علي فاعور: إشكالية الإطار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي 2026 بين قابلية التنفيذ وتشابك المسارات الإقليمية


لم يقتصر الجدل الذي أعقب توقيع ما عُرف إعلامياً بـ «الاتفاق الإطاري» اللبناني–الإسرائيلي في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026 على مضمون البنود المعلنة، بل امتد سريعاً إلى طبيعة ما وُقِّع وقيمته القانونية والسياسية. فقد أوضحت الرئاسة اللبنانية ورئاسة الحكومة لاحقاً أن الوثيقة لا تمثل اتفاقية أو معاهدة، وإنما إطاراً توجيهياً للمفاوضات (Framework) يهدف إلى تنظيم مسار التفاوض وصولاً إلى تفاهم نهائي، وتحديد أهدافه العامة، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وعودة السكان إلى قراهم.

غير أن هذه التوضيحات، بدلاً من إنهاء النقاش، فتحت مرحلة جديدة من الجدل، مع تباين التفسيرات حول القيمة القانونية للإطار، وظهور وثائق متداولة قيل إنها تتضمن ترتيبات تنفيذية، واتساع الانقسام في المواقف اللبنانية، وتعدد القراءات الإقليمية والدولية. وبذلك انتقل النقاش من مضمون الوثيقة إلى طبيعتها، ثم إلى مدى قابليتها للتحول إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ.

ومن هنا تطرح الدراسة سؤالين مترابطين: ما الذي وُقِّع فعلاً؟ وهل تسمح البيئة السياسية والدستورية والمؤسسية والميدانية والإقليمية بتحويل هذا الإطار التوجيهي إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ؟

أولاً: من «الاتفاق الإطاري» إلى «الإطار التفاوضي»: إشكالية التوصيف

أعادت التوضيحات الرسمية توجيه النقاش من مضمون البنود إلى طبيعة ما وُقِّع وقيمته القانونية والسياسية، وإلى طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تترتب عليه في المراحل اللاحقة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، لأن التمييز بين الإطار التفاوضي والاتفاق النهائي لا يقتصر على اختلاف المصطلحات، بل يعكس اختلافاً في الوظيفة القانونية لكل منهما. فالأول يرسم المبادئ العامة ويوجه مسار المفاوضات، بينما تتولى الاتفاقات اللاحقة تحديد الالتزامات وآليات تنفيذها وفق ما يتم التوصل إليه.

ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال يقتصر على مضمون النص المعلن، بل أصبح يتعلق بمدى ارتباطه بالترتيبات التي قد تنبثق عنه، وبالمرجعية الدستورية والقانونية التي تحكم الانتقال إلى تفاهمات ملزمة. ومن هنا، يشكل تحديد طبيعته القانونية والمدى الذي يمكن أن يترتب عليه من التزامات، المدخل الأساسي لفهم النقاش الذي رافقه، ولا سيما ما يتعلق بالترتيبات التنفيذية ومدى قابليتها للتطبيق.

ثانياً: من المبادئ العامة الى الآليات التنفيذية

إذا كان الإطار التفاوضي قد رسم المبادئ العامة للمسار المقترح، فإن النقاش سرعان ما انتقل إلى كيفية ترجمتها على الأرض. فقد تركز الاهتمام، بعد الإعلان عنه، على ما تداولته وسائل إعلام وتقارير سياسية بشأن وجود ترتيبات مرافقة وغير معلنة تحدد مراحل التطبيق وآلياته، الأمر الذي نقل النقاش من المستوى السياسي إلى المستوى الإجرائي.

وتشير الوثائق المتداولة إلى نموذج مرحلي يبدأ بمناطق تجريبية (زوطر الغربية وفرون)، يترافق مع إجراءات للتحقق والمتابعة، وانتشار الجيش اللبناني، وإعادة الانتشار الإسرائيلي بصورة متدرجة، وصولاً إلى إعادة الإعمار وعودة السكان. وبصرف النظر عن الوضع الرسمي لهذه الوثائق، فقد أسهمت في توسيع النقاش حول العلاقة بين المبادئ العامة والآليات المقترحة لترجمتها إلى خطوات عملية.

ولا تقتصر أهمية هذه الترتيبات على مضمونها، بل على ما تعكسه من انتقال من مرحلة التفاهم السياسي إلى مرحلة الإجراءات العملية. فالإطار التفاوضي يرسم الاتجاه العام، بينما يبقى نجاحه مرهوناً بقدرة الآليات المقترحة على تحويل المبادئ إلى خطوات قابلة للتنفيذ، ضمن تسلسل زمني واضح، وآليات متابعة متفق عليها، والتزامات متبادلة بين الأطراف المعنية.

ثالثاً: بيئة التنفيذ... بين الالتزامات والقدرات المؤسسية

تمثل بيئة التنفيذ الحلقة الحاسمة في أي إطار تفاوضي، لأن نجاح الوثائق السياسية لا يقاس بصياغتها أو بالأهداف التي تعلنها، بل بقدرتها على التحول إلى إجراءات قابلة للتطبيق. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الإطار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي لا يرتبط بالنصوص وحدها، وإنما بمدى توافر الظروف الدستورية والسياسية والمؤسسية والميدانية التي تسمح بترجمة مبادئه إلى واقع عملي بصورة متوازنة ومستقرة.

وفي الحالة اللبنانية، تتداخل مجموعة من العوامل التي تجعل هذه المهمة أكثر تعقيداً. فاستمرار الاحتلال في أجزاء من الجنوب، وتواصل الاعتداءات والخروقات الأمنية، وتأخر عودة السكان إلى عدد من القرى الحدودية، كلها عوامل تفرض واقعاً ميدانياً لا يمكن فصله عن أي ترتيبات مقترحة. كما أن الانقسام السياسي الداخلي حول أولويات المرحلة المقبلة يضيف بعداً آخر إلى هذه التعقيدات، ويجعل نجاح هذا المسار مرتبطاً بتوافر حد أدنى من التوافق الوطني.

وتبرز المؤسسة العسكرية اللبنانية بوصفها الركيزة الأساسية لهذه المرحلة. غير أن تقييم دورها ينبغي أن يستند إلى قراءة موضوعية تأخذ في الاعتبار طبيعة المهام المطلوبة، وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، واستمرار التحديات الأمنية، مع المحافظة في الوقت نفسه على وحدة المؤسسة واستقرارها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة. ومن ثم، فإن القضية لا تتعلق بقدرات المؤسسة العسكرية بحد ذاتها، بقدر ما ترتبط بمدى توافق المهام المطلوبة مع الإمكانات المتاحة والبيئة التي تعمل ضمنها.

ولا تقتصر متطلبات هذه المرحلة على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، فإن نجاح هذا المسار يتطلب مقاربة شاملة توازن بين المتطلبات الأمنية ومتطلبات التعافي وإعادة بناء الثقة في المناطق المتضررة.

ومن هنا، تبدو الفجوة بين الالتزامات والقدرات المؤسسية التحدي الأبرز أمام هذا المسار. فكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت صعوبة الانتقال من المبادئ العامة إلى الإجراءات العملية، في حين أن تضييقها يتطلب بيئة مؤسسية مستقرة، وتوافقاً سياسياً، ودعماً إقليمياً ودولياً يواكب هذه المرحلة، بما يسمح بتحويل المبادئ العامة إلى نتائج عملية ومستدامة.

رابعاً: تباين القراءات... بين الرهانات السياسية واختبار الواقع

لم يكن الجدل الذي رافق ما وُقِّع في واشنطن ناتجاً عن اختلاف في قراءة بنوده فحسب، بل عكس تبايناً أوسع في مقاربة مستقبل الجنوب اللبناني، ودور الدولة، وترتيب الأولويات الأمنية والسياسية في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هنا، لم يعد النقاش يقتصر على مضمون النص، بل امتد إلى تفسير أهدافه المحتملة وآثاره السياسية والقانونية.

فعلى المستوى الرسمي، قُدِّم بوصفه خطوة لتنظيم مسار يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة السكان وتعزيز دور مؤسسات الدولة. وفي المقابل، رأت قوى سياسية لبنانية أن مستقبل هذا المسار يبقى مرتبطاً بتسلسل الالتزامات، وبضمان احترام السيادة الوطنية، ومدى توافق أي ترتيبات لاحقة مع المرجعيات الدستورية والقانونية.

أما في إسرائيل، فقد ركزت القراءات على الأبعاد الأمنية وربطت نجاح المسار بتحقق أهدافه المعلنة، في حين تعاملت الولايات المتحدة معه باعتباره مدخلاً لإدارة مرحلة انتقالية تهدف إلى تثبيت الاستقرار واحتواء احتمالات التصعيد. وفي السياق نفسه، شددت الأمم المتحدة على أهمية تعزيز مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بينما ركزت منظمات حقوقية على حماية المدنيين، وضمان عودة السكان، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

وتكشف هذه المقاربات أن الخلاف لم يكن حول النصوص وحدها، بل حول التصورات المختلفة لأهدافها السياسية والأمنية. فكل طرف قرأ ما وُقِّع انطلاقاً من أولوياته الاستراتيجية، الأمر الذي حوّل النقاش إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات داخلية وإقليمية يصعب فصلها عن السياق الذي نشأ فيه.

كما أظهرت المواقف السياسية التي صدرت بعد توقيع الإطار التفاوضي اتساع دائرة النقاش حول فلسفته وآثاره المحتملة، بحيث لم يعد الجدل يقتصر على بنوده الإجرائية، بل امتد إلى طبيعة المقاربة التي يعتمدها في معالجة النزاع. وتركزت أبرز التساؤلات حول إعادة ترتيب أولويات التنفيذ، وربط الانسحاب الإسرائيلي بإجراءات داخلية لبنانية، وتوازن الالتزامات بين الأطراف، ومدى تأثير ذلك في دور مؤسسات الدولة، وفي آليات إعادة الإعمار وعودة السكان، فضلاً عن انعكاساته على الاستقرار الداخلي. كما برزت مقارنات تاريخية مع اتفاقات سابقة، ولا سيما اتفاق 17 أيار 1983، انطلاقاً من محاولة تقييم أوجه التشابه والاختلاف في طبيعة الالتزامات والمرجعيات التي تحكم كل منهما، وهو ما يعكس انتقال النقاش من قراءة النصوص إلى مناقشة فلسفة الإطار ونتائجه المحتملة على المدى البعيد.

خامساً: استشراف المستقبل... بين فرص النجاح وحدود الواقع

أظهرت التطورات التي أعقبت توقيع الإطار التفاوضي اتساع النقاش حول قابلية تطبيقه، مع بروز تساؤلات جديدة تتعلق بالمسار الدستوري المطلوب لاعتماد الترتيبات المقترحة، ودور المؤسسات الرسمية في اتخاذ القرار، وغياب جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، واستمرار الحديث عن "المناطق التجريبية" بوصفها مرحلة انتقالية تسبق أي إعادة انتشار. كما برز تباين متزايد في تفسير الالتزامات المتبادلة بين الأطراف، ولا سيما في ما يتعلق بتسلسل الإجراءات، ودور الجيش اللبناني، وحدود الصلاحيات التنفيذية، الأمر الذي عزز الفرضية الأساسية لهذه الدراسة، ومفادها أن التحدي لا يكمن في صياغة الإطار التفاوضي بحد ذاته، بل في توافر بيئة سياسية ودستورية وميدانية متوازنة تسمح بتحويله إلى مسار عملي قابل للتنفيذ.

يبقى السؤال الأساسي بعد الجدل الذي رافق الإطار التفاوضي: ما هي الشروط التي ستحدد مستقبله؟ فالتجارب المقارنة تشير إلى أن قيمة أطر التفاوض لا تُقاس بلحظة توقيعها، بل بقدرتها على الانتقال من المبادئ العامة إلى إجراءات عملية قابلة للاستمرار.

وفي الحالة اللبنانية، يتوقف مستقبل هذا المسار على تفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تثبيت وقف التصعيد، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لعودة السكان وإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع المحافظة على الاستقرار الداخلي والحد من احتمالات التصعيد.

كما يرتبط هذا المسار بقدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة مرحلة انتقالية دقيقة، توازن بين المتطلبات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ضمن إطار يحافظ على الشرعية الدستورية ويعزز الثقة العامة، ويحد من انعكاسات الانقسامات الداخلية على إدارة هذه المرحلة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا المسار عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالعلاقات الأميركية–الإيرانية، والمواقف الإسرائيلية، والتحولات الجارية في المنطقة، ستظل عوامل مؤثرة في اتجاهاته، بما يجعل مستقبله جزءاً من توازنات إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية.

وعليه، فإن مستقبل هذا المسار لن يتحدد بسلامة النصوص وحدها، بل بقدرته على تضييق الفجوة بين الالتزامات والقدرات المؤسسية، وهي الفجوة التي تشكل التحدي الرئيسي أمام أي انتقال من المبادئ العامة إلى إجراءات عملية مستقرة.

الخاتمة

تكشف التجربة اللبنانية أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الأطر التفاوضية، بل في توافر الشروط التي تسمح بتحويلها إلى واقع عملي. ومن هذا المنطلق، فإن الإشكالية الأساسية لا تتمثل في الإطار التفاوضي بحد ذاته، بل في بيئة التنفيذ التي ستحدد ما إذا كان سيبقى إطاراً لتنظيم المفاوضات، أم سيتحول إلى ترتيبات قابلة للتطبيق.

ويظل نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تضييق الفجوة بين الالتزامات والقدرات المؤسسية، وبناء حد أدنى من التوافق الوطني، بالتوازي مع تهيئة الظروف الميدانية والإقليمية التي تسمح بترجمة المبادئ العامة إلى إجراءات عملية متوازنة.

وعليه، فإن القيمة الفعلية لهذا الإطار لن تُقاس بلحظة التوقيع، ولا بما أثاره من جدل سياسي أو قانوني، بل بما ستكشفه الممارسة العملية من قدرة مؤسسات الدولة والأطراف المعنية على تحويل المبادئ العامة إلى نتائج ملموسة، تسهم في استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز سيادة الدولة، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، وترسيخ الاستقرار.

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية


تعليقات: