الحلواني كمال صفصوف نجم رمضاني في الطريق الجديدة

الحاج كمال «يلبي» بالصفوف والمعمول والجوز
الحاج كمال «يلبي» بالصفوف والمعمول والجوز


ليس هناك من رابط محدد بين اسم حلوى «الصفوف» وعائلة «الصفصوف» التي تتعاطى صناعة الحلويات العربية. رغم ذلك، يحب الحاج كمال الصفصوف أن يترك الإجابة مبهمة بحثاً عن علاقة يتمناها، لكنه لا يستطيع أن يؤكدها. يبتسم عندما يدخل زبون إلى محله، في الطريق الجديدة، ليطلب كيلو «صفصوف»، بدلاً من «صفوف»، مخطئاً في الاسم. وعندما يوضح للزبون اسم الحلوى الأصلي، يبتسمان معاً.

تأكيداً لما تقدم، تقع حلوى «الصفوف» على رأس لائحة أصناف الحلويات المعلقة على الجدار التي يبيعها المحل. من حيث شهرة الحلويات التي يصنعها المحل، تأتي في المرتبة الأولى، إلى جانب «النمورة» و«القشطة»، أي المعمول المدّ بالقشطة. هذه الأنواع الثلاثة يقصدها زبائنها من مناطق بعيدة.

في شهر رمضان، تضاف على هذه أنواع أخرى لا تظهر في الأيام العادية، مثل الشعيبيات وزنود الست والحدف والعثملية والكلاج المقلي. الكلاج يطل مع شهر الصوم ويغيب قبل عيد الفطر بيومين. والكلاج، دون غيره من الحلويات، لا يقبل الحاج أن يوصي الزبون عليه وليمر لاحقاً فيأخذ طلبه. لن يحضّره له، حتى لو طلب الزبون ذلك، إلا عندما يريد هذا الأخير أن يشتريه. والسبب: «الكلاج لا يؤكل إلا ساخناً!».

الحاج كمال هو نجم المحل من دون منازع. عندما يقف خلف البسطة، أي الواجهة التي تصطف عليها «صدور» الحلويات، تتوجه الأنظار كلها إليه وتمتد الأيادي الباحثة عن دورها بين الزحام المكلل بروائح العجين الحلو والسمن وماء الزهر والورد.

والحاج، على عكس ما قد توحي بنيته الضخمة، لطيف مع زبائنه، سريع البديهة والحركة. يحمل «هم» الزبون من لحظة دخوله إلى المحل إلى حين خروجه منه. هو ابن هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً بالضبط، رغم أنه لم يتجاوز الخامسة والأربعين. أخذ المهنة، مع شقيقه الحاج بديع، عن والده وعمه اللذين أخذاها بدورهما عن والدهما وجدّهما من قبلهما. ما زال العم، رباح صفصوف، وابنه زياد، يصنعان الحلويات على أنواعها في المعمل الذي يقع تحت المحل مباشرة. ولا يملأ فراغ العم أو ابنه، في حال غيابهما لسبب أو لآخر، إلا الحاج كمال أو شقيقه الحاج بديع.

في زاروب في وسط بيروت العتيقة، لصق «مقهى فلسطين»، انتشر اسم «صفصوف» في عالم الحلويات مع الجد. لكن الحرب التي أتت لاحقاً ألزمت ولديه سليم، والد كمال وبديع، ورباح، والد زياد، على الانتقال إلى منطقة أخرى، هي الطريق الجديدة. هناك بدءا من بسطة تنقل مكانها في شارع المفتي الشهيد حسن خالد، أو باسمه المعروف أكثر شارع الملعب البلدي، مراراً، قبل أن يستأجرا محلا، ثم ينتقلان إلى آخر قبل أن يستقرا في ثالث، في منتصف التسعينيات، وهو ما زال في مكانه حتى اليوم.

يرتفع صوت زبون ممتعض من تأخير طلبيته. يسأله الحاج كمال عن وقت انتظاره، فيجيب: ربع ساعة. يبتسم له الحاج ويقول «مليح»، محاولاً تطييب خاطره. ثم ينتبه لصبية تقف خجلة وسط مجموعة من الشبان. يصرخ لها: «دوموزيل تفضلي». وصوت الحاج جهوري واضح يطغى على كل ما عداه من أصوات في المحل. كما يصرخ للحاجة الستينية المترددة في الاقتراب من الواجهة: «قربي يا ماما. شرّفي». ثم يستدرك: «وينو الشاب الصغير اللي طلب كيلو صفوف؟». لن يغير الحاج في ترتيب الأدوار ولن يكسر الدور إلا أمام هذه الزبائن. الصبايا والسيدات والأطفال. هناك عبارات لا تسقط عن لسان الحاج. أهلاً وسهلاً. شرفت. محلك. عندما تفرغ الصواني الورقية من فئة الكيلو الواحد يرتفع صوت الحاج من جديد: «يا بديع، أبو حسن! جاط كيلو ما عاد عندي جيبوا جاطات».

ليست المساحة التي يقف فيها الزبائن خلف الواجهة الزجاجية واسعة. بل إن المساحة التي يقف فيها الحاج كمال مع عماله الستة أو السبعة تكاد تكون أوسع منها. غير أن الزبائن، رغم تململهم وهمهماتهم، يحبون الازدحام، وعادة ما يطمئنون للمحال المزدحمة ويتوجسون من المحال التي تكاد تبدو خاوية أو لا تحوي إلا عدداً قليلاً من الشارين. وزحمة محل «صفصوف» تتخطى الرصيف الخارجي لتصل إلى الشارع. هذا مشهد تعود عليه أبناء الطريق الجديدة وألفوه، فبات يشكل جزءاً من مشهد أوسع. مشهد شهر رمضان في المنطقة الشعبية.

في رمضان يحضر الحاج إلى المحل عند الثامنة صباحاً ولا يغادره إلا عند التاسعة مساء. يتناوب هو وشقيقه بديع على تنظيم المبيع داخل المحل. أما الصفصوف العم، وهو المعلم الذي يصنع الحلويات فيحضر أبكر من هذا بكثير. عند الحادية عشرة ليلاً ويستمر بعمله حتى الثانية من بعد ظهر اليوم الذي يليه.

كثيرة هي الوجوه المعروفة وغير المعروفة التي دخلت المحل. أناس عاديون. نواب ووزراء ورؤساء حكومة. مسؤولون لبنانيون وفلسطينيون. الرئيس رشيد الصلح. أبو عمار. أبو إياد (صلاح خلف). أبو جهاد (خليل الوزير). لاعبو كرة القدم من جميع الفرق. الأنصار. النجمة. العهد. الصفا. والصفصوفيون، وهذا معروف للجميع، نجماويون متعصبون لكرة فريقهم.

صيت حلوى الصفوف والنمورة عند صفصوف يعود للنفس والنكهة الطيبة ودعوات الناس، يقول الحاج. المحل لا ينشر إعلانات. الطعم الطيب يحضر الزبون من آخر الدنيا. يكون الشخص في زيارة، يتذوق البضاعة، تعجبه، فيسأل عن العنوان ويحضر من تلقاء نفسه. وعندما يحضر زبون جديد ويعبر للحاج عن سعادته باللقمة الطيبة يشعر هذا الأخير كأنه ملك الدنيا.

منذ فترة، وكان وقت إفطار، دخل الحاج إلى محل حلويات معروف ليشتري المفروكة وحلاوة الجبن وحلاوة الرز، وهي أنواع لا يصنعها في محله. عرفه عمال المحل ورحبوا به أيما ترحيب. ولاحقاً عرفه زبائن المحل، مستغربين وجوده في محل للحلويات، فشرح لهم أنه يشتري الأنواع نفسها التي جاؤوا لشرائها وهي تلك التي لا يصنعها. لا ينكر شعوره بالسعادة عندما يتم التعرف عليه في مكان غريب سواء أكان محلاً للحلويات أو مجمعاً تجارياً أو في الشارع.

في مثل هذه الأيام أو قبلها بقليل، يبدأ تحضير حلويات عيد الفطر. أي البقلاوة والمعمول بأنواعه الثلاثة: الفستق، والجوز، والتمر. وقبل العيد بيومين يتوقف بيع الكلاج وغيره من الأصناف إفساحاً في المكان أمام البقلاوة والمعمول التي يبدأ ترتيبها في المحل. والبقلاوة، عكس الحلويات التي تحوي القشطة، يمكن أن تمتد صلاحيتها لأكثر من عشرين يوما من دون أن يؤثر شيء فيها، إذ لا تحتوي على مواد يمكن أن تفسد مثل الحليب. هي عبارة عن عجينة يدخل فيها السمن، والصنوبر، والقطر.

يوضع «صدر» حلوى «الصفوف» على البسطة. وفي الوقت الذي يسبق الإفطار لا يحتاج «الصدر» أكثر من عشر دقائق حتى «يتبخر» أمام العيون المتلهفة للسكر بعد جوع النهار وعطشه. يُرفع الصدر ويحضر صدر آخر. وهكذا.. حتى يعلو صوت الأذان من مسجد الإمام علي القريب مؤذناً لصلاة المغرب.

تعليقات: