العراقيون اللاجئون يحتفلون بالميلاد ولا يحتفلون.. بانتظار الهجرة

 أطفال عراقيون في احتفال الميلاد في الكنيسة الكلدانية في الحازمية (بلال قبلان)
أطفال عراقيون في احتفال الميلاد في الكنيسة الكلدانية في الحازمية (بلال قبلان)


تعلو أصوات الأطفال العراقيين في صالون مطرانية بيروت الكلدانية، التي تقع على مسافة قريبة من السفارة العراقية، في منطقة الحازمية.

تختلط أصوات الصغار الهادرة باللهجة العراقية تارة، وباللغة الكلدانية التي يتحدث بها آباؤهم وأمهاتهم طورا.

بعد قليل، يتم إدخال قالب حلوى ميلادي عملاق إلى الصالة، هو بادرة لطيفة مقدمة من قبل المطرانية ومؤسسة »كاريتاس«.

إلا أن قالب الحلوى لا ينجح في كفكفة الدموع من أعين أفراد العائلات العراقية المسيحية البعيدة عن الوطن، والتي تنتظر »عيدية« تكون بمثابة موافقة على الهجرة الى أوروبا أو الولايات المتحدة، أو غيرها من الدول التي ترضى بها.

حضر رمزي وزوجته سلوى، المسيحيان الكلدانيان، الى لبنان قبل عشرين يوماً.

هربا من الموصل بعد الأحداث الأخيرة والاعتداءات التي تعرضت لها العائلات المسيحية. لرمزي ثلاث صبايا وأربعة شبان، احدهم يعمل في مطبعة في لبنان، وإثنان منهم هاجرا الى السويد. دخل وزوجته لبنان بطريقة شرعية عبر مطار بيروت الدولي، وأوراق دخولهما كلها سليمة. حصلا على إقامة مؤقتة ومع ذلك يرفض رمزي الإفصاح عن اسمه واسم زوجته الحقيقيين. يبرر ذلك بقوله إنه »ما زال هناك أفراد من عائلتي في العراق«.

رمزي من بلدة باطنايا بالقرب من الموصل. كان يعيش سابقاً في حي الأمين في بغداد، لكنه اضطر للانتقال منها إلى الموصل بعدما أُحرق محل المشروبات الكحولية الذي تملكه العائلة. خلال الحريق قتل شقيق زوجته وأُصيب ابنه، فقرر حينها الانتقال الى الموصل.

يعيش رمزي وزوجته وابنه المقيم في لبنان في منطقة الزعيترية في الفنار، في غرفة واحدة مع منتفعاتها، أي مطبخ وحمام »لا نستطيع حتى ان نستحم فيه بسبب صغر مساحته«.

يبلغ إيجار الغرفة مئتين وخمسين ألف ليرة لبنانية، وقد جرى جمع المفروشات فيها »من هنا وهناك«. تخطط العائلة لمغادرة الغرفة في أقرب فرصة ممكنة. نسبة الرطوبة العالية فيها لا تناسب صحة الرجل الذي يعاني من أمراض الضغط والسكري وتصلب الشرايين، ولا صحة زوجته، التي تعاني من السكري والروماتيزم. سيغادران الغرفة، لكنهما لن يغادرا المنطقة التي يعيشان فيها، بسبب تدني كلفة الإيجارات فيها مقارنة مع مناطق أخرى.

يأخذ الستيني صاحب السحنة السمراء نفساً طويلاً كلما سئل عن حياته السابقة. يقول: »أنت تؤذيني بهذا الكلام. لا أريد أن أبكي أو أتأثر. بعبارة واحدة أقول لك إن البلد عزيز«.

يشير الى زوجته التي تجلس بالقرب منه في انتظار دورهما للدخول الى مكتب »كاريتاس« من أجل تقديم الأدوية التي يتناولانها وتؤمنها لهما المؤسسة. يقول: »أريد ان اقضي ما تبقى من عمري مع هذه المرأة ومع ولديّ. أريد ان اذهب الى السويد حتى اذا مات أحدنا، يهتم الولدان بالآخر«. تدمع عينا الرجل بعد هذه العبارة مباشرة ويتوقف عن الكلام. بعدما يهدأ قليلاً، يتابع: »في هذا البلد أتمتع بحريتي. زيّنا شجرة صغيرة في الغرفة التي نعيش فيها. في العراق كنا نزين الشجرة داخل المنزل لكن العيد عندنا يقتصر على الأقرباء بسبب قلة عدد المسيحيين. اليوم عندما اجول في مراكز التسوق الكبرى في بيروت أنسى بعضاً من همومي«.

سلوى، الزوجة، اصرت على ان تحتفل بعيد الميلاد على طريقتها. صنعت مقدار علبة بلاستيكية متوسطة الحجم من »الكليشه« (المعمول) بالتمر والجوز وقدمتها كهدية للمساعدات الاجتماعيات اللواتي يعملن في »كاريتاس«.

يقدر عدد اللاجئين العراقيين في لبنان، بموجب مسح أجراه المجلس الدنماركي للاجئين في تشرين الثاني من عام ٢٠٠٧ بتفويض من الأمم المتحدة، بنحو ٢٦,٣٦٨ لاجئاً استناداً الى سجلات مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. أما استناداً الى أرقام المديرية العامة للأمن العام عام ٢٠٠٦ والنصف الأول من عام ٢٠٠٧ فيقدر العدد بين الخمسين ألفاً ومئة ألف لاجئ.

ويعتبر رقم الخمسين ألفا رقماً وسطياً تقريبياً، وليس دقيقاً، لأعداد اللاجئين تعتمده الأمم المتحدة، ومعظم المنظمات الدولية والجمعيات المحلية التي تعمل معهم.

وينقسم هؤلاء اللاجئون بحسب طوائفهم، وبحسب ما جاء في التقرير الى: ٥٩,٧ في المئة من الشيعة، ١٣,٢ في المئة من السنة، ٢٠,٤ في المئة من الكلدان، ٣,٧ في المئة من الأشوريين، ١,٧ في المئة من السريان الكاثوليك، و١,٤ في المئة من السريان الأرثوذكس.

»غنوج كاريتاس«

الطفل ابن السنتين والأشهر الثلاثة، صاحب الخدين الورديين والشعر الطويل هو سافيو. أكسبه خداه كنية خاصة: »غنوج كاريتاس«. حضر سافيو الى لبنان جنيناً في بطن امه، وهي اليوم حامل بشقيقه ويتوقع أن تلد خلال شهرين من اليوم. والداه من الموصل. أمه من بلدة تللسقف، وأبوه من باطنايا.

الوالدة التي اختارت لنفسها اسم كاترين لأن له دلالاته بالنسبة إليها، تبلغ الثلاثين من العمر ويبلغ زوجها يوسف (اسم وهمي أيضاً) التاسعة والثلاثين. لن يعطي أفراد العائلة أسماءهم الحقيقية لأنهم دخلوا خلسة الى لبنان، عبر الحدود اللبنانية السورية.

كان ذلك عام .٢٠٠٦ يومها دفع يوسف سبعمئة دولار للمهربين، واضطر وزوجته أن يعبرا بعضاً من »الجبل« الذي يقع على الحدود اللبنانية السورية سيراً على القدمين.

يبلغ عدد أعضاء عائلة كاترين الكبيرة (من ناحية أهلها) عشرة أخوة، وخمس أخوات انقسموا بين خمس دول هي المانيا، والولايات المتحدة الاميركية، واستراليا، ولبنان، والعراق.

هناك من اضطر الى اللجوء وهناك من ارتضى البقاء في العراق. لا تؤمن الصبية الشقراء أن شمل العائلة سيلتئم مجدداً في يوم من الأيام »والعراق لن يعود الى ما كان عليه خصوصاً بالنسبة للمسيحيين«.

يعمل يوسف في أحد المحال التجارية الكبرى، من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة والنصف مساءً، مقابل راتب شهري يبلغ خمسمئة دولار ، يسدد ٢٢٥ دولاراً منها بدلاً لإيجار المنزل ورسوم الكهرباء والمولد والمياه واشتراك القنوات الفضائية. في فترة الأعياد، ارتفعت ساعات العمل اليومي، فصار من الخامسة والنصف صباحاً حتى التاسعة مساءً »والمسؤول عنه في العمل أبلغه أنه لن يتمكن من الحصول على إجازة خلال هذا الشهر «.

تقول كاترين إنها غادرت تللسقف بعد وقوع انفجارات عدة في البلدة. لا تشعر الأم الحامل بفرحة عيد الميلاد، او أي عيد آخر، منذ لجوئها الى لبنان.

لم تضئ الشجرة في منزلها لأنها لا تملك القدرة على شراء زينتها »وبعيداً عن الأهل والافتقاد الى الراحة النفسية لا تستطيع أن تشعر بفرحة العيد«.

تشير الى أن المسيحيين لا يشعرون بالأمان اليوم في العراق. في زمن مضى، كانوا يحتفلون بعيد الميلاد عبر تحضير الأطعمة والمشروبات ليلة العيد. في منتصف الليل يذهب الشبان والصبايا الى القداس وينهمك المسنون في تحضير الولائم. هذه الأمور كلها ضاعت مع تشتت العائلات.

تقول كاترين إن »سافيو« يفتقد الى شجرة الميلاد وزينتها في المنزل. عندما يعلو صوته تكتفي بإنزاله من الطبقة الثالثة حيث يقع المنزل من أجل شراء السكاكر واللعب مع الأولاد الآخرين. تحصي كاترين أربعين عائلة مسيحية من بلدتها وبلدة زوجها، موجودة الآن في منطقة سكنها في سد البوشرية. هي وزوجها وطفلها ينتظرون الموافقة على الهجرة الى أستراليا.

كلدان مسلمون!

السيدة بلقيس (٤١ سنة) هي والدة لصبيتين (٢٣ و٢٠ سنة) وشاب في الثامنة عشرة وطفل في الثانية عشرة من العمر. يعمل رب العائلة موظفاً في مطبعة، تعمل واحدة من الصبيتين في مشغل للتطريز وشك الخرز، وتعمل الثانية في التنظيف في أحد المصارف.

حضرت العائلة »خلسة« الى لبنان عام ٢٠٠٣ بعدما تعرضت لمضايقات من عناصر حزبية تابعة للنظام السابق. كانت العائلة تعيش في حي الميكانيك في العاصمة العراقية الذي يعتبر حياً مختلطاً، ويحوي محالاً تجارية وبنايات كبيرة.

غادر صاحب الملك الى أستراليا وترك المنزل في عهدة العائلة المُستأجرة. أعجب العناصر الحزبيون بموقع المنزل المميز فهددوا أصحابه بإخلائه وإلا سيلجأون إلى اختطاف الابنتين وقتلهما.

كانت تلك الرسالة الأولى بمغادرة الوطن. في وقت لاحق، اتصلت خالة الفتاتين من الولايات المتحدة وأكدت للعائلة أن حرباً ستقع في العراق »وإنكم ستقتلون في المنزل إن بقيتم فيه«. كانت تلك هي الرسالة الثانية.

استوجب الرحيل عندها. وبعدما غادرت العائلة المنزل بشهرين... سقط العراق في يد الاحتلال. كان لبلقيس أقارب في بيروت، فنصحوا العائلة بالمجيء الى لبنان »البلد المسيحي«. كان من الصعب على العائلة الانتقال الى الموصل »فنحن لا نحب القرى ولن نتأقلم فيها. نحن سكان عاصمة«.

تقول بلقيس إن عيد الميلاد في لبنان أجمل منه في العراق. ففي العاصمة بغداد، المختلطة طائفياً، لم يكن من السهل على العائلات المسيحية إحياء شعائرها الخاصة.

» كنا مسلمين هناك«. الاحتفال بالمناسبات الدينية المسيحية يتم في نطاق ضيق جداً في وسط ذي أكثرية إسلامية بالرغم من وجود أربع كنائس مسيحية في المنطقة التي نعيش فيها (إحداها سويت بالأرض والثانية تعرضت للتفجير) الا ان كل شيء كان ينتهي عندما نغادرها«. الاحتفال في ليلة الميلاد عادة ما يكون في ليلة رأس السنة، التي يحتفل بها المسلمون أيضاً، فيختلط العيدان.

ساعد مكتب »كاريتاس« بلقيس على اجراء عمليتين جراحيتين للشرايين في لبنان. المكتب في مطرانية الكلدان هو واحد من ستة مراكز تساعد اللاجئين العراقيين على اختلاف طوائفهم، وتتوزع على أقضية ومناطق زحلة، صيدا، سن الفيل، المريجة، وطرابلس. ويحوي مكتب الحازمية وحده ملفات لنحو سبعمئة عائلة كلدانية عراقية.

تشير المساعدة الاجتماعية في مكتب »كاريتاس« في مطرانية بيروت الكلدانية مايا حداد، وهي واحدة من أربع مساعدات فيه (ثلاث اجتماعيات وواحدة ادارية)، الى ان المكتب يتعاون مع المطرانية في توزيع المساعدات وتنظيم النشاطات. ويساعد المكتب العائلات العراقية اللاجئة في الحصول على الطبابة عبر مستوصفات ومستشفيات معينة، يوزع صكوك المساعدات الغذائية التي تقدمها الأمم المتحدة، ويؤمن مساعدات مادية لطلاب المدارس، ودورات مهنية، وصكوكا لشراء الملبوسات خلال الأعياد، الى جانب الدعم النفسي والاجتماعي الذي يؤمنه للاجئين. كما يتولى في هذه الفترة تنظيم نشاطات ميلادية للأطفال بالتعاون مع جهات أخرى.

على الرغم من رفض طلب الهجرة الذي قدمته العائلة الى الولايات المتحدة، لا تريد بلقيس الحصول بأي شكل من الأشكال على الجنسية اللبنانية اذا تأمنت لها ذلك. لا تريد سوى الهجرة »فالوضع السياسي والاقتصادي في لبنان ليس جيداً أيضاً«. ومع كل ما مرت به، تتمتع السيدة الأربعينية بإيمان كبير. لا تنتظر الآن في حياتها الا التوطين في بلد ما »بلدنا أكّسنا (وضعنا علامة اكس) عليه«. تتمنى أن يكون في كندا، فهناك لها اقرباء وبوسعها التواصل مع اقرباء آخرين، في الولايات المتحدة. مهما حدث ستحافظ على إيمانها. وهي تستشهد بالإنجيل طوال الوقت :»طوبى لكم اذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من اجلي كاذبين«.

تعليقات: