الإسلام والآخر


مقدمة

يقول الإستاذ ادوارد غالي الدهبي في مقدمة كتابه (معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ):"لقد استخلصت من دراساتي وقراءاتي الشخصية أن الإسلام يرفض العنف ، وأنه دين العدالة والمساواة والرحمة والمودة وحسن المعاملة للبشر جميعا ، وخاصة أهل الكتاب منهم ، بل أن الإسلام يأمر بالرحمة والشفقة على الحيوان ، وكلنا يعرف قصة المراة التي دخلت جهنم لأنها عذبت هرة ،وقصة الرجل الذي دخل الجنة لأنه أطفأ ظمأ كلب عطشان، فإذا كان هذا هو موقف الإسلام بالنسبة للحيوان فكيف بالأحرى يكون موقفه بالنسبة للإنسان ؟! "

أريد من خلال هذه الكلمات أن أنطلق في محاولة لرفع الظلامة عن الإسلام وما نسب اليه افتراء أنه دين عنف وإرهاب وإلغاء ، وأنه إنما قام وانتشر بالسيف والذبح وأنه فرض الجزية والضريبة على غير معتنقيه من أهل الكتاب ،وسأتعرض من خلال هذه المحاولة البحثية إلى تناول ثلاث محاور رئيسية :

المحور الأول : الإنسان في الفهم الإسلامي

المحور الثاني : حقوق الأقليات وواجباتهم في ظل النظام الإسلامي

المحور الثالث :الفتوحات الإسلامية .

* المحور الأول : الإنسان في المفهوم الإسلامي : يقول الله تبارك وتعالى : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان :

المراد بالتكريم تخصيص الشيء بالعناية و تشريفه بما يختص به و لا يوجد في غيره، و بذلك يفترق عن التفضيل فإن التكريم معنى نفسي و هو جعله شريفا ذا كرامة في نفسه، و التفضيل معنى إضافي و هو تخصيصه بزيادة العطاء بالنسبة إلى غيره مع اشتراكهما في أصل العطية، والإنسان يختص من بين الموجودات الكونية بالعقل و يزيد على غيره في جميع الصفات والأحوال التي توجد بينها و الأعمال التي يأتي بها.

وإضافة الى التكريم الالهي للإنسان تأتي نعمة التسخير يقول تعالى : {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }لقمان20

نعم فإن كل ما في الوجود مسخّر لخدمة الإنسان وخاضع للنظام الذي أودعه الله فيه بما يؤمن للإنسان سبل الراحة والسعادة .

فالتكريم والتسخير دليلان جليان على تكريم الله للإنسان لذاته بغض النظر عن عقيدته أو انتمائه ، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:"كل إنسان له في الإسلام قدسية الإنسان ، إنه في حمى محمى وحرم محرم ، ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه ." وفي هذا الصدد يقول الدكتور فهمي هويدي :" ليس صحيحا على الإطلاق أن تلك الحفاوة القرآنية من نصيب المسلمين دون غيرهم كما يتصور البعض ،ذلك أن النصوص القرآنية شديدة الوضوح في هذه النقطة بالذات ، فهي تتحدث تارة عن الإنسان وتارة عن بني آدم ، ومرات توجه الحديث للناس ، وهذا التعميم لا تخفى دلالته على أي عقل منصف" .

إن النظرة السامية للإنسان لمجرد كونه إنسانا وبغض النظر عن أي صفة أخرى فيه،تقود عى الفور إلى تأكيد حقيقة ثابتة وهي أن الإسلام يساوي بين الناس جميعا ، بل أن هذه المساواة لا تقتصر على كونها حقا للإنسان ، بل تتجاوز ذلك إلى إدخالها في إطار الواجب .

يقول الدكتور هويدي :" ممارسة الأخرين لحقوقهم وحرياتهم ينبغي ألا تتم في إطار العطف أو إحسان الأغلبية إلى الأقلية ، لأنهم لم يكتسبوا تلك الحقوق انطلاقا من مودة الأغلبية ومشاعرهم الخيرة ، وإنما اكتسبوها بمقتضى ما هو مقرر وثابت في كتاب الله سبحانه وتعالى ."

والخلاصة أن الإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره أشرف المخلوقات وأكرمها وأنه خليفة الله في أرضه، وعليه فإن ما جعله الله له من حقوق فهي لازمة و لا يجوز بأي حال من الأحوال سلبه إياها أو حرمانه منها .

* المحور الثاني : حقوق الأقليات وواجباتهم في ظل النظام الإسلامي :

ليس ثمة دين أو حكومة في العالم كالإسلام يحرص على ضمان الحريات للأقليات ويحافظ على كرامتهم وحقوقهم القومية ، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي يوفر العدالة الاجتماعية بتمامها في البلد الإسلامي، وليس للمسلمين وحدهم بل لجميع القاطنين في دولته مع ما يوجد بينهم من اختلاف في الدين والعنصر واللغة واللون. فالأقليات الدينية تستطيع العيش في البلد الإسلامي بحرية والتمتع بالحقوق الإجتماعية والأمنية داخلياً وخارجياً شأنهم في ذلك شأن المسلمين، وذلك بعقدهم لعهد الذمة والحصول على الإنتماء للبلد الإسلامي.

- من هم أهل الذمة : أهل الذمة هو مصطلح فقهي إسلامي يقصد به كلا من اليهود والمسيحيين أو على حسب الوصف الإسلامي إجمالا أهل الكتاب الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي أو في البلاد ذات الأغلبية المسلمة.

والمقصود بأنهم أهل ذمة هو كونهم تحت الحماية الإسلامية ومسؤولية الدولة. ولا تقصر الشريعة الإسلاميه تلك المسؤولية على الدولة فقط ، ولكن تصرفها أيضا على المواطن المسلم فلا يجوز للمسلم الإساءة للذمي تحت عذر أنه من غير المؤمنين بالقرآن أو برسول الإسلام محمد (ص) ، وإنما أوضحت الشريعة أن مسألة الإيمان يحاسب عليها الله وحده يوم القيامة.

وفي ذلك روي عن رسول الله : (من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة) الخطيب الجامع 2/269

وقال رسول الله : (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاما) اخرجه البخاري كتاب الجزية والموادعة، باب اثم من قتل معاهدا بغير جرم (ح 3166) .

ويرى كثير من الكتاب أن هذا الوصف ( أهل الذمة ) قد بات أكثر الأوصاف حاجة إلى المراجعة وإعادة النظر، لأننا نقف في مواجهة صيغة لا تستند إلى نص قرآني واستخدامها في السنة النبوية كان من قبيل الوصف لا التعريف ، بالإضافة إلى أنه كان تعبيرا عن حالة تعاهدية تعارف عليها عرب الجاهلية في تنظيم علاقات القبائل والأفراد ، استمر الى ما بعد الإسلام ضمن ما أخذ به من تقاليد وأعراف .

- شروط عقد الذمة

لعقد الذمة ثلاثة شروط، وبزوالها ينتفي هذا العقد، وهي:

أ: أن لا يقوم أهل الذمة بما يتنافى مع مفاد العقد المبرم، كالتآمر على الإسلام ومصالح المسلمين وشن الحرب ضدّهم ومساندة أعدائهم والمشركين.

ب: أن يلتزم أهل الذمّة بأحكام الإسلام الجزائية التي تُطبق بحقّهم.

ج: دفع مبلغ سنوي تحت عنوان (الجزية) للدولة الإسلامية.

- ما هي الجزية : يقول الله تعالى :( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) التوبة 29

الجزية من جزى يجزى , إذا كافأ عما أسدى اليه , و هي مال يدفعه أهل الكتاب , و من يلحق بهم , إلى المسلمين مقابل حق أو خدمة أو واجب يقوم به الطرف الأخر وقد فرضت وذلك لأن أهل الكتاب هم جزء من الدولة الإسلامية , يعيشون في كنفها , و يستمتعون بخيراتها , و الدولة الإسلامية عليها أن تكفل لهم الحماية و الأمن و سبل المعيشة الكريمة .

والصاغر مأخوذ من «الصِغَر» على زنة «الكِبَر» وخلاف معناه، وما ذهب إليه بعض المفسّرين من أنّ المراد من الجزية في الآية هو تحقير أهل الكتاب وإهانتهم والسُخر منهم، فلا يستفاد ذلك من المفهوم اللغوي لكلمة الآية، ولا ينسجم وروح تعاليم الإِسلام السمحة، ولا ينطبق مع سائر التعاليم أو الدستور الذي وصلنا في شأن معاملة الأقليات.

وقد تطرّف بعض المفسرين في تفسير آية الجزية وربطوا بين الجزية وإذلال غير المسلمين ، وأفاضوا في شرح كيف يؤديها الملتزمون بها ( عن يد وهم صاغرون )

والملاحظ أن هؤلاء المفسرين المتطرفين قد تأثروا بتصرفات بعض أهل الذمة التي أساءت إلى مجتمع المسلمين في ظروف دقيقة ، مثل الحروب الصليبية ، فكان الرد الطبيعي عليهم لديهم هو التطرّف في تفسير آية الجزية .

والجزية كانت قبل الإسلام ويعتقد بعضهم أن أوّل من أخذ الجزية هو كسرى أنوشروان الملك الساساني ، كذلك فإن الرومان وضعوا الجزية على الأمم التي أخضعوها ، فعندما فتحوا بلاد الغال (فرنسا ) وضعوا على كل واحد من أهلها جزية وصلت إلى مبلغ يفوق جزية المسلمين بنحو سبعة أضعاف .

كما أن النصارى فرضوا الجزية على المسلمين لما أخذ باسيل الأمبرطور مدينة حلب.

- مقدار الجزية :

سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن حدّ الجزية فقال : « ذلك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله وما يطيق » كما أنّه لا يجوز للحكومة الإسلاميّة أن تأخذ من الأقليّات شيئاً علاوة على الجزية ، فعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): في أهل الجزية أيؤخذ من أموالهم ومواشيهم سوى الجزية ؟ قال (ع) : لا . وبالتالي إنّ الجزية لم تكن ضريبة شاقّة لوعرفنا مقاديرها، فقد جعل الإسلام على غنيّهم ثمانية وأربعين درهماً ، وعلى أوساطهم أربعة وعشرون درهماً، وعلى فقرائهم إثنا عشر درهما يؤخذ منهم كلّ سنة ، وفي الحقيقة لا تقدير خاصّ للجزية ، ولا حدّ لها بل تقديرها إلى الوالي والحكومة الإسلاميّة بحسب ما يراه من المصالح والأزمنة ومقتضيات الحال , والمقدار المذكور في الرواية هو مصداق لهذا التقدير.

وبالتالي فإنّ ما تأخذه الدولة الإسلاميّة من الأقليّات باسم الجزية إنّما هو في الحقيقة لتقديم الخدمات إليهم ، وحمايتهم ، لا أنّه أتاوة على نحو ما يفعل الفاتحون عادة.

وفي هذا الصدد يقول السيد رشيد رضا : "إنّ الجزية في الإسلام لم تكن كالضرائب التي يضعها الفاتحون على من يتغلّبون عليهم فضلاً عن المغارم التي يرهقونهم بها وإنّما هي جزاء قليل على ما تلتزمه الحكومة الإسلاميّة من الدفاع عن أهل الذمّة ." فهي إذن ضريبة ضئيلة يقابلها تأمين الإسلام لهم الحراسة والحفظ وتوفير ضروريّات الحياة.

وبذلك يبقى الكتابيّ على دينه ويقيم شعائره في حدود المصلحة الإسلاميّة العامّة حسب ما قرّر لها من شروط وأحكام.

وقد وراعى الإسلام في أخذ الجزية التفاوت الإقتصادي بين أهل الذمة ، فقرر إعفاء العاجزين عن دفعها ، وإعفاء الصبيان والنساء والعبيد ، والشيوخ المسنين وأصحاب العاهات الجسدية والعقلية ، وإعفاء مطلق الفقراء فلا تؤخذ منهم. وأمر الإسلام بحسن التعامل عند أخذ الجزية ، والإكتفاء بأخذ اليسير من أموالهم وترك ما يحتاجون إليه ، ومن ذلك أن أمير المؤمنين علياً عليه السلام أمر جباة الجزية بأن لا يضربوا أحداً ، ولا يبيعوا لهم رزقاً ، ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعملون عليها ، فقال : « إياك أن تضرب مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً في درهم خراج ، أو تبيع دابة عمل في درهم ، فانا أمرنا أن نأخذ منه العفو ».

ترتيبا على أن الجزية إنما تجب على أهل الكتاب لقاء ما تقدمه الحكومة الإسلامية من حق الدفاع عن نفوسهم وأموالهم فإن الجزية تسقط فيما لو شارك الذمي في الدفاع عن الحكومة والوطن الذي يعيش فيه ، كما أن الجزية تسقط فيما لو امتنع المسلمون من الدفاع عن الأقليات من أهل الذمة . ولما كان الواقع الراهن هو أن جميع أبناء الوطن - من مسلمين وغير مسلمين – يشتركون صفا واحدا في الدفاع عن ترابه ، فإن موضوع الجزية لم يعد واردا في المجتمع الإسلامي الحديث ، على اعتبار أن العلة الأساسية التي بني عليها الحكم الشرعي لم يعد لها وجود .

- حقوق الأقليات المضمونة في الحكومة الإسلامية :

1 ـ حق الإعتقاد والتدين : صرّح القرآن الكريم بعدم الإكراه في الدين والاعتقاد فقال : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...) وحول تفسير الآية الكريمة قال العلاّمة الطبرسي : "إنّ المراد ليس في الدين إكراه من الله ، ولكنّ العبد مخيّر فيه لأنّ ما هو دين في الحقيقة هو من أفعال القلوب إذا فعل لوجه وجوبه ، فأمّا ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة" .

وقال العلاّمة الطباطبائي : " وهذه إحدى الآيات الدالّة على أنّ الإسلام لم يبتنِ على السيف والدم ولم يفتِ بالاكراه والعنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنّ الإسلام دين السيف" .

قال سيرتوماس وأرنولد : « يمكننا ان نحكم من الصلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأنّ القوة لم تكن عاملاً حاسماً في تحويل الناس إلى الإسلام » .

قال توماس كاريل : « إن اتهام محمد بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ».

وقالت الكاتبة الايطالية لورافيشيا فاغليري : « إن الإسلام لا يبيح امتشاق الحسام إلاّ دفاعاً عن النفس ، وهو يحرم العدوان تحريماً صريحاً... واباحت الشريعة القتال للمسلمين دفاعاً عن حرية الضمير لاقرار السلم واستتباب الأمن والنظام ».

2 ـ حرية التفكير وإبداء الرأي : منح الإسلام حرية التفكير وحق إبداء الرأي لأتباع الأديان التي تعيش في ظل الدولة الإسلامية ، وفي داخل المجتمع الاسلامي ، وفقاً لمتبنياته في تحرير العقل والتفكير ، باقامة الحجة والبرهان ، فلا يمنع من أن يكون الإنسان حراً في إبداء رأيه غير مقلد ولا تابع ، وأن يعبّرعن هذا الرأي عن طريق الحوار وبالاُسلوب الذي يريده ، والقرآن الكريم يدعو صراحة إلى حرية الحوار وإبداء وجهات النظر المختلفة ، دون إكراه أو إرهاب فيقول : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلأَ نَعْبُدَ إِلأَ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) .

3 - حق التقاضي والحماية القانونية : من مصاديق إنسانية الإسلام ورحمته بأتباع الأديان الأخرى أن تبنّى حمايتهم من كل ألوان الإضطهاد والظلم والعدوان بقسميه الخارجي والداخلي ، فهم آمنون على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم ، وتجلّى هذا التبني منذ الأيام الأولى لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ، حيث كتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتاباً حدد فيه دستور العلاقات بين مواطني المدينة على اختلاف أديانهم ، وقد جاء في هذا الكتاب الشريف : « وأنه من تبعنا من يهود فان له النصرة والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصرعلى من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الاثم ».

4- حق حماية الدماء والأبدان والأموال : وحق الحماية المقرر لأهل الذمة يتضمن حماية دمائهم وأنفسهم وأبدانهم، كما يتضمن حماية أموالهم وأعراضهم ، فدماؤهم وأنفسهم معصومة باتفاق المسلمين وقتلهم حرام بالإجماع , يقول الرسول الأكرم محمد (ص ) : "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا ". وفي الرواية عن الإمام علي (ع) : "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا".

ومثل حماية الأنفس والأبدان حماية الأموال، هذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب وفي جميع الأقطار ومختلف العصور.

روى أبو يوسف في "الخراج" ما جاء في عهد النبي (ص) لأهل نجران :"ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله (ص) على أموالهم وملّتهم وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير."

5 - حق حماية الأعراض : يحمي الإسلام عِرض الذمّي وكرامته، كما يحمي عِرض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يسبّه أو يتهمه بالباطل، أو يشنّع عليه بالكذب، أو يغتابه، ويذكره بما يكره، في نفسه، أو نسبه، أو خَلْقِه، أو خُلُقه أو غير ذلك مما يتعلق به.

يقول الفقيه الأصولي المالكي شهاب الدين القرافي :"إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا، لأنهم في جوارنا و حمايتنا وذمتنا وذمة الله تعالى وذمة رسول الله (ص) ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيَّع ذمة الله، وذمة رسوله (ص) وذمة دين الإسلام" .

6 - حق العمل والتجارة والضمان الإجتماعي : ضمن الإسلام لغير المسلمين الحق في العمل والتجارة وممارسة جميع ألوان النشاط الإقتصادي ، سواء بالتعاقد مع الغير أو بالعمل لحساب أنفسهم ، ولهم أيضا مزاولة ما يختارون من المهن الحرة ومباشرة ما يريدون من الأعمال والحرف شأنهم في ذلك شأن المسلمين .

كذلك يكفل الإسلام لغير المسلمين المعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه , ففي عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق وكانوا من النصارى :" جعلت لهم أي شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدّقون عليه، طرحت جزيته وعِيلَ من بيت مال المسلمين هو وعياله ."

وخلاصة القول إن الواقع العملي الذي سجله التاريخ يشهد أن أهل الكتاب كانوا على قدم المساواة مع المسلمين في الحقوق والواجبات ، وأن هذه المساواة العملية قد فرضت نفسها على جميع النظريات التي قيلت للتمييز بين المسلمين وغيرهم في هذا الشأن .

المحور الثالث : الفتوحات الإسلامية :

عندما نتحدث عن الفتوحات الإسلامية فلا بد أن نميز بين نوعين من الفتوحات النوع الأول وهو الذي حصل في صدر الدعوة الإسلامية أي في حياة النبي (ص) والنوع الثاني وهو الذي حصل في عهد الخلفاء وأمراء الدولتين الأموية والعباسية ولا شك أن النوع الأول من الفتوحات كان ضروريا ومنطقيا،لأنه انطلق من خلال حركة الدعوة في مواجهة خصومها وأعدائها الذين شنوا عليها حربا لا هوادة فيها بغية إطفاء نورها واجتثاث أصولها ، فكان مبررا للنبي (ص) ومن آمن معه أن يحملوا السلاح دفاعا عن عقيدتهم ووجودهم وحقوقهم ، وذلك بعد مرحلة من الموادعة وتحمل الأذى والصبر على الآلام والجراح،والإضطهاد والتهجير والتصفية الجسدية ، وبعد أن صدر الإذن الإلهي بالجهاد المقدس في وجه الطغاة والعتاة من مشركي قريش ويهود المدينة ومنافقيها ، إذا يقول الله تبارك وتعالى :"

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }الحج39 ويقول :" {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }التوبة123.

وهكذا انطلقت مسيرة الجهاد بإذن الهي ومباركة نبوية، وسجل المسلمون انتصارات متتالية في بدر والخندق وخيبر وغيرها من الحروب والغزوات التي وقعت نصرة لدين الله تعالى وإعلاء لكلمته في الأرض { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }آل عمران123, ولم تكن هذه الحروب والغزوات مثار جدل بين المتقدمين والمتأخرين من المفسرين وأصحاب الإتجاهات العقائدية والفكرية المختلفة،وإنما اتفق الجميع على مشروعيتها وأنها كانت مفروضة بحكم الأمرالواقع ولم تكن وسيلة اعتمدها المسلمون لنشر الدين بالسيف كما يدعي بعض المتقولين على الإسلام .

اما النوع الثاني من الفتوحات التي قامت بعد وفاة النبي الأكرم (ص) ففي دراسة لمنطلقاتها وغاياتها وأهدافها وفي تحليل لآثارها ونتائجها فإنه من المؤكد انها لم تكن محل تأييد الأمة الإسلامية عامة ، وليس تقوّلا أن تكون بعض هذه الفتوحات مصداقا حقيقيا لسياسة الإكراه ما اساء لصورة الاسلام السمحاء وقدم ذريعة لأعدائه الذين سددوا سهام حقدهم وكراهيتهم إليه .

من الواضح أن تلك الفتوحات لم يكن يتبعها أي اهتمام ـ من قبل ـ الهيئة الحاكمة بإرشاد الناس ، وتعليمهم ، وتثقيفهم ، وتربيتهم تربية دينية صالحة ، بحيث يتحول الإسلام في داخلهم إلى طاقة عقائدية ، تشحن وجدان الإنسان وضميره بالمعاني السامية والنبيلة ، لينعكس ذلك ـ من ثم ـ على كل حركات ذلك الإنسان ومواقفه وتغنى روحه وذاته بالمعاني والخصائص الإنسانية الإسلامية السامية ، وتؤثر في صنع ثم في بلورة خصائصه الأخلاقية على أساس تلك المعاني التي فجرتها العقيدة في داخل ذاته وفي عمق ضميره ووجدانه .

نعم لقد اتسعت رقعة الإسلام خلال عقدين من الزمن اتساعاً هائلاً يفوق أضعافاً كثيرة جداً ما تم إنجازه على هذا الصعيد في عهد الرسول الأعظم (ص) ولكن الفارق بينهما كان شاسعاً ، والبون كان بعيداً ، فلقد كان الرسول (ص) لا يكتفي من الناس بإظهار الإسلام والتلفظ بالشهادتين ، ثم ممارستهم السطحية لبعض الشعائر والظواهر الإسلامية وإنما كان يرسل لهم المعلمين والمرشدين ، والمربين ليعلموهم الكتاب والحكمة ، وأحكام الدين. أما هذه الفتوحات العظيمة التي تم إنجازها على عهد الخلفاء الثلاثة بعده (ص) ، ثم في عهد الأمويين ولم يكن يصحبها تربية ولا تعليم ، ولا كان ثمة كوادر كافية للقيام بمهمة كهذه ، بالنسبة لهذه الرقعة الواسعة وهذا المد البشري الهائل ، ولا كان يهم الخلفاء والفاتحين ذلك من قريب ولا من بعيد وإنما كانوا يكتفون من المستسلمين بالتلفظ بالشهادتين ، ثم بممارسة بعض الحركات والشعائر ظاهراً من دون أن يكون لها أي عمق عقيدي أو رصيد ضميري أو وجداني .

وهكذا فإن أهل البلاد المفتوحة بعد الرسول (ص) قد بقوا على ما كانوا عليه من عاداتهم وتقاليدهم ، ومفاهيمهم الجاهلية ، التي كانت تهيمن على حركاتهم وعلى مواقفهم وعلى علاقاتهم الاجتماعية بصورة عامة ، ولم يتعمق الإسلام في وجدانهم ولا مسَّ ضمائرهم ، فضلاً عن أن يكونوا قد ذابوا فيه بحيث يصبح هو المهيمن والمحرك والدافع لهم في كل موقف وكل حركة .

أضف إلى ذلك فإن سياسة الحكام والولاة المجحفة الذين بهرتهم المناصب وأسالت لعابهم الفتوحات أدت إلى اشتداد مقاومة أهل البلاد المفتوحة ، وكثر نقض العهود حتى اضطر المسلمون إلى فتح كثير من البلاد أكثر من مرة.

ومن الشواهد على هذه السياسات الرعناء أن بعضهم يعطي أماناً لبلد في معالمة جرجان على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً ، فيقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً.

وآخر يصالح أهل مدينة قنسرين ، ويجعل من جملة الشروط أن يهدم المدينة من الأساس وهكذا كان .

وأيضاً فقد دعا نائب خراسان أهل الذمة بسمرقند ومن وراء النهر إلى الدخول في الإسلام ويضع عنهم الجزية ، فأجابوه إلى ذلك وأسلم غالبهم ، ثم طالبهم بالجزية فنصبوا له الحرب وقاتلوه .

كما أن عقبة بن نافع الذي ولاَّه معاوية ابن أبي سفيان على افريقية حينما دخلها وضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل إليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام ، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم .

وقال ابن الأثير : « لما رأى أهل فارس ما يفعل المسلمون بالسواد ، قالوا لرستم والفيرزان ، وهما على أهل فارس : لم يبرح بكما الاختلاف حتى وهنتما أهل فارس الخ . »

وما هذا إلا نذر يسير من الفضائح والجرائم والإنحرافات التي افتعلها الفاتحون في العهدين الأموي والعباسي والتي أنتهت الى تقهقر المسلمين وانهزامهم وطردهم من البلدان المفتوحة وما الأندلس إلا خير شاهد ودليل .

ولعل ما تقدم كان سببا كافيا ومبررا وافيا لتفسير الموقف الذي اتخذه الأئمة من آل بيت النبي (ع) من الفتوحات الإسلامية , وثمة روايات تدل على أنهم (ع) كانوا لا يشجعون شيعتهم بل يمنعونهم من الإشتراك في تلك الحروب ، ولا يوافقون حتى على المرابطة في الثغور أيضا ، ولا يقبلون منهم حتى ببذل المال في هذا السبيل حتى ولو نذروا ذلك .

نعم لو دهمهم العدو فإن عليهم أن يقاتلوا دفاعا عن بيضة الإسلام لا عن هؤلاء الحكام .

بل إننا نجد رواية عن علي عليه السلام تقول : « لا يخرج المسلم في الجهاد مع من لا يؤمن على الحكم ، ولا ينفذ في الفيئ أمر الله عز وجل ».

ويؤيد ذلك أن عثمان جمع يوماً أكابر الصحابة مثل : علي ، وطلحة والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، واستشارهم في غزو افريقية فرأوا ـ في الأكثر ـ : أن المصلحة في أن لا تقع افريقية بأيدي أصحاب الأغراض والأهواء والمنحرفين .

فالأئمة عليهم السلام وإن كانوا ـ ولا شك ـ يرغبون في توسعة رقعة الإسلام ونشره ليشمل الدنيا بأسرها ، ولكن الطريقة والأسلوب الذي كان يتم ذلك بواسطته وغير ذلك مما تقدم كان خطأً ومضراً بنظرهم .

ولا بد من الإشارة الى أن الإسلام قد دخل الى بعض البلدان طوعا وحبا ورغبة من أهلها وذلك بفضل الدعاة الصالحين الذين عكسوا بسلوكهم حقيقة الإسلام وقيمه السامية .

مصادر البحث :

- القرآن الكريم

- تفسير الميزان / الطباطبائي

- تفسير مجمع البيان / الطبرسي

- تفسير الأمثل / مكارم الشيرازي

- تفسيرالمنار / رشيد رضا

- معاملة غير المسلمين في المجتمع الاسلامي / ادوارد غالي

- مواطنون لا ذميون / فهمي هويدي

- نظرات في الإسلام / محمد عبد الله دراز

- الإسلام والضمان الإجتماعي / محمد شوقي الفنجري

- سماحة الاسلام وحقوق الأقليات / سعيد كاظم العذاري

- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه / عباس محمود العقاد

- دفاع عن الإسلام / لورافيشيا فاغليري

- الدعوة إلى الإسلام / سير توماس وارنولد

- الصحيح من السيرة / جعفر مرتضى العاملي

- غير المسلمين في المجتمع الإسلامي / يوسف القرضاوي

- الكامل في التاريخ / ابن الأثير

- تاريخ الطبري / محب الدين الطبري

- البداية والنهاية / ابن كثير

- الفتوحات الإسلامية / دحلان

- الحياة السياسية للإمام الحسن (ع) / جعفر مرتضى العاملي

* كاتب وباحث لبناني

Ch.m.kanso@hotmail.com

تعليقات: