|
بدأت إسرائيل تنفيذ الخطة عملياً، ويبدو أنها حددت مهلة من أسبوع إلى عشرة أيام لتنفيذ كل مرحلة مع قابلية التمديد أسبوعا لكل منهما، بما يؤمن انتهاء العملية برمتها في حدود 31 يوليو/تموز تاريخ التجديد لقوى الأمم المتحدة في الجنوب، فيصدر القرار آنذاك وفقاً لواقع جديد تكون أميركا قد حضرت كل شيء فيه. وانطلق التنفيذ فجاءت النتائج كما يلي:
في المرحلة الأولى:
" ظهر أن المقاومة لم تكن غافلة عن النوايا الإسرائيلية فاتخذت من التدابير ما جنب بنيتها وأسلحتها وقيادتها أي ضرر من الفتك الإسرائيلي التدميري، ما أحدث الصدمة لدى إسرائيل. "
|
أوّلاً: دمرت إسرائيل كل ما تستطيع تدميره وفقاً لخطتها، واستهدفت كل ما كان معداً من قبلها عبر ما يسمى "بنك الأهداف" وعددها 420 هدفاً تقع في توصيف الأهداف المدنية ذات الصلة بالبنية التحتية اللبنانية، إضافة إلى منازل عدد كبير من المسؤولين في المقاومة الإسلامية ومقرات القيادة، ووسائط الاتصال وهوائيات الإرسال. وكان نصيب الطرقات والجسور كبيراً في عملية التدمير من الجنوب إلى الشمال، وتسبب القصف التدميري بارتكاب المجازر بحق المدنيين بتحطيم البيوت على رؤوس ساكنيها وجلهم من الأطفال والنساء والشيوخ، (أحصي عدد القتلى بعد 6 أيام من العدوان فتبين أنه 300 منهم 132 طفلاً دون الثامنة من العمر، ووصل العدد بعد شهر إلى 1126 قتيلا).
ثانباً: ظهر أن المقاومة لم تكن غافلة عن النوايا الإسرائيلية، فاتخذت من التدابير ما جنب بنيتها وأسلحتها وقيادتها أي ضرر من "الفتك الإسرائيلي التدميري"، ما أحدث الصدمة لدى إسرائيل إذ تبين لقيادتها أن أعمال القصف لم تحقق شيئا جوهرياً من أهداف الخطة، حيث استمرت على جهوزيتها القتالية والقيادية والبنوية، وتأكد ذلك عندما انتقلت المقاومة في اليوم التالي لاستعادة المبادرة بعد استيعاب العدوان، وبدأت تطبيق سياسة "الردع الدفاعي" باستهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ، ما مكنها من أن تلحق بإسرائيل خسائر مادية وبشرية لم تلحق بها منذ أن اغتصبت فلسطين عام 1948، خاصة بعدما وصل القصف إلى حيفا، وامتلكت زمام المبادرة في الميدان.
ثالثاً: تقويم عام للمرحلة الأول:ى
أ- فشل إسرائيلي في تحقيق أهداف الخطة في المرحلة الأولى.
ب- ظهور قدرات عسكرية هامة لدى المقاومة فاجأت إسرائيل على أكثر من صعيد ميداني عملي أو استخباراتي أو أمني، والأخطر الرد الصاروخي على العمق الإسرائيلي وبشكل دقيق.
ج- أما على الصعيد العسكري الإستراتيجي فإن فشل سلاح الجو في تحقيق الأهداف المحددة يمكن أن يؤشر إلى عدم جواز اعتماد نظرية "الحسم الجوي للأهداف المركزية" على غرار ما بدأ الترويج له بعد حرب 1967 يوم أخرج سلاح الجو المصري من المعركة، وتسبب في هزيمة الجيش المصري في الحرب كلها.
في المرحلة الثانية:
أوّلاً: رغم أن إسرائيل تأكدت من أن المرحلة الأولى لم تحقق أهدافها خاصة مع ظهور فعالية القوة النارية والمستوى المعنوي للمقاومة، فقد دفعت إلى المتابعة بعدما وجدت نفسها في مأزق شديد يفرض عليها الخيار بين:
ثانباً: التوقف عن القتال ما يعني انهيار المشروع وتكون الكارثة السياسية على أميركا وكل أتباعها.
ثالثاً: المتابعة بالانتقال إلى المرحلة الثانية متجاوزة إخفاقها في المرحلة الأولى، ما يستلزم إضافة هدف جديد إليها يتمثل في إعادة الاعتبار إلى جيشها بعد الإخفاقات الجوهرية والخسائر التي تكبدتها في المرحلة الأولى منذ أسر الجنود، إلى تدمير الدبابات من نوع ميركافا (من أفضل المدرعات في العالم)، إلى تدمير البارجة ساعر (ذات القدرات المميزة عسكرياً في النار والمراقبة والحماية)، إلى الإخفاق الاستعلامي وما يلحق به. وقد ألزمت بالمتابعة بقرار أميركي وضغط من بعض العسكريين في الداخل.
رابعاً: أما التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية فقد كان محكوماً بحذر إسرائيلي عسكري شديد، إذ إنها تيقنت في المرحلة الأولى من مدى عجزها عن معرفة حقيقة وطبيعة الخصم، لذلك كان لا بد لها من عملية كشف أو سبر الغور أو جس نبض المقاومة لمعرفة قدراتها الحقيقية في الميدان وفي قتال المواجهة، وللوقوف على حجم الثمن الذي عليها أن تدفعه في معرض تنفيذ المرحلة الثانية تلك.
فقررت أن تكون المرحلة مسبوقة بعملية "استطلاع بالقوة" كما هو معتبر في العرف العسكري. وقد اختارت العمل في القطاع الأوسط من الجبهة لأنه المحور الأفضل لها عسكرياً وسياسيا (فالقطاع الشرقي يجعلها في تماس مع سوريا، وهي لا تريد ذلك في تلك المرحلة من مراحل الحرب، والقطاع الغربي يعطي مزايا أكبر لعمل المقاومة) لذلك كان اختيار مكان الاجتياح البري هو العمل في القطاع الأوسط وكانت منطقة مارون الراس-عيترون- بنت جبيل هي المنطقة التي وقع عليها الاختيار لتنفيذ المهمة, ودفعت بقوة مدرعة بحجم كتيبة لإجراء عملية الاستطلاع والتوغل باتجاه بنت جبيل، وكانت تتوخى من ذلك هدفاً مباشراً هو كما ذكرنا، وهدفا غير مباشر هو تقديم إنجاز عسكري سريع عبر احتلال هذه المدينة التي تعتبر العاصمة التاريخية لجبل عامل وذات قيمة عقائدية وفكرية في الجنوب وعند المسلمين الشيعة.
خامساً: النتائج الأولية للمرحلة الثانية:
" انتهاج المقاومة أسلوب قتال يعتمد على المواجهة المباشرة والتصدي للقوات المتسللة، وهو يختلف عن أساليب حرب العصابات القائمة على تجنب المواجهة المباشرة ".
|
أ- مواجهة عكسية ضارية أبداها رجال المقاومة أوقعت الخسائر الجسيمة في القوى المتسللة إلى الحد الذي فرض على القوة المتسللة أربعة أيام من القتال للتمكن من التقدم 1300م داخل الأرض اللبنانية وبجبهة كيلومتر واحد، وتكبدت 7 قتلى و20 جريحا ودمر لها 5 دبابات ميركافا، مقابل 3 شهداء للمقاومة. وكانت صفعة بالغة الخطورة وجّهت لإسرائيل ما جعلها في حال الصدمة.
ب- اعتماد رجال المقاومة أسلوب قتال يعتمد على المواجهة المباشرة والتصدي للقوات المتسللة، وهو يختلف عن كل التقنيات وأساليب قتال العصابات القائمة على مبدأ "تجنب المواجهة المباشرة" (الفر في التقدم، والكر في السكون والتراجع). هذا الأسلوب حمل العدو على القول بأننا لا نحارب مليشيا بل لواء من القوات الخاصة-قوات النخبة من الجيش الإيراني، وذلك ليخفف من حجم الهزيمة التي لطخت وجهه في مارون الراس.
ج- عدم تأثير دخول العدو إلى مارون الراس على أداء المقاومة وتحركها وفعالية المواجهة والرد والقصف، إذ ثبتت المقاومة على ما كانت عليه عسكريا ومعنوياً من غير أي تبدل.
ع- وبالخلاصة خرجت إسرائيل من عملية جس النبض بمحصلة مفادها أن تنفيذ المرحلة الثانية كاملاً يعني أن عليها دفع ثمن ليس بالقليل، ما أدى إلى رفع الأمر إلى السلطة السياسية لتتخذ القرار وتكون المسؤولة عنه، إذ إن الجيش لم يكن بمقدوره تحمل المسؤولية في هذا الشأن.
|