي إلى 70 كلم على الأقل.
سادساً: اعتماد نمط القتال المتحرك المرن الذي ينطلق بداية من مبدأ "لكل نقطة مقاتلوها"، ما يفشل سياسة تقطيع الأوصال.
" تنوعت أساليب القتال أو نمط العمل التكتيكي الميداني, بمعنى أن المقاومة نوعت نمطها القتالي بحيث لم يستطع العدو أن يتنبأ به في أي نقطة من مناطق المواجهة وكان يفاجأ دائما ويتكبد الخسائر في خط تصاعدي. "
|
سابعاً: اعتماد مبدأ الحركة الدائمة وعدم إخلاء الميدان ما يحول دون تحول الاختراق إلى احتلال، وفرض مفهوم إنشاء مناطق اشتباك بدل الأرض المحتلة.
ثامناً: تنوع أساليب القتال أو نمط العمل التكتيكي الميداني: من السد الواقف والضرب على الذنب، إلى الوعاء الحاضن ثم المدمر، إلى الكمائن البسيطة أو المركبة والمتعددة، إلى الاستدراج إلى مناطق التقتيل، إلى الغارات المركبة أو البسيطة، إلى الأفخاخ البسيطة أو ذات القوة التدميرية الهائلة.
بمعنى أن المقاومة نوعت نمطها القتالي بحيث لم يستطع العدو أن يتنبأ به في أي نقطة من مناطق المواجهة، وكان يفاجأ دائما ويتكبد الخسائر في خط تصاعدي.
تاسعاً: الحرب النفسية، والإعلام العاقل، والصدقية في تقديم المعلومة.
عاشراً: القيادة الواعية والحكيمة والثابتة على الأهداف والصادقة في المواقف.
بعد 18 يوما على الحرب استخلصت أميركا وإسرائيل النتيجة التالية: الهزيمة العسكرية واقعة لا محالة بإسرائيل ولاينقذها إلا الحل السياسي، لذلك انطلقت كوندوليزا رايس في البحث عن الحل، وكان التغيير في الخطة.
|