لماذا استقال سليم دياب من قيادة المستقبل؟

سليم دياب وابنه كريم
سليم دياب وابنه كريم


لماذا «خرج» تيار المستقبل من سليم دياب؟

أقيل أم استقال لا فرق، لكنه الكادر الثاني من الحجم نفسه الذي يبتعد عن تيار المستقبل بعد الفضل شلق، الذي ترك التيار بعيد حرب تموز على لبنان في عام 2006، واليوم يتوجه الكادر الثاني المستقيل سليم دياب للتفرغ لأعماله التجارية

حُسِم أمر التكهنات والشائعات المتعلقة بمهمة النائب السابق سليم دياب منسقاً عاماً للتيار. وبعد أكثر من عام على الإشارة همساً إلى وجود نية بإبعاده عن الدائرة القريبة من الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري، خرج من الإطار التنظيمي لتيار المستقبل الرجلُ الذي كان أحد أبرز المقربين من الرئيس الراحل رفيق الحريري طوال سنوات العمل السياسي للحريري الأب.

وبعد قبول «استقالته» من منصب المنسق العام للتيار، أصدر سعد الحريري قراراً شكّل بموجبه لجنة مؤلفة من مساعد المنسق العام صالح فروخ والنائب السابق مصطفى علوش ونقيب المهندسين السابق سمير ضومط والمهندس فايز مكوك، إضافة إلى منسق قطاع الشباب في التيار أحمد الحريري. وحددت مهمة اللجنة بـ«إعادة هيكلة التيار»، والقيام مقام المنسق العام المستقيل النائب الأسبق سليم دياب في إدارة شؤونه التنظيمية.

قرار «انسحاب» سليم دياب من «المستقبل» صادر منذ أكثر من 6 أشهر، بحسب ما يؤكد أكثر من مطّلع على أحوال تيار «المستقبل». لكن ما اختلِف حوله هو أسباب هذه الاستقالة، أو الإقالة. أحد أصدقاء دياب المقربين يؤكد أن الأخير «تعب، وأنه قرر التفرغ لأعماله التجارية. فمنذ عام 2000، خرج الرجل من الندوة النيابية طوعاً، لكنه أدار الحملة الانتخابية للرئيس الراحل رفيق الحريري، ومن بعده، لنجله سعد الحريري عام 2005. والنائب السابق الذي بلغ من العمر 62 عاماً، قرر ترك العمل السياسي بعد كل ما تحمله من هجمات واتهامات، من داخل تيار المستقبل ومن خارجه. إلا أن عارفيه ومن كانوا قريبين من موقع القرار «يعرفون أن ما اتهم به زور تام. فالرجل الذي قيل إن هناك خلافاً بينه وبين سعد الحريري لأسباب انتخابية ـــــ مالية، كان الشخص الوحيد في لوائح تيار المستقبل الذي سدد حصته من متطلبات الحملة الانتخابية عام 1996». ويقول أحد أقرب أصدقائه إن الرجل «ليس مديناً لآل الحريري بشيء». يضيف صديق دياب أن الأخير ظُلِم عندما حُمِّل نتائج أحداث أيار 2008، عبر اتهامه بأنه كان مسؤولاً عن تسليح مناصرين لتيار المستقبل في بيروت والمناطق. ويعطي «الصديق» دليلين على ذلك بالقول إن الأخير رجل أعمال، ولا قِبَل له بالأعمال الأمنية والعسكرية. إلى ذلك، لم يكن النائب السابق يوماً من أصحاب الخيارات الصدامية، بل إنه كان دوماً من المساهمين في تهدئة المحيطين بالحريري الابن.

الرواية التي تتحدّث بها «المصادر الرسمية» في تيار المستقبل قريبة مما يقوله صديق دياب. وبحسب أحد مسؤولي التيار، فإن المنسق العام السابق كان ينوي الاستقالة من منصبه في تيار المستقبل قبل الانتخابات النيابية الأخيرة بنحو 8 أشهر، إلا أن النائب الحريري طلب منه إرجاء الخطوة إلى ما بعد الانتخابات. وقبل دياب تمني رئيس التيار ليدير الانتخابات النيابية بنجاح تام. وبحسب المسؤول المستقبلي، فإن دياب كان مصراً على ترك العمل السياسي. وبعد الانتخابات، أراد المغادرة لتمضية عطلة في إحدى الدول الأفريقية مع زوجته، وهو لم يقدم استقالته إلا بعد عودته إلى لبنان. وأكّد المصدر المسؤول في «المستقبل» أن أي شائبة لا تعتري العلاقة بين دياب ورئيس التيار، وأن أسباب الاستقالة هي محض شخصية، وتتعلق بتعب الرجل من العمل السياسي.

لكن، ما قاله صديق لدياب وأحد مسؤولي المستقبل يخفي وراءه كلاماً كثيراً داخل التيار وبين المطّلعين على أوضاعه.

وهناك، بحسب أحد الناشطين البارزين في التيار، أسباب عدة تراكمت قبل أن يقدم دياب على استقالته المنسقة تنسيقاً تاماً مع النائب سعد الحريري.

ويؤكد الناشط المستقبلي أن جواً من عدم الرضى على دياب موجود بشكل واسع داخل التيار منذ فترة طويلة، بسبب الانطباع العام بأن أداء دياب لم يكن سليماً من الناحيتين الإدارية والسياسية. ويرى المصدر ذاته أن تجربة السنوات الأربع الماضية سمحت لسعد الحريري بانتقاء فريق عمله بدقة، بعدما كان قد ورث معظمه عن والده. وفي هذا الإطار، فإن دياب الذي كان عملياً الرجل الثاني في التيار، لم يحسن تحويل الحالة الفضفاضة لـ«المستقبل» إلى هيكلية حزبية. «فهو لا يملك كاريزما تجعله مسؤولاًَ حزبياً ديناميكياً بدلاً من حالة البكوية المسيطرة على أسلوب حياته. وفضلاً عن ذلك، فإن سليم دياب تحول إلى عنوان للشكوى عند الجمهور. وكل من لم يعجبه قرار ما أو تصرف ما لأحد مسؤولي التيار، وخاصة الميدانيين منهم، كان ينحو باللائمة على سليم دياب. لكن لهذه النظرة عند بعض جمهور التيار أساس متين، إذ إن عدداً من «المحسوبين» على دياب، وخاصة في بيروت، تصرفوا بشكل منفّر وفوقي خلال السنتين الأخيرتين».

ويقول الناشط المستقبلي إن تغيير سليم دياب هو حمّال أوجه. فمن جهة، يأتي في لحظة انتقال سعد الحريري من زعامة الأكثرية النيابية وتيار المستقبل إلى رئاسة الحكومة بعد تغييرات على مستوى نواب التيار، والتوجه التصالحي للحريري الذي أعقب نتائج الانتخابات مباشرة. وعلى المستويين السياسي والشعبي، فإن رئيس تيار المستقبل يريد أشخاصاًَ كفوئين وغير منفّرين في المراكز الحساسة. كذلك، فإن الانتخابات أثبتت لسعد الحريري أن مؤيديه يسيرون معه أينما ذهب، وهو ربما كان يخشى من انعكاس إبعاد شخص كدياب على عمل الماكينة الانتخابية قبل عملية الاقتراع. وجهان آخران يحملهما الناشط البارز في تيار المستقبل لخطوة استقالة دياب أو إقالته. يتعلق الأول بالدور الذي قام به سليم دياب قبل أحداث أيار 2008. فالرجل الذي كان مقرباً جداً من سعد الحريري خلق انطباعات بوجود قوة مسلحة لتيار المستقبل. لكن المصدر يستدرك بالقول: الحق أن دياب لم يتحدّث يوماً عن وجود قوة مسلحة قادرة على صد اجتياح لبيروت، إلا أنه كان يوحي باعتماده على «قبضايات» الأحياء القادرين على خلق توازن في المناوشات التي تحصل.

أما الوجه الثاني فيحمل عنواناً اسمه أحمد الحريري. وبحسب المصدر، فإن اللجنة المكلفة مهام هيكلة التيار ستقرر آلية انتخاب عدد كبير من مسؤوليه وتعيين آخرين. وكانت أولى خطواتها هي انتخاب أحمد الحريري مقرراً لها. ويجزم المصدر بأن النائب الحريري يريد تعيين ابن عمته أحمد الحريري في منصب الأمين العام للتيار. لكن هذا التعيين سيأتي على شكل انتخاب، علماً بأن أحمد الحريري يحظى باحترام واسع في صفوف كوادر التيار ومسؤوليه، وخاصة لكونه نشيطاً جداً، ولنجاحه في منصب منسق قطاع الشباب قبل تحقيقه نتائج باهرة في المعركة الانتخابية في صيدا.

لكن المصدر المستقبلي لا يرى في سليم دياب أكثر من عنوان للمرحلة السابقة التي طويت، وهو لم يسئ إدارة ما كلف به بقدر استمراره بالتعامل مع الأمور كما كانت تجري في السابق. وفي النهاية، «هو لم يخرج من التيار إلا مرفوع الرأس»، وخاصة بعد النتائج الكاسحة التي حققتها الأكثرية، وخاصة تيار المستقبل، في الانتخابات النيابية.

لكن أحد من يلتقون بسعد الحريري بشكل دوري يرى أن ابتعاد سليم دياب كان على طريقة «الاستقالة» في الأنظمة العربية، إذ إنه مبني على رغبة سعد الحريري، لسبب جوهري هو أحداث 7 أيار. ويجزم الرجل بأنه سمع الحريري قبل نحو 6 أشهر يقول إن سليم دياب زوّده بمعطيات خاطئة حول القدرات العسكرية والأمنية لتيار «المستقبل» قبل اتخاذ الحكومة، يوم 5 أيار 2008، قراري إقالة العميد وفيق شقير من رئاسة جهاز أمن المطار وإزالة شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة.

تعليقات: