الخيام وطلّ شوي عَ

أحمد الزين: ابن البلد... حظّه السيّئ قاده إلى التمثيل

الفنان الذي عاصر عمالقة الدراما اللبنانية، وجد في سوريا بعض التعويض عن «إجحاف» ذوي القربى. المسرح كان طريقه ليتعلَّم القراءة والكتابة وأشياء أخرى، بعدما اكتشفه أبو عبد البيروتي فتحوَّل لاحقاً إلى نجم. واليوم، يفكّر في عمل مسرحي يتناول سيرته الذاتية

كأنَّ الحديث مع أحمد الزين حديثٌ عن الوجع «أنا أعيش الصدمة تجاه كلَّ العناوين التي حملتها في حياتي». الفنان الذي عاصر معظم عمالقة الدراما اللبنانية، من أحمد خليفة (أبو عبد البيروتي) وحسن علاء الدين (شوشو) ومحمد شامل ورشيد علامة وليلى كرم وهند أبي اللمع... وجد في الدراما السورية بعض التعويض عن «إجحاف الدراما اللبنانية». اتخذ «ابن البلد» قراراً منذ أربع سنوات بـ«ألَّا أتحدث إلّا عن البيئة. أرى أنَّ كلَّ شيء بات ملوَّثاً في هذا البلد. وهناك تلوُّث سمعي وبصري على الشاشة».

في مطلع حزيران (يونيو) 1944، ولد أحمد الزين في محلة البسطة (وسط بيروت)، وترعرع هناك حتى ثورة 1958. كان يبيع صحف «السياسة» و«بيروت العروبة» و«صوت العروبة» حتّى انخرط وهو في الرابعة عشرة في صفوف «المقاومة الشعبية». والده عمل تاجر خيش في منطقة «الخندق الغميق» بعدما غادر مسقط رأسه شحور (شرقي مدينة صور) بسبب شظف العيش. وسط تعدد زوجات الوالد، نشأ أحمد في بيت يضم 12 ولداً، «لذلك أنا ضدُّ تعدُّد الزوجات». ولهذا السبب لم يدخل المدرسة بتاتاً، بل شارك في إعالة الأسرة وانصرف إلى العمل باكراً.

بقي دائماً على ارتباط عضويّ بشحور. يقول: «كنت أذهب إلى القرية ببوسطة أبو زكي. كنَّا أولاداً نشأنا على نهر الليطاني. بيت أهلي كان صغيراً، لم يتَّسع للعائلة خلال الحروب اللبنانية. لذلك عدت وبنيت بيتاً في الضيعة».

يرى أنّ إرادة الله وحظه السيّئ هما اللذان أخذاه نحو التمثيل. خطوته الأولى نحو المسرح كانت عندما أطل «أبو عبد البيروتي» وفرقته على شاشة «تلفزيون لبنان» عام 1959. «حشرت نفسي بين الفرقة، فأحبّني أبو العبد كثيراً. حاول أن يعطيني دوراً فقلت له: لا أجيد القراءة. جُنَّ جنونه وقال: إنك تمتلك الموهبة والطاقة فاذهب وتعلم». في هذه المرحلة، تعرّف الزين إلى زكريا المصري في جمعيّة «عباد الرحمن». «علَّمني القرآن وأحرف الأبجدية من دون أن يسألني عن مذهبي. هذه بيروت التي ربينا فيها».

تجاربه المسرحية الأولى كانت مع «عباد الرحمن» الذين كانوا يقدّمون مسرحيةً في نهاية كل سنة دراسيّة، فمثَّل معهم. تعلَّق بجمال عبد الناصر كزعيم شعبي و«أب للفقراء» من دون أن يلتزم بأيِّ تنظيم حزبي. كانت صدمته الأولى عندما حلَّت نكسة 1967. عام 1968 سقط أول شهيد لبناني من أجل القضية الفلسطينية. كان خليل عزّ الدين الجمل (من طرابلس) وكان أهله يملكون مطبعة في الخندق الغميق حيث يقطن معظم أبناء بلدة شحور النازحين بسبب الفقر إلى العاصمة. في ذلك العام، أسَّس أحمد الزين فرقة وجسّد شخصية الجمل في مسرحية عنوانها: «دماء في الأرض المحتلة».

دخل «تلفزيون لبنان» عبر برنامج «أبو المراجل» ثمَّ صار «رفيق البطل» في عشرات المسلسلات مع محمود سعيد وإحسان صادق في «الجوَّال» و«ابن الحرامي» و«بنت الشاويش». يقول: «صرت أنا المرادف الكوميدي للبطل؛ لوحيد جلال وجهاد الأطرش وغيرهما...» إلى أن رشَّحه محمود سعيد لمسرحية «المهرج» عام 1970 عن نصٍّ لمحمد الماغوط وإخراج يعقوب الشدراوي. درّبه الشدراوي إلى أن شاهد «شوشو» المسرحية. يضيف الزين: «يومها قال شوشو: أريد هذا الولد. فأخذني وبقيت معه حتّى رحيله. كانت الحرب اللبنانية قد بدأت تضع أوزارها بعدما قدمنا آخر عرضين معه في الأردن هما «آخ يا بلدنا» و«خيمة كركوز» لروجيه عساف».

ثمّ بدأ يقدِّم برنامج «ابن البلد» عبر إذاعة «صوت لبنان العربي»، فتحوّل اسم البرنامج إلى لقب رافقه طويلاً. «أرسلت مديرة الإذاعة رحاب ميقاتي تطلبني فأعربت لها عن إعجابي بعنوان «ابن البلد». سألتها لمن العنوان فقالت إنّه لخالها شفيق الحوت وكان وقتها ممثل «منظمَّة التحرير الفلسطينية» في لبنان. تعرَّفت إليه فقدّم إلي كتاب يوميات «ابن البلد» وقال لي أنت خير من يحمل هذا الاسم. هكذا بدأنا وكان رفيق نصر الله وعلي بزي (النائب الحالي) يكتبان النصوص ومعهما آخرون». لاحقاً نقَّل برنامجه بين «صوت الشعب» و«إذاعة النور».

يقول: «ابن البلد جاء كموقف سياسي وإنساني من الجنوبي الذي ولد في بيروت التي كانت يومها عاصمة حقيقية. «ساحة البرج» و«سوق سرسق» و«سوق إياس» و«سوق الطويلة» اختفت من بيروت فيما احتفظت الشام بـ «باب توما» و«باب شرقي» و«سوق الحميدية» و«البزورية»، نحن استبدلنا ساحاتنا بـ «داون تاون» للناس الكلاس».

قبل «ابن البلد»، كان الزين قد أصبح نجماً، تبنَّاه المخرج الراحل سمير نصري وقدَّمه في «نساء عاشقات» و«السنوات الضائعة». لاحقاً، احتضنه أنطوان ريمي وقدَّمه في «ديالا» مع عبد المجيد مجذوب وهند أبي اللمع. مع علي دياب، قدَّم «الرجل الثالث» إضافةً إلى مشاركات لافتة في «مطلوب لكلِّ الجهات» و«الدنيا هيك» و«حول غرفتي» و«عازف الليل» و«أرحل وحيداً» مع منى واصف إضافةً إلى الأمانة مع رشيد علامة، الذي أعطاه البطولة في 90 حلقة صوّرت بين أثينا ولندن وبيروت. وخلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، خُطف على يد الميليشيات لتسع ساعات فقط، ثمّ عاود نشاطه المسرحي مع «الطرطور» (1983) ليعقوب الشدراوي وكانت مسرحيته الأولى بعد وفاة شوشو؛ ثمَّ قدّم في الثمانينيات «الشهيد ابن البلد» و«الدبّور» و«زمن الطرشان».

في مصر، شارك في تجربتين سينمائيتين هما «سيِّدتي الجميلة» لحلمي رفلة مع محمود ياسين ونيللي (1975) و«ناجي العلي» لعاطف الطيب ونور الشريف (1992) إضافةً إلى 23 فيلماً طويلاً من أبرزها «بيروت يا بيروت» لمارون بغدادي (1975) و«طيف المدينة» لجان شمعون (2000).

بين الشويفات وشحور والشام؛ ثمَّة وصل يراوح بين الحنين والسكن والعمل. «إنّه شرف لي أن أذهب إلى الشام ولو اعتبرها بعضهم تهمةً. في سوريا، لا يطرح أحد الأسئلة اللبنانية التي نعرفها بل يشتغلون دراما وثقافة. هناك من يظن أنَّ سوريا هي قوات الردع، أمّا أنا، فأعرف السوريين وبيني وبينهم حكاية عشق». ويضيف: «بدأت في الدراما السورية عام 1976، عملت أنا وفارس يواكيم في «قمر نيسان الحزين» عن الحرب اللبنانية من إخراج هاني الروماني، وكلُّ مسرحياتي عرضت في «مهرجانات المحبة» وفي «معرض دمشق الدولي».

5 تواريخ

1944

الولادة في البسطة (بيروت)

1970

رشَّحه محمود سعيد لمسرحية «المهرج» عن نصّ لمحمد الماغوط من إخراج يعقوب الشدراوي

1974

قدمه حسن علاء الدين (شوشو) في «آخ يا بلدنا» و«خيمة كركوز» لروجيه عساف. وبعد عام، أطلق برنامج «ابن البلد» عبر إذاعة «صوت لبنان العربي»

1992

تجربته الثانية في السينما المصريّة مع فيلم «ناجي العلي» لعاطف الطيّب

2009

يخطط لعمل مسرحي يتناول سيرته الذاتية بالتعاون مع حسام الصباح وخضر عواركة

مقالات أخرى للكاتب(ة)

تعليق