
د. خليل كاعين: الحروب لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار، بل بما تتركه من تحولات سياسية واستراتيجية طويلة المدى
تثير الحروب، أثناء استمرارها وبعد انتهائها، سؤالا دائما: من هو المنتصر ومن هو الخاسر؟ لكن الإجابة ليست دائما واضحة، لأن التاريخ يثبت أن الخسارة العسكرية لا تعني بالضرورة الهزيمة السياسية، كما أن التفوق العسكري لا يضمن دائما تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
فالحروب لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الدمار، بل بما تتركه من تحولات سياسية واستراتيجية طويلة المدى. وقد أظهرت تجارب تاريخية عديدة أن طرفا قد يتعرض لخسائر كبيرة في الميدان، لكنه ينجح لاحقا في تحويل هذه الخسائر إلى مكاسب سياسية.
من هذا المنطلق، جاءت حلقة برنامج "حكي صادق" للإعلامية ديما صادق على شاشة MTV، والتي حاولت تصنيف أطراف الحرب الأخيرة بين "الخاسر الأكبر" و"الخاسر الأصغر"، لتفتح بابا للنقاش حول المعايير التي نعتمدها في تقييم نتائج الحروب.
اعتمدت المقاربة على الشق السياسي أكثر من العسكري، انطلاقا من فكرة أن الجميع يخسر في الحروب، وأن الخسارة العسكرية الكبرى لا تعني بالضرورة خسارة سياسية نهائية. وقد استشهد بمثال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث تعرضت مصر لخسائر عسكرية كبيرة أمام تحالف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لكن النتيجة السياسية جاءت مختلفة، إذ أممت مصر قناة السويس، وثبتت موقعها الإقليمي، وشكلت تلك المرحلة محطة تاريخية مهمة في العالم العربي.
كما يمكن التوقف عند تجربة فرنسا في الحرب العالمية الثانية. فقد تعرضت فرنسا لهزيمة عسكرية قاسية أمام الجيش النازي، واحتلت أراضيها، وتعرضت لخسائر بشرية واقتصادية كبيرة، لكنها خرجت من الحرب باستعادة استقلالها ودورها السياسي بين الدول الكبرى. وهذا ما عبّر عنه شارل ديغول بقوله:
"فرنسا خسرت معركة، لكنها لم تخسر الحرب."
وكذلك عبارته الشهيرة:
"باريس! باريس المُهانة! باريس المكسورة! باريس المُعذَّبة! لكنها باريس المُحرَّرة!"
عند إسقاط هذه المعايير على الحرب الحالية بين الأطراف المختلفة، تظهر إشكالية أساسية في طريقة التصنيف. فقد اعتبرت إيران الرابح الأول أو الخاسر الأقل، باعتبار أنها حققت مكاسب سياسية وحافظت على موقعها ونفوذها، بينما وضع حزب الله في المرتبة الرابعة باعتباره الخاسر الأكبر نتيجة خسائره البشرية والعسكرية وخسارته في بيئته الحاضنة.
لكن فصل إيران عن حزب الله في ميزان الربح والخسارة يحتاج إلى نقاش. فالعلاقة بين الطرفين ليست علاقة منفصلة أو ظرفية، بل هي ارتباط استراتيجي وسياسي وعسكري قائم منذ سنوات. ولذلك فإن تقييم مكاسب أحد الطرفين وخسائر الآخر يحتاج إلى معيار واضح يفسر هذا الفصل.
فالقول إن إيران تخلت عن حزب الله يحتاج إلى قراءة تتجاوز التصريحات والمواقف الإعلامية. فحزب الله، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها في الأرواح والعتاد، ورغم خسارة قيادات وتدمير بنى وممتلكات في بيئته الحاضنة، ما زال جزءا من المعادلة الإقليمية المرتبطة بإيران، طالما بقي النظام الإيراني قائما وطالما بقي الصراع مع إسرائيل مفتوحا من دون حل جذري.
ومن هنا، فإن وضع إيران في المرتبة الأولى وحزب الله في المرتبة الرابعة يبدو بحاجة إلى مراجعة في معايير القياس، لأن بقاء أحد الطرفين أو خسارته لا يمكن قراءته بعيدا عن موقع الطرف الآخر في المواجهة.
أما لبنان، فإذا اعتمدنا معيار الخسائر الشاملة وليس فقط الحسابات العسكرية أو السياسية، فهو يبدو الخاسر الأكبر. فالخسارة اللبنانية لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية، وتراجع مؤسسات الدولة، وتهجير السكان، وتدمير مناطق واسعة، وتعميق الانقسامات الداخلية. وهي خسارة تطال بلدًا كاملا وشعبا كاملا، بغض النظر عن الموقف السياسي من أطراف الصراع.
الإشكالية الأخرى في بعض المقاربات الإعلامية هي الاعتماد الكبير على تصريحات الأطراف المتصارعة لتقييم نتيجة حرب بهذا الحجم. فالتصريحات أثناء الحروب تكون غالبا جزءا من المعركة السياسية والإعلامية، ولا يمكن اعتمادها وحدها كمرجع نهائي.
فالتصريحات السياسية، سواء من قادة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو غيرهم، تحتاج إلى قراءة في سياقها، لأن لكل طرف حساباته ومصالحه وأهدافه. لذلك فإن تقييم نتائج حرب تاريخية ومفصلية لا يمكن أن يُبنى فقط على ما يقوله أطرافها، بل على مقارنة الأهداف المعلنة قبل الحرب بما تحقق فعليا، وعلى دراسة النتائج بعيدة المدى.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في تبني رأي معين حول نتائج الحرب، بل في طريقة بناء هذا الرأي. فالحروب لا تقرأ فقط من خلال تصريحات أصحابها، ولا من خلال مشهد إعلامي آني، بل من خلال ما تتركه من تحولات سياسية واجتماعية واستراتيجية.
فالتاريخ لا يحكم فقط على من خسر معركة، بل على من استطاع تحويل نتائجها إلى مستقبل مختلف.
دكتور خليل كاعين
18 حزيران 2026.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: