
لم تسجل محافظة النبطية أي عملية بيع أو شراء خلال شهر أيار (علي علوش)
تعكس أرقام السجل العقاري، وبوضوحٍ شديد، تبعات الحرب التي اندلعت منذ بدايات شهر آذار الماضي. والنتائج ظهرت أولًا في العدد الإجمالي لعمليّات البيع والشراء، ثم في القيمة الإجماليّة لهذه العمليّات، وصولًا إلى حصّة محافظتي الجنوب والنبطيّة من الحركة العقاريّة. وبعد أن شهد العام الماضي طفرة لافتة في التداولات العقاريّة، في أعقاب انتهاء حرب العام 2024، عاد القطاع ليشهد هذه السنة ضموراً كبيراً، وهذا ما يؤشّر إلى تراجع حجم الاستثمارات الداخليّة والخارجيّة الواردة إلى هذا السوق خلال الحرب.
أرقام الحركة العقاريّة
تشير أرقام السجل العقاري إلى أنّ لبنان سجّل خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة، أي حتّى نهاية شهر أيّار الماضي، 18.68 ألف عمليّة عقاريّة فقط، مقارنةً بأكثر من 28.2 ألف عمليّة خلال الفترة المماثلة من العام الماضي. وبهذا المعنى، يكون السوق العقاري قد خسر هذا العام ثُلث حركة البيع والشراء، التي سجّلها خلال العام 2025.
في المقابل، بلغت القيمة النقديّة لهذه العمليّات، حتّى أواخر شهر أيار الماضي، 1.99 مليار دولار أميركي، مقارنة بأكثر من 2.43 مليار دولار أميركي خلال الفترة المماثلة من عام 2025 ما يشير إلى أنّ القيمة الإجماليّة للتداولات العقاريّة تراجعت أيضاً هذه السنة بنسبة 18 بالمئة، مقارنةً بالعام الماضي.
على مستوى الحركة الشهريّة، بدت آثار الحرب واضحةً أيضاً. فبعدما سجّلت السوق العقارية حركة بقيمة 386.9 مليون دولار أميركي خلال شهر شباط، تراجع هذا الرقم بنسبة 10 بالمئة خلال شهر آذار، الذي شهد بداية الحرب، ليقتصر على نحو 349 مليون دولار أميركي. مع الإشارة إلى أنّ قيمة العمليّات خلال شهر آذار كانت أدنى بنسبة 44.31 بالمئة، مقارنة بحجم العمليّات الإجمالي خلال شهر آذار من العام الماضي.
وبحلول شهر أيّار الماضي، كانت القيمة الإجماليّة للعمليّات العقاريّة قد ارتفعت نسبياً، مقارنة بشهر آذار، لتصل إلى حدود 375.97 مليون دولار أميركي. غير أنّ قيمة العمليّات الشهريّة ظلّت أدنى بنسبة 24.59 بالمئة، أي بنحو الربع، مقارنة بشهر أيّار من السنة الماضية. كما ظل عدد العمليّات خلال شهر أيّار الماضي أقل بنسبة 43.5 بالمئة، مقارنة بشهر أيّار 2025.
توزّع العمليّات عبر المناطق
على مستوى توزّع عمليّات البيع والشراء، بدا لافتاً عدم تسجيل أي عمليّة في محافظة النبطيّة، خلال شهر أيّار الماضي، وهو ما كان نتيجةً لإقفال الدوائر العقاريّة في مركز المحافظة خلال الحرب. أمّا محافظة الجنوب، فلم تستحوذ إلا على 5.83 بالمئة من إجمالي عدد عمليّات التداول العقاري، و6.72 بالمئة من قيمة هذه العمليّات.
أمّا حصّة الأسد، فكانت لمحافظة الشمال، التي سيطرت وحدها على 21.23 بالمئة من عدد عمليّات التداول العقاري. إلا أنّ قيمة هذه العمليّات لم تتجاوز 10.66 بالمئة من الإجمالي، ما دلّ على محدوديّة متوسّط قيمة العمليّة، مقارنة بالمناطق الأخرى. في المقابل، استحوذت بعبدا على 21.15 بالمئة من عدد العمليّات، إلى جانب نسبة معتبرة تبلغ 19.52 بالمئة من قيمة عمليّات التداول.
وبدا واضحاً بشكلٍ خاص محدوديّة عدد العمليّات المُسجّلة في بيروت، التي اقتصرت على 5.06 بالمئة من الإجمالي. لكنّ هذه المحافظة سيطرت على نسبة أعلى، بلغت 15.37 بالمئة، من إجمالي قيمة العمليّات. وهذا ما دلّ على ارتفاع متوسّط قيمة العمليّة الواحدة، قياسًا بسائر المحافظات. وكذلك كان الحال بالنسبة لكسروان، التي استحوذت على 13.68 بالمئة من عدد العمليّات، مقابل 17.27 بالمئة من إجمالي قيمة العمليّات. وينطبق الأمر نفسه على المتن، التي استحوذت على 15.51 بالمئة من عدد العمليّات، مقابل 23.8 بالمئة من قيمتها الإجماليّة.
مشاكل عميقة
تاريخياً، امتازت السوق العقارية في لبنان بوجود قاعدة واسعة من المغتربين، الذين يمتلكون القدرة والرغبة باستثمار فوائض السيولة والمدخرات في هذا القطاع. وربما لعب هذا العامل دوراً في تحريك السوق العقارية خلال العام الماضي، بعد انتهاء حرب العام 2024.
إلا أنّ القطاع العقاري ما زال يعاني من مشاكل عميقة، بما يحول دون تحقيق نمو مستدام على المدى البعيد. فالاستقرار الأمني والسياسي يشكّل شرطاً أساسياً لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، وخصوصاً في مجال مشاريع التطوير العقاري. وحتّى اللحظة، يكاد يختفي الاستثمار الأجنبي تماماً في السوق العقاري اللبناني، بفعل ارتفاع درجة المخاطر العسكريّة والأمنيّة، وعدم اليقين الذي يحيط بمستقبل البلاد. وجاءت الحرب خلال العام الراهن لتعيد التأكيد على هشاشة أي استقرار مؤقّت قد تشهده البلاد على المدى القصير.
وفي الوقت نفسه، ما زالت البلاد تعاني من كتلة الخسائر التي تراكمت في قطاعها المالي، ما يحول دون توفّر التمويل المطلوب لمشاريع التطوير العقاري. ومن المعلوم أن القطاع المصرفي وفّر تاريخياً السيولة المطلوبة لتشغيل السوق العقاري، من خلال القروض السكنيّة التي تم منحها لذوي الدخل المستقرّ من الطبقة الوسطى. وبعد انهيار القطاع المصرفي، خسر القطاع العقاري دورة ماليّة كاملة، مع توقّف القروض السكنيّة، وتسهيلات المطوّرين العقاريين، وانحسار التدفقات الماليّة الواردة إلى القطاع المالي اللبناني. وبذلك، بات الطلب المحلّي على العقارات محصوراً بمصادر السيولة المتوفّرة على مستوى الاقتصاد النقدي.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: