الخيام وطلّ شوي عَ

شكري أنيس فاخوري: «العاصفة تهبّ مرتين» على الدراما اللبنانيّة

كتب شكري أنيس فاخوري باكورته القصصية قبل أن يتجاوز الرابعة عشرة. كان متأثراً بهزيمة 1967، فعنون قصّته «رواية انتصار الأبطال لشكري فاخوري». خطّها على دفتر صمّمه والده الذي كان خطاطاً ورساماً. على الدفتر عينه، كتب أنيس فاخوري مذكراته يوم كان معتقلاً في قلعة راشيا (الوادي)، لمدة ثلاث سنوات ابتداءً من كانون الثاني (يناير) 1944، بسبب انتمائه إلى «الحزب السوري القومي الاجتماعي». ذكريات الأب في راشيا مثّلت وحياً لابنه في ما بعد، فألّف كتاباً ومسلسلاً أسماهما «في اليوم الحادي عشر».

ترك الوالد أيضاً أثراً سياسياً بالغاً في ابنه الوحيد. بسبب تفرّغه الحزبي وسفره الدائم، ترعرع ابنه في كنف أخواله آل مكرزل، منهم ميشال وفؤاد، صاحبا مجلة «الدبور». أما خالته أليس، «فهي التي عززت كتابتي ودراستي، حتى أنني كنت أهرب من البيت وألجأ إليها. جعلتني أتعلّق باللغة العربية وآدابها منذ الصغر». يخبرنا صاحب «العاصفة تهب مرتين» (1993) في مكتبه في جامعة «الكفاءات»، في قسم العلوم السينمائيّة الذي يديره منذ خمسة أعوام.

ولد شكري أنيس فاخوري في دمشق، حيث كان والده يعمل، قبل أن ينتقل إلى الأشرفيّة. أمّا جذور العائلة فتعود إلى الميناء في شمال لبنان. في مدرسة الحكمة القريبة من البيت، تلقّى علومه، لكنّ والده آثر نقله إلى مدرسة تعلّم الإنكليزية لكي يجاريه. هكذا سجّله في مدرسة «النهضة»، ثم في «سي. تي. آي»، قبل أن يدخل الجامعة اللبنانية ويتخصّص في الأدب العربي ويتخرّج عام 1975.

نشأ فاخوري في ظل أفكار والده، وهي «ليست سياسية بقدر ما هي علمانية»، يقول. «لم يجرّب والدي مرّة أن يفرض عقيدته عليّ. ترك لي حرية الاختيار، لكنّني مع الوقت اقتنعت بالعقيدة وعشتها حياتياً من دون ممارسة حزبية». أوّل قطعة أدبيّة كتبها كانت «رسالة إلى أبي»، وكان عمره عشر سنوات. نشرها خاله في «الدبور» ووقّعها باسم شكري سعادة فاخوري (صحافي المستقبل). وسعادة هو الاسم الآخر الذي اختاره الوالد لقباً بعيداً عن أوراقه الثبوتيّة.

كانت خالته أليس مكرزل، تشتغل منذ الأربعينيات في «إذاعة الشرق الأدنى» ثمّ في وزارة السياحة. درج أن تخبره قصّة كل ليلة قبل أن ينام. «أمتع قصة عندي كانت قصة يسوع المسيح منذ بشارة مريم، وولادته، حتى كبر وصلب ومات وقام»، يخبرنا. «كنت أرى فيها مثال القصة الدرامية الجميلة». كانت أليس تقرأ له وتشجّعه. «عندما بدأت أكتب الشعر، كانت أول من يسمع قصائدي، تجلس وتطلب أن أُسمعها فتقول لي بلهجتها المصرية هي التي نشأت مع أشقائها في مصر: آه كويس، كويس جداً يا شكري. إكتب كمان وكمان».

حين اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، تبع شكري والده إلى الكويت، ليعمل معه في مطبعته، وصار مشرف الطباعة والتحرير والنشر، في «منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول». بعد ست سنوات، قرر مع مجموعة من الأصدقاء العودة إلى بيروت وإنشاء مطبعة، وكانت ظروف البلد من أصعب الظروف. في هذا الوقت، لم تكن الكتابة لتفارقه، «كنت أكتب وأضع جانباً قصصاً وروايات. كتبت «الجائعون» ورواية «غبطته والشيخ» التي تؤرخ للحرب اللبنانية من مفهومي الخاص». بعدها، دخل عالم الدراما من خلال «تلفزيون لبنان»، وقدم نصّه «اللوحة الأخيرة» عام 1987 ونفذه عام 1988، فيلماً تلفزيونياً. ثم أعد مسلسل «مذنبون ولكن»، و«ربيع الحب»، وفيلماً تلفزيونياً اسمه «الثلج الدافئ»، قبل أن يضرب ضربته مع «العاصفة تهبّ مرتين». بين عام 1994 وبداية 1997، تحوّل طلاق نهلا ونادر صباغ ـــ بطلا المسلسل ـــ إلى حديث البلد. تعرّض العمل للكثير من النقد بسبب جرأته، لكنّه بقي محطة شهرة شكري أنيس فاخوري الأوسع. «عندما انطلقت، قلت إنّني إن كنت سأكتب، فسأكتب عن الواقع المعيش. الأشياء «العاطلة» موجودة، لكنَّها لا تتبلور أو تصل إلى الناس، إنْ لم تكن تحمل عوامل صراع. عموماً، لا يهدف أي عمل من أعمالي إلى تحطيم القيم السائدة. لكن هناك من كان يرى مشهداً معيناً وينفجر غيظاً. بعضهم اعتبر «العاصفة...» باباً لدخولنا في المحرّمات، لكنّها لم تكن إلا جزءاً بسيطاً من واقع معيش». في عام 2002، انتقل إلى «إل بي سي»، ليقدم سلسلة «حكايات» من قصص مختلفة، ولما تزل مستمرة حتى الآن، وكتب لشاشات أخرى «غداً يوم آخر» و«نورا» ثم «امرأة من ضياع»...

وها هو يكتب اليوم «قصة زينب». اليوميات اللبنانيّة تحفزه على كتابة القصص التي تنتهي دائماً بمآسٍ اجتماعية. يبدي تململاً من الخطاب العام اللبناني المليء بالتكاذب والشعارات الفضفاضة. «... وعندما تصل إلى الجوهر، يبدأ التقوقع الطائفي والمذهبي، وخصوصاً في مسألة الحب والزواج»، يقول. «واقعنا هو القرف بكل ما للكلمة من معنى. نقول إننا نحب بعضنا بعضاً، وإننا شعب واحد، ومن أهم عوامل الوحدة هي الزواج المختلط. حسناً إن كنت أحبّ جاري، وعلاقتنا سمن على عسل، فكيف أمنع ابنته من أن تحب ابني، أو ابنتي من أن تحب ابنه؟»،

يسأل.

لا ينفي فاخوري تراجع وتيرة كتابته في السنوات الأخيرة. لكنّه لو عاد إلى البدايات، فلن يختار مهنةً أخرى غير مهنة الكتابة. «مهنتي تشعرني بمتعة. الأهم أنّه ليس هناك أحد «فوق رأسي»، لهذا تمنحني الكتابة شعوراً بالألوهيّة. أعلّم طلابي أيضاً أن يكونوا آلهة في الخلق الإبداعي، ويخترعوا شخصيات ناضجة». من يكون مرجعك إذاً؟ «الجمهور الذي سيشاهد العمل. ذاك هو يوم الدينونة، فإما النجاح أو الفشل».

5 تواريخ

1953

الولادة في دمشق لعائلة من الميناء ــــ شمال لبنان

1967

روايته الأولى «انتصار الأبطال» عن نكبة فلسطين (لم تنشر)

1975

تخرّج من الجامعة اللبنانية في اللغة العربية وآدابها

1993

كتب مسلسل «العاصفة تهب مرتين» الذي تواصل عرضه أربع سنوات

2010

يضع اللمسات الأخيرة على مسلسل اجتماعي بعنوان «قصة زينب»

مقالات أخرى للكاتب(ة)

تعليق