الخيام وطلّ شوي عَ

عدلون تشتهر بالمغاور والنواويس الأثرية القديمة والأجران والملاحات

آثارها تعاني من الإهمال والتعديات في ظل غياب المسؤولين..

عبود: رفعنا رسائل كثيرة إلى الإدارات المعنية ولم تحرك ساكناً..

تنتظر مغارتان أثريتان هامتان في بلدة عدلون الساحلية الجنوبية، ومعهما عشرات الكهوف والنواويس التي تعود الى العصر الفينيقي، والتي تنتصب على كتف البلدة قبالة البحر، أن تنفض الدولة ومديرية الآثار العامة عنهم غبار الإهمال والنيسان، بعدما أُقفلتا على "زغل"، فصدأت أبوابهما وبحت حناجر أبنائها، وهي تطالب بإعادة المجد والتألق اليها بعد أفول منذ عقود غابرة، حين كانت المنطقة مركزاً للعدل والحكم، وبوابة تجارة رائجة على المتوسط، فضلاً عن صناعة الملح، حيث ما زالت صخور الشاطىء شاهداً على إنقراض هذه المهنة التي إعتاش منها الكثير من أبناء الجنوب، فضلاً عن البطيخ، الذي له سمعة كالذهب في السوق اللبناني حتى الآن..

وتعتبر مغارتا عدلون لا مثيل لهما من حيث الشكل، وهما من أهم المغاور اللبنانية، اذ يعود تاريخ بناؤهما الى 4 آلاف سنة، حيث تشكل همزة وصل وتلاقٍ بين آثار صور وصيدا وتاريخهما الحضاري..

التاريخ والتسمية

عدلون إحدى البلدات الجنوبية في قضاء صيدا (الزهراني) في محافظة الجنوب، ترتفع 100م عن سطح البحر، مساحتها 8.6 كلم2، تبعد 61 كلم عن بيروت و20 كلم عن صيدا، سكانها 5770 نسمة، يحدها من الشمال والشرق بلدة أنصارية، ومن الجنوب منطقة أبو الأسود، ومن الغرب البحر، وتتميز بسهلها الفسيح المليء ببساتين الحمضيات والموز ومواسم البطيخ.

ورد إسم عدلون في كتب التاريخ، على لسان عدد كبير من المؤرخين القدماء، ويرد علماء اللغة والآثار الاسم إلى اللغة السريانية القديمة، التي تعني عيد اللآلهة، وتحديداً نسبة الى الآله "آلون" المشهور في العصر الفينيقي، وقد نسبت اليه لأهميتها فقالوا "عدلون"، ويُقال أيضاً أن البلدة كانت مركزاً للعدل، حيث توجد عدلية ومشنقة أي أنه كان يصدر الحكم ثم ينفذ والمشنقة، ما زالت حتى اليوم وبعض الجماجم والعظام.

ساهم موقع البلدة الجغرافي في تطور عدلون، خصوصاً في الربع الأخير من القرن العشرين بعد تأسيس مدرستين متوسطة مختلطة وثانوية لأبناء البلدة وللبلدات المجاورة، كما سمح موقعها في سهولة وصول نخبة من الشباب إلى صيدا للدراسة في الجامعة اللبنانية، والتفرغ فيما بعد للتعليم والمساهمة في التنمية البشرية والاجتماعية في البلدة.

آثار ومغاور

وتدل الآثار القديمة في بلدة عدلون، ولا سيما الكهوف والمغاور والنواويس، أن الإنسان سكنها منذ عصور غابرة، ووفق علماء الآثار فقد دلت الحفريات، التي قامت بها بعثات فرنسية مختصة بالتنقيب بتكليف من الدولة اللبنانية، على وجود بقايا هياكل عظمية بشرية وأواني مطبخية وحياتية، كانت تستخدم في العصر الحجري أو في عصور ما قبل التاريخ، حيث تنتشر في جبال البلدة وفي سهلها الواسع كهوف وقبور حجرية، تعود إلى حقبات غير معروفة، إلا أنها تُشير إلى تعاقب شعوب كثيرة على السكن فيها، أو المرور عبرها كونها تقع في منتصف الطريق على الساحل بين مدينتي صيدا وصور التاريخيتن، وعلى طريق المدن الفنيقية الساحلية التي اشتهرت في اساطيلها التجارية عبر البحار.

كما أثبتت الحفريات الأثرية التي قام بها فريق من خبراء ما قبل التاريخ، من الجامعة اليسوعية في القرن الماضي، أن هذا الكهف استُعمل مسكناً لإنسان العصر الحجري الأول (150 ألف سنة)، الذي خلّف في داخله عدداً كبيراً من القطع الصوانية المنحوتة، وأثبت اكتشاف تلك الصوانيات أن لبنان كان موطناً للصيادين في العصور الحجرية، وبعد أكثر من 140 ألف سنة، سكنت الكهف مجدداً ولعلها كانت جزءاً من قرية صغيرة مبنية بالقرب منها.

توجد في عدلون مغاور حفرها الرومان، وهي محفورة بالصخر بشكل يصعب الدخول اليها، ولكنها واسعة في الداخل بإستثناء واحدة طبيعية، بابها واسع وفيها نتوءات تتدلى وتشبه مغارة جعيتا.

واعتبر الأب لامنس في كتابه تسريح الأبصار "أن المغاور القديمة والكهوف التي كانت مدافن للموتى، قد تحولت إلى مسكن للرهبان، قائلاً لدينا من الأدلة ما يحملنا على القول، أن الرهبان اتخذوها لهم مساكن أووا إليها من ذلك ما ترى فيها من شارات النصرانية.. ومن اعتبر هذه المساكن الغريبة لا يشك في أن الرهبان وحدهم أمكنتهم الاقامة فيها". - ويعطي الأب لامنس أمثلة على هذه المغاور - الأديرة، أمكنة إقامة الرهبان: عدلون بين صيدا وصور.

ولعلّ موقعها الجغرافي هذا، جعل منها نقطة لاعادة استعمال صخورها في الفترة الرومانية، مدافن تحفر في الصخر على شكل غرف، يُقسّم داخلها إلى نواويس منحوتة، فيما تتميّز مغارة عدلون الكبرى التي سكنها إنسان ما قبل التاريخ ببابها الغربيّ الواسع المطلّ على البحر، وبفتحات كبيرة في وسطها تشبه ثدي المرأة المقلوب، ويقولون إنّ المياه المتسرّبة من الصخور على مدار السنة، أو خلال فصلي الصيف والشتاء هي أفضل دواء لمعالجة آلام الرضعة الأولى، ولزيادة كمية الحليب في صدور الأمهات، ولهذا السبب تعوّدت النسوة زيارة المغارة وغسل صدورهن بمياهها، وربما لهذه الميزة وبسبب ثدي المرأة المقلوب في وسطها أطلق عليها اسم مغارة "أم البزاز".

عبود

* لكن هذه المغاور اليوم تعاني من إهمال المديرية العامة للآثار ووزارة السياحة، فيما البلدية تبذل كل مستطاع لاعادة الحياة والروح اليها دون جدوى، ويعدد رئيس بلدية عدلون الدكتور حمزة عبود أسباب الإهمال، منها ما يعود الى مديرية الآثار العامة، التي تعتبر المسؤولة الأولى عنها، ثم وزارة السياحة التي لم تضعها على الخارطة السياحية الجنوبية، نتيجة الإهمال والتعديات والبناء على الأملاك العامة، فيما البلدية غير قادرة وحدها على فعل شيء.

وأشار "أننا رفعنا رسائل وكتب كثيرة الى الإدارات المعنية، ولم تحرك ساكناً، أرادت البلدية ذات يوم إنارة المغارة الكبرى، ولكن البناء الذي حصل عليها أفشل كل الأمر، فيما المخالفات تعم البلدة في المشاعات، وأملاك الآثار والسكة الحديدية – النقل، وهذه التعديات مزمنة وتحتاج الى قرارٍ جريءٍ من الدولة".

وتابع: إن معاناتنا لا تختلف كثيراً عن بقية البلدات المجاورة، التي تعاني من الإهمال في الآثار والمخالفات والتعديات، وللأسف فإن الأموال المرصودة من موازنة الدولة، تذهب الى بعض آثار المدن دون النظر الى القرى وآثارها المهملة.

وأوضح "أن القانون لا يسمح للبلديات إزالة المخالفات والتعديات، نحن لا نملك جيشاً ولا الدرك ولا السلاح أي القوة، إنّ ورشات البناء على الآثار والأملاك العامة والمشاعات، وحتى السكة الحديدية كانت قائمة منذ فترة، وقد أصبح هناك فنادق ومنازل ولو كان الأمر يقتصر على عشرة أو مئة لعولج الأمر، والمسؤولية في نهاية المطاف تقع على الدولة".

أجران وملاحات

وأشار عبود الى "أن أهمية عدلون لا تكمن فقط في المغاور والكهوف والنواويس، ففيها ميناء قديم ومراسي وأجران الزيت والملاحات، وهي في غالبيتها تقابل المغاور عند الشاطىء، وقد جاء الى هنا أناس من اليابان، ومعهم صور لأجدادهم كانوا قد التقطوها في عدلون عند الميناء، أيام الحرب العالمية الأولى، لقد أرشدناهم الى المكان الذي كان ميناء".

وتابع: وعلى صخور الشاطىء ما زالت آثار الملاحات، وهي عبارة عن أجران بطول متر وعرض نصف متر، وشكلها أحياناً دائري، كان توضع مياه البحر في برك عدة أيام تكون المياه أو الجزء الأكبر منها، قد تبخر ثم تنقل الى الأجران وتبقى فيها نحو عشرة أيام قبل أن تتحوّل الى ملح، لم تكن مياه البحر توضع مباشرة في الأجران بل في البرك أولاً.

وأكد "أن أهالي عدلون يدركون أهمية المنطقة وآثارها، ولكن ليس بيدهم حيلة لتغيير الواقع، اننا نحافظ على التاريخ وكل كبير وصغير في البلدة، يعرف عن هذه الآثار والمغاور، وكثيراً ما يقصده الأطفال من أجل مشاهدتها، أو اللعب قربها أو الإحتماء من الشمس أو الإستراحة بعد السباحة في البحر".

وقال عبود: إنني كرئيس بلدية، أطالب الدولة الاهتمام بهذه الآثار بشكل عام، لأنها وجه لبنان الحضاري وبآثار عدلون بشكل خاص لأنها غنية، لا نريد أن تبقى آثارنا في الظلام، نريدها أن تخرج الى النور والإهتمام، وتعود الى سابق عهدها من التألق والإزدهار.

وأكد "أن شكل المغارة الكبرى رائع هندسياً، فيها القبة الأولى والثانية والقنطرة وفيها أماكن للنور، وهي موصولة بمغارة أخرى في قلب البلدة تحت الأرض، بعض الشباب حاول الوصول من الأولى الى الثانية، وفشل بسبب الخوف وضيق المساحة، ويقال عندنا أنهم وضعوا ذات يوم ديكاً في المغارة الأولى في البلدة، فخرج من المغارة الثانية قبالة البحر - أي أنها موصولة وتحتاج الى اهتمام، أما المغارة الثانية العلالييه فهي تبعد 400 متراً عن الأولى، وهي مؤلفة من طابقين، أول على مستوى الأرض. والثاني في قلب الصخر، وشكلها الهندسي رائع، وقد استثمرتها شركة بريطانية وتركت الحفر بها، ولم نعرف ماذا فعلوا بالضبط".

وختم عبود بالقول: هناك نحو 50-60 دونماً من أراضي البلدة فيها نواويس وكهوف، بينما تبلغ مساحة البلدة 8600 دونم.

Th@janobiyat.com

مقالات أخرى للكاتب(ة)

تعليق