أزمة رجال دينٍ ودولة وعلى الوطن السلام

يتصرف رجال الدين كمرجعيات ما فوق سلطات الدولة
يتصرف رجال الدين كمرجعيات ما فوق سلطات الدولة


تقوم دولة القانون على عدّة أسس، أبرزها مبدأ المساواة ما بين المواطنين في الحقوق والواجبات، إضافة إلى مبدأ عدم التمييز، مبدأ فصل السلطات ومبدأ سيادة القانون. مبادئ بديهيّة كرّستها مواثيق حقوق الانسان منذ القرن التاسع عشر. جرّاء حروب القيم في لبنان، تحوّلت هذه المبادئ لتُستَبدل بثوابت شاذّة، كمُسلّمة التمييز ما بين المواطنين، وكمُسلًّمة نظام الامتيازات ومُسلّمة المحاصصة. نهجٌ يقوم على مُسلًّمة خرق الدستور وروحه، وعلى إعطاء دور لسلطات رديفة، ليصبح نصاً مشوّهاً يقوم على محاصصة الطوائف. ونظامٌ محفّز للطائفيّة وللزبائنية المذهبيّة. وهنا يواجه لبنان - وطن الرسالة - معضلة دور رجال الدين كشركاء في الحكم وسط تبدّل مفهوم رجال الدولة (وسيّدات الدولة) ليصبحوا رجال السلطة، وتبدّل مفهوم رجال الله ليصبحوا رجال الدين والدنيا.

إنّ المشاهدة العميقة لسلوكيات معظم رجال الدين، تشير إلى تصرّف هؤلاء كمرجعيات ما فوق سلطات الدولة، وأنّ الامتيازات العرفيّة التي اكتسبوها أصبحت من الثوابت، كونهم يوحون للعامّة أنّهم يتصرّفون باسم الله سبحانه تعالى. إلّا أنّ التعاليم السماويّة، لا توصي بسلوكيات مناقضة للقانون، ولا القفز على القانون، ولا استعمال ثروات الدنيا والتنعّم بها عبر استغلال إيمان البشر وأموال المحسنين، ولا إنشاء أحزابٍ باسمه تعالى ولا شنّ الحروب الالهيّة كواجبٍ مقدّس. لدى الطوائف المسيحيّة، السيّد المسيح نبذ كلّ هذه السلوكيات لرجال الدين والدنيا عبر قوله المقدّس: "إنّ مملكتي ليست من هذا العالم".

تظهر سلوكيّات مُقلِقة أصبحت متجّذّرة في المجتمع اللبناني، وهي سلوكيات مشتركة ما بين رجال الدين ورجال السلطة، هي استغلال أموال الشعب. أغلبيّة رجال الدين يتصرّفون بأموال الوقف، كأنّه مالٌ خاص ورثوه من آبائهم وأجدادهم ويحوّلون مقارّهم ومؤسّسات الوقف إلى مرتعٍ لأقاربهم والمقرّبين (على اختلاف صفاتهم) ليجنوا الربح السريع، ويعقدون الصفقات، ويتناسون أنّ مال الوقف ومؤسساته هو مال المؤمنين والمحسنين، وأنّ رجل الدين مؤتمن عليه لتحقيق الخير العام وليس لادّخار الثروات.

كذلك، فإنّ أغلبيّة رجال السلطة يتصرّفون بالمال العام، خدمةً لمصالحهم السياسيّة والخاصّة، وكأنّه مالٌ سائب، ليتحوّل أحد منافع الوصول إلى السلطة، فتتحوّل بعض المقرّات الرسمية مساكن فارهة لعائلات هؤلاء على حساب الضرائب والرسوم المُجبَاة من الشعب. لذلك تبقى الدولة في حالة إفلاس – معلن وغير معلن − منذ عقود. إنّ غياب ثقافة قدسيّة المال العام، وسلوكيّة التنعّم بأموال الشعب، تجعلان من الدولة كياناً لإدارة امتيازات الحكّام الروحيين والزمنيين، فيقرّون التعيينات في مؤسساتهم على أسس الاستزلام والتزلّف لا الكفاءة.

تضاف إلى السلوكيات السلبية المشتركة آفة التمسّك بالسلطة خلافاً لمبدأ تداول السلطة. فكلاهما يسعيان دوماً إلى تمديد الولاية عبر استنباط الظروف الاستثنائيّة، فيصبح العدوّ الإسرائيلي شريكاً غير مباشر للسلطة. فبسببه نشرّع حمل السلاح خارج سلطة الدولة، وبفضله نجدّد ولاية السلطة التشريعيّة، وبفضله تُجدّد ولاية رئيس الحكومة والوزراء وتمدّد استنسابياً ولاية بعض الموظفين، وبفضله يكتسب بعض أزلام السلطة لقب المفاوضين، وبحجّته يتمّ التنازل عن ثروات البلد الطبيعية وعن السيادة.

أمّا رجال الدين والدنيا، فيسعون بدورهم للبقاء في السلطة أسوة برجال السلطة، ويستعينون بدول أجنبية للتدخل حتى في النزاعات القضائية حول مشروعية البقاء في السلطة. والصنف الآخر، هو كناية عن مجموعة ليست لديها جرأة المواجهة، فتسلك طريق الوشاية برأس الطائفة لدى مراجع خارجيّة ولدى الأجهزة، فقط للحلول مكانه، متخفّية بشعار الإصلاح والتجدّد. إلّا أنّه لا خفيّ إلّا وسيظهر، وارتداء الثوب الأسود لا يعني القداسة، والاختباء وراء السواتر (الاسمنتيّة والعقد النفسيّة) ليس تصوّفاً بل ليس إلّا خشية من مواجهة البشر خوفاً من المساءلة وخوفاً من مواجهة الحقيقة.

أصبح رجال الدين سلطة موازية للسلطة السياسية، وكلاهما يختبئان بأثواب بعضهما البعض. رجال السلطة يحصّنون قراراتهم بالسلطة المذهبيّة، فيسنّون تشريعات فئويّة فتنويّة، ورجال الدين يتحصّنون برجال السلطة لمخالفة القوانين، بدلاً من أن يكونوا ضمير الوطن. وللأسف حتّى أنّ ممارسة الطقوس الدينيّة في الأماكن العامّة على اختلافها والصلاة في الاحتفالات الدينية المصوّرة أصبحت وسائل لإظهار الولاء المذهبي بدلاً من أن تكون تشفعاً لله وتوسلاً له طلباً للسماح.

لا يعلم هؤلاء، أنّ الهوّة أصبحت سحيقة بينهم وبين الشعب، الذي أصبح لا يؤمن لا بمفهوم الدولة ولا بالتعاليم الدينية جرّاء هذه السلوكيات التي تستبيح كلّ التشريعات فقط من أجل الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها لاستغلالها، والأخطر أنّها تضيف إلى أنواع النًّشَوات، نشوة الانتقام.

فساد النفس ينخُر جوهر الوطن، واستغلال إيمان الشعب ووفائه السياسي وولائه للزعيم، جريمة بحقّ الفضائل الإلهية، وجريمة بحق الانسانيّة، حيث أنّ سلوك هذه المرجعيات الدنيوية الممنهجة، قد تؤدّي إلى نبذ الدين ونبذ الدولة وإلى الهجرة من المجتمع ومن الدولة ومن الوطن.

مخافة الله هي أصل الحكمة، أمّا المتاجرة بالله فهي أصل كلّ علّة، ومن لم يردعه إيمانه وخوفه من الله، لن تردعه القوانين ولا العهود.

تعليقات: