«أنظروا إلى البارجة..»

الجملة التي كتبتها على شاشة كومبيوتري في المكتب بأحرف بنفسجية كبيرة، كانت تدور وتدور عارضة نفسها لمن يريد أن يستعيد متعة تلك اللحظة التي سمع فيها تلك الجملة المثيرة التي لا تنسى. بقيت تلك الجملة على الشاشة لشهور، ثم انتقلت بمكتبي فمُحِيَت، ولكنها لم تمحَ من ذاكرتي «ها هي البارجة الإسرائيلية التي اعتدت على بيوت الناس والمدنيين اللبنانيين، أنظروا إليها في عرض البحر تحترق وستغرق بعشرات الجنود الإسرائيليين». مجرد استذكار تلك اللحظة لا يزال قادراً، حتى بعد سنة كاملة، على اجتياح جسدي بقشعريرة تأثر، والدفع بدموع الامتنان إلى عيني. الامتنان للمهارة ولحسن استخدام الذكاء والعقل. كنا في «السفير»، وكان الظهور الاول للسيد منذ بداية العدوان.. أطل عبر المنار، وانساب صوته هادئاً كالعادة، وواثقاً. بدأ بفقرات تمهيدية، وكان الجميع ينتظر منه الكلام السياسي. عبّر عن مواقف عدة وقال إن العدوان الإسرائيلي ليس رداً على عملية أسر الجنديين، بل هو تصفية حساب مع الشعب اللبناني والمقاومة» قاصداً، حساب تحرير الجنوب من دون «ضربة كف». ثم، وحين لم يكن أحد ينتظر شيئاً بعد إعلانه لتلك المواقف التي ترقبها الجميع، ألقى قنبلته «أنظروا إلى البارجة العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت الناس والمدنيين، أنظروا إليها في عرض البحر الآن، تحترق وستغرق ...». ولم يعد أحد من الزملاء يسمع شيئاً بعدها: نظرنا إلى بعضنا كمن لا يُصدّق. ومن دون كلمة انطلقنا صائحين: إلى السطح. هكذا، اندفع جمع من الصحافيين من الطابق الثاني في «السفير» ننهب الأدراج نهباً باتجاه سطح الجريدة في الطابق التاسع، والذي يُرى منه البحر. لم يفكر أحد منا، باستقلال المصعد. كانت النهار قد أفل ولكن ليالي تموز تبقى مضيئة.. ولا شك في أن احتراق بارجة عسكرية إسرائيلية في عرض البحر كان ليرى خاصة أن السيد قال إنها قبالة شواطئ بيروت. هل قال إنها قبالة بيروت؟ لم يعد أحد يذكر تماماً بعد تلك الجملة السحرية. لقد أخذت «انظروا اليها تحترق» بالألباب. عشرات الأرجل تتسابق على الأدراج وفي كل طابق من طوابق الجريدة كان زملاء آخرون، أصابتهم الجملة بالحمى ذاتها، ينضمّون إلى الموكب الطائر. حدث كل ذلك في دقائق.. ووجدنا أنفسنا فجأة وقد وصلنا إلى الدرج الأخير أمام ظهر «الزميل» طلال سلمان الذي كان قد سبقنا على الدرج كون مكتبه يقع في الطابق السادس. أين المفتاح؟ يصرخ بعضنا ببعض. وشخص يقول: ها هو. لا أذكر كيف فتح باب السطح، ولكن أذكر جيداً أننا اندفعنا إلى باحته متفحصين عرض البحر. وأذكر أننا لم نميّز شيئاً وأن الدنيا كانت ليلاً، فعدنا أدراجنا لتسقط الصور على الشاشات التلفزيونية.

ما حصل في «السفير» حصل لا شك في وسائل إعلام أخرى. لكن وضع التلفزيونات كان شيئاً آخر. فقد كانت «الصورة ماء حياتها. هكذا تحوّلت فرق عمل عشرات القنوات الموجودة في لبنان للتغطية، إلى فرق بحث على الشاطئ.. في حين كان زملاء آخرون في التحرير، يجرون الاتصالات لمحاولة معرفة معلومات إضافية تساعد على تحديد موقع البارجة الإسرائيلية المصابة أو التأكد من مصيرها.. بدات إسرائيل بالنفي من دون أن يمنعها ذلك من إرسال سفنها للبحث في عرض البحر: فهم يعلمون أن الأسلوب العسكري والإعلامي للسيد هو الصدق. نفت إسرائيل ثم اعترفت في اليوم التالي بـ«الفقيدة»: كان اسمها حانيت وكانت من نوع «ساعر». حبيبتي حانيت.. احترقتِ ولم أر صورتك الجميلة. ولكن ما همّ فقد بقيت الجملة لتؤرخ لحظة تضافر في غزل دانتيل توقيتها الغني بالمضامين العسكرية والسياسية والإعلامية، حسن التنسيق وذكاء المخيلة السياسية، وسرعة البديهة العسكرية، والإدراك العالي لمعنى الإخراج الإعلامي ذاك. كأن تلك اللحظة هي الابنة الشرعية الوحيدة المتحدّرة من صلب لحظة أخرى بطلها جمال عبد الناصر. لحظة قوله «دي ليسبس» التي كانت كلمة السر بينه وبين قواته لبدء تأميم قناة السويس، وذلك خلال خطابه المباشر للشعب المصري. قال: دي ليسبس، مرتين، وأعلن في نهاية الخطاب، بعد أن عرف أن السيطرة على مرافق القناة قد تمت بنجاح «تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة وطنية مصرية».

لحظة وحيدة، ولكن مكثفة، حفرت في الوعي لتلتقي بلحظة أخرى حصلت منذ أربعة عقود. لحظة تجلى فيها إخراج عسكري إعلامي، كان وحده من بين كل ما قاله السيد، لا يُصدّق.

تعليقات: