المقاومة الإسلامية... لماذا انتصرت؟


لقد كان من الصعب، لدى العديد من الباحثين والمراقبين، ان لم يكن من المستحيل، تصور ان تنتصر المقاومة الاسلامية، في لبنان، بإمكاناتها المحدودة، وبأسلحتها البدائية، على جيش اشتهر بقوته التي حققت له انتصارات جمة، في حروبه مع العرب، ولكن هذا الصعب، او المستحيل، قد دحضه الواقع الذي نحتفل اليوم بتجسيده انتصارا مدويا اعطى العرب، جميعهم، نموذجا رائعا من نماذج الصمود والمقاومة والجهاد في سبيل دحر العدو المشترك، ويمكن تحديد عوامل هذا الانتصار كما يلي:

1. كانت المقاومة الاسلامية "تسبح في بحرها"، فالشريط المحتل من لبنان، من البحر غربا حتى البقاع الغربي وحاصبيا شرقا، والذي يشكل نحو "10/1" من مساحة لبنان، يقطنه الاهالي الموالون، في غالبيتهم، للمقاومة، (ونقول غالبيتهم، لان قلة منهم كانت متعاملة مع العدو الصهيوني وحلفائه من ميليشيا العميل لحد).

وكانت هذه الغالبية تنتمي، في معظمها، اما الى عقيدة دينية (الطائفة التي تتخذ من كربلاء نموذجا للتضحية وقدوة للفداء، فاصبحت الشهادة في سبيل القضية هدفا ومبتغى، ومن هنا كان نجاح حزب الله وانتصاره المبين في ثورته على المحتل الاسرائيلي)، او الى احزاب قومية (كالحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي)، او اممية (كالحزب الشيوعي)، وهو ما منح اهالي المناطق المحتلة طاقة من الصبر والصمود وتحمل معاناة الاحتلال وشراسة المحتلين وانتقامهم، بسبب عمليات المقاومة، طوال نحو ربع قرن، وليست "قانا" سوى نموذج من نماذج تلك المعاناة وذلك الصبر والصمود.

2. كانت تعتمد على "خلفية حاضنة" يمكن تسميتها تجاوزا "هانوي العرب"، وهذه الخلفية هي:

*

أ. لبنان، الشعب والمجتمع، على اختلاف طوائفه ومشاربه، وهو الذي تحمل، بصبر وصمود كذلك، كل شراسة العدو الاسرائيلي واعماله الانتقامية، ردا على عمليات المقاومة، وهو ما يتحمله الا المؤمنون بقضاياهم المحقة والعادلة، وليست اعمال تدمير "البنى التحتية" في بيروت وسواها من المدن اللبنانية، سوى البرهان القاطع على شراسة انتقام العدو وصدق صمود هذا الشعب.

*

ب. الدولة والجيش، وقد احتضنا المقاومة وكانا السند الحقيقي لها، فلم تكن هذه المقاومة قلقة على مؤخرتها، بل كانت مطمئنة الى ان خلف ظهرها شعب يشد ازرها، ودولة تساندها، وجيش يدعمها ويحميها.

*

ت. سوريا الشقيقة، التي كانت تشكل الظهير المؤازر والفعال في دعم المقاومة الاسلامية في لبنان ومساعدتها، والجمهورية الاسلامية الايرانية التي كانت، وما زالت، الداعم الرئيسي لهذه المقاومة.

وهكذا، كانت المقاومة الاسلامية، في لبنان، مطمئنة الى اهلها في المناطق المحتلة، كما الى اهلها في المناطق المحررة، والى تأييد الحكم ومؤازرته، في كل من لبنان وسوريا وايران، وهو ما شكل "الخلفية الحاضنة" لهذه المقاومة.

وكانت المقاومة الاسلامية، في لبنان، قد وضعت، لتحقيق اهدافها، استراتيجية طويلة النفس، مصحوبة "بتكتيك متدرج" وفقا لامكاناتها وقدراتها، ووفقا لتطور الاحداث. وكانت تطور تكتيكها، وتنوعت اسحلتها ومناورتها، بشكل يتلاءم مع استراتيجيتها، ووفقا لاوضاع العدو وردات فعله.

ومن هنا، يمكن القول ان المقاومة الاسلامية اعتمدت، في مواجهتها مع العدو، وبالاضافة الى الاسلحة التقليدية، البدائية والبسيطة، عاملين مهمين اثرا تأثيرا كبيرا على معنوياته، وهما: دراسة ردات فعله وتأثير عملياتها عل جيشه، والسعي لتعميق هذا التأثير من خلال تبدل اسلوب العمل بغية تحقيق المفاجاة، واستخدام الاعلام استخداما مميزا. لم يسبق له مثيل في اية مقاومة (وذلك يحتاج الى دراسة خاصة اكثر تفصيلا).

كانت المقاومة الاسلامية قابضة على زمام المبادرة في مواجهتها مع العدو، وكانت استراتيجيتها تقضي بإرهاقه وانهاكه حتى التخلي، طوعا، عن الاراضي المحتلة، وكانت المعادلة المرسومة تقضي بأن: كلما ازداد عدد التوابيت التي يحملها العدو من الشريط المحتل الى داخل فلسطين المحتلة، كلما ازدادت نسبة المعترضين، في الكيان الصهيوني، على بقاء الجيش الاسرائيلي في لبنان. اي ان اللعبة كانت، في حقيقتها، لعبة "عض الاصابع"، ومن "يصرخ اولا"، لبنان ام اسرائيل، وقد صرخت اسرائيل اولا، فآثرت الخروج من لبنان بدون اي شرط، وبلا اي مكسب.

ولم ينته تأثير المقاومة عند هذا الحد، بل انها حققت ما يسمى "بتوازن الردع" او "توازن الرعب" بينها وبين اسرائيل، وهو ما يتحقق، لاول مرة، في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي.

في البداية، لم يصدق الكثير من اللبنانيين ان هذه الاستراتيجية، التي اعتمدتها المقاومة، في مواجهة جيش مشهود له بالكفاءة والمقدرة، يمكن ان تؤدي الى انتصارها واكراه هذا الجيش على الانسحاب، ولكن المقاومة انتصرت، ولم يكن انتصارها مفاجأة للمحللين والباحثين الاستراتيجيين الذين ادركوا استراتيجية المقاومة واطمأنوا اليها. وكان المشككون يبررون تشكيكهم بانعدام توازن القوى بين المهاجم (بكسر الجيم) والمهاجم (بفتحها)، اذ كيف يمكن ان تستطيع هذه المقاومة، بامكاناتها المتواضعة، دحر جيش عجزت الجيوش العربية عن إلحاق الهزيمة به، ولكن غاب عن بال هؤلاء ان اية مقاومة، في التاريخ، آمنت بقضية، وعملت لاجلها بجد وإيمان ووعي للظروف القائمة بينها وبين العدو، مع استراتيجية محددة، وتكتيك متطور وفقا للظروف، لم تنهزم، والامثلة على ذلك كثيرة اقربها، في عصرنا: الجزائر، وكوبا، وفيتنام.

وبسبب من استراتيجيتها وما اتبعته من تكتيك متدرج، وبسبب من تعاطف الشعب معها، في داخل الشريط المحتل وخارجه، ارتقت المقاومة الاسلامية، في لبنان، الى مرتبة "الثورة" بكل معانيها وابعادها، فكانت ثورة الحزب بالعمل المقاوم، وثورة الشعب بالصمود والتحمل، وثورة الدولة المحتلة اراضيها، والجيش المؤازر، بالدعم والمساندة.

ربما يعترض معترض ان كيف يرضى جيش نظامي بدور المساند لثورة (غير نظامية) ضد جيش محتل، فدور الجيش، اصلا، وفي اي بلد، هو القتال لاجل دحر العدو وتحرير الارض. ويرد على هذا الاعتراض بالقول انه، عند انعدام توازن القوة بين جيش محتل وجيش بلد احتلت ارضه، كما هو الحال بين الكيان الصهيوني ولبنان، تظل المقاومة، وبالتالي الثورة، هي الطريق الاسلم لتحرير الارض، ولا يمنع ذلك من ان يسهم الجيش في المقاومة بالوسائل التي يراها مناسبة.

وفي اعتقادنا انه، لو اعتمد العرب اسلوب المقاومة الذي اعتمد، في لبنان، على مختلف الجهات العربية مع العدو الصهيوني، وفي داخل فلسطين نفسها، لما استطاع هذا الكيان، منذ قيامه، ان يستقر ويبلغ ما بلغه من القوة والمقدرة.

مقابل ذلك، لم يكن الجندي الاسرائيلي معدا للقتال، بالمستوى نفسه، وذلك للاسباب التالية:

1.

الجندي اليهودي جبان بطبيعته، وبحكم تربيته الدينية التي تعتبر الموت نهاية ابدية للحياة، فلا بعث ولا نشور ولا يوم دينونة للحساب، الا انه شجاع اذا امتطى دبابة او طائرة او احتمى خلف متراس او دريئة، فما ان يتخلى عنها حتى يشعر بعريه وفزعه، فهو محب للحياة، راغب بها، بقدر ما ان المقاوم محب للشهادة راغب بها كذلك، وقد صدق قول الله تعالى في اليهود، اذ قال عنهم، في كتابه الكريم "لا يقاتلونكم جميعا الا في قرى محصنة او من وراء جُدُر " (سورة الحشر الآية 14)، وقد ثبت ذلك في كل حروب اسرائيل مع العرب، ومن خلال احتلال العدو الصهيوني للجنوب والبقاع الغربي، حيث اتخذ من المتعاملين اللبنانيين من "ميليشيا العميل لحد" دريئة وأكياس رمل يحتمي بها.

2.

لم يكن الجندي الاسرائيلي "يسبح في بحره" في المناطق المحتلة من لبنان، بل كان يتحرك في "محيط" معاد تماما لوجوده، مما كان يجعله في حذر دائم، وبالتالي، في خوف دائم.

3.

لم يستطع العدو، خلال حربه الطويلة مع المقاومة، ان يكتشف اساليبها وتكتيكاتها المتطورة باستمرار، مما اكسبها عامل المباغتة، كما جعل العدو عاجزا عن ان يتخذ، مسبقا، الحيطة اللازمة لدرء اخطارها ورد ضرباتها.

4.

لم تتمكن الدولة الصهيونية من ان تقدم لجنودها اسبابا شرعية ووجيهة تبرر، بواسطتها، خروجهم من "ارض ميعادهم"، في فلسطين المحتلة والتمدد شمالا، واحتلال جزء من لبنان، وان يرضوا بالموت دفاعا عن احتلالهم لهذا الجزء، كما ان "اكياس الرمل" من العملاء الذين استأجرتهم هذه الدولة لحماية جندها لم يتمكنوا من تحقيق الهدف الذي جندوا لاجل تحقيقه، اذ انهم لم يكونوا اكثر من مرتزقة، بلا عقيدة، وبلا هدف، وبلا ايمان بشرعية القتال الذي يمارسونه لاجل غيرهم، ولذلك، فهم لم يتمكنوا من ان يحققوا لجيش الاحتلال حماية ولا امانا، بل انهم ولوا هاربين ما ان اتخذ العدو قراره بالانسحاب من لبنان.

5.

رغم ان "الدولة الحاضنة" للكيان الصهيوني، وهي الولايات المتحدة الاميركية، كانت، ولا تزال، تسبغ على الاعتداءات الاسرائيلية، على العرب، والفلسطينيين خصوصا، ثوب الشرعية الاميركية، وبالتالي الدولية، وتحمل على المقاومة الاسلامية، في لبنان، فتصفها بالارهاب، وهي ليست اقل من ثورة حقيقية ضد الاحتلال الصهيوني لارض لبنان، فان كل ذلك الدعم، من تلك الدولة الحليفة لاسرائيل، لم يمنع من انهيار احتلال هذه الاخيرة للجنوب اللبناني والبقاع الغربي تحت تأثير ضربات المقاومة، ومن قيام حركات معترضة في الكيان الصهيوني تطالب الدولة العبرية بالانسحاب من لبنان، (اهمها حركة الامهات الاربع وحركة السلام الآن)، ومن قيام حركات احتجاج في صفوف الجيش المحتل ورفض العديد من جنوده الخدمة في الارض اللبنانية المحتلة، مما دفع "ايهود باراك" الذي كان مرشحا لرئاسة الحكومة في كيان العدو، لان يكون اول ما سينفذه من وعوده للناخبين الاسرائيليين، ان هو فاز، الانسحاب من لبنان خلال عام، وقد نفذ وعده هذا تحت ضغط الفرض الاسرائيلي للبقاء في جحيم لبنان.

لكل هذه الاسباب، انتصرت المقاومة الاسلامية، في لبنان، على اعتى قوة عسكرية في المشرق العربي، فحققت، بانتصارها هذا، اول حلم عربي طال انتظاره على مدى قرن من صراع العرب مع العدو الصهيوني، وقدمت، بذلك، نموذجا رائعا، يحتذى، من نماذج غلبة الايمان بقوة الحق وثبات العقيدة، ان احسن استخدامهما، في مواجهة اعتى قوى الظلم واحدث اسلحة القرن العشرين.

تعليقات: