
ثمّة مرزعة ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، فوق تلّ يلامس بلدة كفرتبنيت ويشرف عليها من أعلى، من جهتها الشماليّة، وعلى النبطيّة الفوقا من ناحيتها الشماليّة الشرقيّة، وكذلك على مدينة النبطيّة من جهتها الشرقيّة، فتنكشف له من أحياء كثيرة فيها.
هي مزرعة قديمة العهد وتحمل اسم الولي الذي شيّد له مقام فوقها يعرف بمقام ”الوليّ عليّ الطاهر“. وإلى القيمة الدينيّة التي يفردها المقام على التلّ منذ أكثر من 300 عام وربّما أكثر، فثمّة مكانة استراتيجّية يتمتع بها جبل عليّ الطاهر تقارب بقيمتها العسكريّة والجغرافيّة قلعة الشقيف التي يحاكيها من شمالها الغربيّ، وتبعد عنه بين ثلاثة كيلومترات وأربعة، وتتجاوزه القلعة في الارتفاع بأكثر من 100 متر عن سطح البحر. يطلّ الجبل على نطاق واسع من أقضية النبطيّة ومرجعيون وحاصبيا، وعلى حيّز من قضاء صيدا.
تاريخيًا وُصف المقام بإنه يقع في ”بلاد الشقيف“، وعليه قبّة، وقد رمّمه الحاج علي هلال العام 1180 هجريّ (بين 1766- 1767 ميلادي)، وكان يسمىّ بـ“مقام عليّ الطاهر“، ويدير أوقافه السادة من آل نور الدين في النبطيّة الفوقا. وذكره الرحّالة الأميركيّ أدوارد روبنسون (1794-1863) في رحلته الثانية إلى لبنان في العام 1852، إذ لفت إلى أنّ ”في غربيّ الجرمق (جزّين) يقع مقام الوليّ الطاهر“. وهو كذلك معلم، ذكره السيّد محسن الأمين (1867 – 1952) في ”خطط جبل عامل“، والشيخ إبراهيم سليمان (1910- 2004) في كتابه ”بلدان جبل عامل“ (1995)، والشيخ جعفر المهاجر في كتابه ”ستة فقهاء أبطال“ (1994).
بعد احتلالها لبنان في اجتياح العام 1982 وانكفائها عن منطقة النبطيّة في الـ11 من نيسان (أبريل) 1985 أقامت قوّات الاحتلال الإسرائيليّ موقعًا لها في المقام إلى جانب تمركزها احتلالًا في قلعة الشقيف، ويتّصل بتلتين تشرفان على النبطيّة وكفررمان وعربصاليم في إقليم التفاح، هما ”الدبشة“ و“الطهرّة“ اللتان تقعان إلى شمال عليّ الطاهر. وقد عاث جيش الاحتلال في بناء المقام خرابًا بعدما حوله إلى مركز عسكريّ محاط بالدشم والتحصينات من الاسمنت والحديد. وكان من خلاله يعتدي على النبطيّة ومنطقتها، وارتكب عديدًا من المجازر منها مجزرة الباص المدرسيّ في يوم عيد الأمّ الـ21 من آذار (مارس) 1993 وسقط فيها عديد من التلامذة الأطفال ضحايا ومصابين خلال عودتهم من مدارسهم.
من موقع ديني إلى نقطة إشتباك
كان مرقد الولي الطاهر قبل احتلال المنطقة العام 1982، مقصدًا لمعظم عائلات المنطقة، لا سيّما من كفرتبنيت وأرنون ويحمر والنبطيّة الفوقا والنبطيّة التحتا والزوطرين الغربيّة والشرقيّة ومن قرى الجوار، فتزوره في المناسبات الدينيّة وتقيم احتفالات كانت تستمرّ أحيانًا ليال عدّة، بعد الصعود إليه سيرًا على الأقدام من جهة كفرتبنيت بدروب وعرة. وكان بعضهم يستعين بالدواب والبغال والخيول كي يصلوا إليه باكرًا، ثمّ يعود الجميع إلى بيوتهم مع شروق شمس الصباح. كذلك كانت تزوره عائلات من الجوار ومناطق بعيدة للتبرّك منه وإيفاء النذور بعد إشعال قناديل وسُرج تعمل بواسطة ”الكاز“ وشموع كثيرة.
بعد الانسحاب الإسرائيلي من جبل عليّ الطاهر و“معبر كفرتبنيت“ والمواقع المجاورة وكذلك من قلعة الشقيف في أيّار (مايو) العام 2000 وجد قاصدو المقام أنّ قوات الاحتلال غيّرت في معالمه وبنيانه وآثاره وأحدثت فيه فجوات وخرابًا، وهدمت قبّته ونهبت مقتنياته، وأقامت فوق سطحه ”دشمة“ محصّنة مسلّحة، وضعت في داخلها مربض مدفع كانت تعتدي من خلاله على النبطيّة ومنطقتها.
ولأهمّيّه تلّ علي الطاهر الاستراتيجيّة وما تحوطه من مناطق وعرة تطلّ على شمال فلسطين المحتلّة وعديد من قرى وبلدات النبطيّة ومرجعيون وحاصبيّا، وتنتشر فيه أحراج كثيفة من شجر السنديان المعمّر، يعتبره العدو الإسرائيلي مقرًا وأنفاقًا عسكرية يستخدمها مقاتلو ”حزب الله“ في المواجهات المتبادلة، سعى إلى قصفه مرارًا وتكرارًا في حرب الـ66 يومًا بين أيلول (سبتمبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وقبلها أو بعدها، وشنّ عليه سلسلة غارات وأحزمة ناريّة ليلًا نهارًا.
ثمّ عمد منذ بدء عدوانه الأخير في الثاني من آذار الماضي، إلى قصف التلّ وجواره بمختلف أنواع القذائف المدفعيّة، ومنها القذائف الفوسفوريّة الحارقة والمحرّمة دوليًّا، ونفذ غارات كثيرة بالطائرات الحربيّة وأحزمة ناريّة وبالطائرات المسيّرة، ثم حاول التقدم لاحتلال ”موقع“ علي الطاهر من ناحية يحمر (الشقيف) نحو قلعة الشقيف وأطراف أرنون باتجاه كفرتبنيت عبر ممرّات سابقة كان يعتمدها جيش العدو في إبّان احتلاله للمنطقة والتلال بين 1985 و2000 وحصلت مواجهات عنيفة، حالت حتّى الآن دون احتلال التل ّومقامه من جديد.

مقام عليّ الطاهر

صور لمقام علي الطاهر إبان فترة الاحتلال الاسرائيلي للتلة


الخيام | khiyam.com
تعليقات: