
الأسير المحرر احمد يحيى
“معتقل الخيام يعيش وحشته حاضناً أسماء الأسرى والذكريات”..
يكاد من جره الحنين هذه الأيام للتجوال في أرجاء معتقل الخيام ان يسمع رنين الإبرة، فيخاله الزائر في حديث مصيره، يعتقل ذكريات الأسرى من جهة وصدى قسوة جلاديهم من جهة ثانية، أو من كانت أصواتهم تتحشرج وجعا وألما، أو تتلاطم في المقابل تهديدا ووعيدا، وهم في غياب عنه منذ أشهر ينصرفون في إمعان الى مصائرهم التائهة بين البحث عن لقمة العيش والطبابة والدواء والمدرسة، وبين من يؤدون ما عليهم في بضعة أسابيع من أحكام صدرت بحق عمالتهم او ممن يتلقون التبريكات بعودتهم سالمين غانمين من »إسرائيل« ثم بانفلاتهم من المحاكمة والأحكام. وفي الوقت الذي يتوه فيه الأسرى المحررون منذ الثالث والعشرين من أيار المنصرم، تاريخ تحررهم الجماعي مع العشرات من قراهم المحتلة، او من سنوات سبق ذلك بكثير أو بقليل، في أزقة وأدراج بعض الوزارات تنقيبا عن معاملة لعملية جراحية ما، او جلسة علاج فيزيائي وبعض التعويضات التي ربما تسد رمق العائلة في جزء من المصروف، او في الحد الادنى من التعليم ومحاولة العيش بكرامة بعيدا عن »التسول« وطرق الابواب، رجعت القرى الجنوبية، من حاصبيا الى القليعة وبنت جبيل ثم امتدادا نحو عين إبل ورميش وصولاً الى الناقورة، ل»تزخر« من جديد بقادة وضباط ما كان يسمى »جيش لبنان الجنوبي« بعدما عادوا من »إسرائيل« محمّلين »بتعويضاتهم« التي كادت لولا »جلدهم« وانتظارهم ان تذهب هدرا، غير انهم صبروا ونالوا ما كانوا »يستحقونه« في مفهومهم الذي لم يتبدّل على الرغم من كل ما جرى، بدل تعب السنين يتنقلون من قيادة قطاع الى محور ومن مركز مدفعية الى آخر، فضلا عن المسؤوليات »الجسام« التي سهروا الليالي يتفانون في خدمتها للتنكيل والتعذيب بأبناء الجنوب والقرى التي تحررت من سجنها الجماعي، وها إن بعضهم سرعان ما نقل البندقية من كتف إلى كتف. معتقل الخيام الذي كان يشكل الهاجس والقبلة للآلاف من ذوي المعتقلين ومن ناضل في سبيل تحررهم، يعيش غربة موحشة بعد انقطاع حركة الزوار إليه او تضاؤلها بشكل لافت، ومن عانوا الأمرّين في متاهات زنزاناته وظلمتها ما زالوا ينتظرون تكريم الدولة لهم على مختلف الاصعدة، ان لجهة تحويل هذا المعتقل الى متحف وطني يحفظ الذكريات الموجعة والكتابات والأشغال للأسرى طوال فترات اعتقالهم القسري، بحسب ما وعدت، او بتأمين بعض الضمانات الاجتماعية والصحية و»المستقبلية« ولملمة شمل أسرهم ليعيشوا كرماء معززين. غير ان المعتقل مع زنزاناته لم تحوله قرارات الدولة بعد الى متحف بعدما ضاع بفعل الفوضى التي اعقبت تحرر أسراه، نتاج الأسرى وأعمالهم، مثلما ضاعت ذكرياتهم التي حفروها بحبر من دمهم على جدران الزنزانات وأرضها، ومعها تغيرت بعض المعالم الاساسية التي كانت تحوط المعتقل، من اسلاك وأبراج وتجهيزات وغيرها، وجدرانه تحولت الى »فسيفساء« إذ لم يبق زائر إلا ودوّن اسمه او توقيعه على حائط هنا وباب هناك وزنزانة هنا وهناك. وفي منطقة مرجعيون وحدها، ومن أصل نحو 320 أسيرا محررا، هناك 250 محررا على الاقل من دون وظيفة، وشبه عاطلين عن العمل، يعمل عدد منهم في بعض الاحيان باليومية، في أعمال تعتبر اكثر من صعبة بالنسبة للمشاكل الصحية التي تركتها سنوات الاعتقال والتعذيب على اجسادهم، ويشتغل البعض في اعمال البناء وصب الباطون بأجر غير كافٍ، فضلا عن العمل في الزراعة وضرب المعول والحفر وغيرها بأجور زهيدة جدا، خصوصا في هذه المنطقة التي تعيش أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة، تنعكس عليهم وعلى عائلاتهم وذويهم. في المقابل هناك 250 محررا من أرباب عائلات تتألف في حدها الادنى من أربعة أفراد، معظمهم من تلامذة المدارس ويحتاجون الى مبالغ ليست قليلة. وبسبب اوضاعهم الصحية المتردية فهم يجولون بين المستوصفات والمراكز الصحية والمستشفيات المجانية او شبه المجانية التابعة لوزارتي الصحة العامة والشؤون الاجتماعية، البعيدة عن مراكز سكنهم، بحثاً عن العلاج والدواء، فالتعذيب بواسطة الكهرباء وقلة النور والرطوبة في المعتقل الى اساليب الضرب والعقاب الذي كان يفرضه جلادو المعتقل، ترك فيهم عددا من الأمراض المستعصية، منها: الروماتيزم والربو والديسك وضعف النظر والقلب، وعلل في الجهاز التناسلي والكلى، فضلا عن الاعاقات الجزئية او الدائمة. هذا وحده منع العديد منهم من مزاولة اي نشاط او عمل يتطلب جهدا جسديا استثنائيا، مما دفع بالكثير منهم الى العزلة والانطواء، وتسبب بالتالي بمشكلات نفسية واجتماعية. تبدد الآمال وتشير مصادر الاسرى المحررين الى انهم علقوا آمالا كبيرة على الاستمارات التي بدأت بإعدادها مصلحة الشؤون الاسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية حول أوضاعهم تحت عنوان »دراسة اوضاع واحتياجات اسر المعتقلين اللبنانيين والأسرى المحررين« والتي تضمنت نحو 58 بندا تشمل مختلف التفاصيل الاجتماعية والانسانية للمعتقل، وكانوا يأملون من خلال هذه الاستمارات الحصول على »بطاقة محرر« تخولهم تلقي المساعدات والاعانات على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والطبية والتربوية، غير ان احلامهم سرعان ما تبددت، خصوصا اذا صح اعتقاد هؤلاء الأسرى بأن الوزارة كانت تنتظر مساعدات الدول المانحة (أكثر أو أقل من 300 مليون دولار، لهذا الموضوع تحديدا) التي تبددت هي الاخرى. ويعمل الأسير المحرر ابراهيم محمد حيدر (52 عاما) من بلدة الخيام (والد لسبعة ابناء) والذي اعتقل في الفترة ما بين 7/7/1985 و1/10/1990، بين الآونة والاخرى في حدادة السيارات »حتى لا يمد يده لأحد« بعدما تركت سنوات الاعتقال آثارها السلبية بامتياز على حياته وجسده فبات يعاني من شلل في قدرة يده اليمنى على العمل، ومن مشكلات في العمود الفقري. ويقول حيدر ل»السفير«: »خرجت من المعتقل بإعاقة مستديمة في يدي ورقبتي، وهناك تقارير شرعية من أطباء عديدين تثبت ذلك، وآخر عملية جراحية خضعت لها كانت منذ سنة ونصف السنة لترميم ثلاثة كسور في العمود الفقري سببها الضرب والتعذيب في المعتقل، هذا عدا عما تؤكده التقارير الطبية التي توجد صور عنها في مجلس الجنوب، من مشكلات مزمنة في المسالك البولية بسبب الاعتقال. على الرغم من هذا كله لا احد يعترف بحقنا ولم نتلق حقوقنا بعد الافراج عنا، على الاقل بدل الاعاقة او الطبابة، »نتبهدل« كثيرا حتى نتطبب. أتلقى بعض العلاج على نفقة وزارة الصحة العامة، ومجلس الجنوب يغطي فرق وزارة الصحة، علما بأنه يجب ان اعالج مئة في المئة على نفقة مجلس الجنوب حتى ولو بعد مئة عام«. وأضاف حيدر: »عندما تتردى أوضاعي المادية اضطر للعمل في حدادة السيارات على الرغم من شلل 80 في المئة في يدي اليمنى، كي لا امد يدي للناس. يقولون ان مجلس الجنوب هو للمعتقلين، هذا غير صحيح، وأنا اتحمل مسؤولية كلامي الذي اقوله، لم أتلق اي »مليم احمر«، وهذا اطرحه برسم الرؤساء والمسؤولين في لبنان بدءا من رئيس الجمهورية، قالوا قدموا طلبات للتوظيف، تقدمت بواحد منذ أربع او خمس سنوات، وحتى اليوم لم اتلق اي جواب، أولادي يعملون في البناء حتى نستطيع سد الرمق، ولم أترك أحدا منهم غير الصغيرة في المدرسة بسبب أوضاعي المادية الصعبة، سجلتها بالأمس في مهنية مرجعيون الرسمية ودفعت رسما قدره 160 ألف ليرة لبنانية، وحتى الآن لم اسدد لها ثمن كتبها«. محامٍ جلاد! ويروي حيدر انه منذ فترة وجيزة وقف في المحكمة بسبب مشكلة مع عامل اجنبي، وفوجئ في اثناء المحاكمة، بمحامٍ يترافع وكان هو ذاته »جلادي في معتقل الخيام واسمه كذا وكذا، هذا الاسم معروف عند المعتقلين عن ظهر قلب، عميل إسرائيلي، جلاد في معتقل الخيام مدة 15 سنة، غني عن التعريف، يمثل العدالة ونحن متهمون، بالله كيف نفسر ذلك؟«. الأسير المحرر احمد عبد الحسن يحيى (32 عاما) من الخيام، الذي اعتقل في الفترة ما بين 22/2/1988 و14/7/1996، يعمل مؤقتا دليلاً في معتقل الخيام قال ل»السفير«: »لا سكن عندي ولا وظيفة، وحتى اليوم منذ خروجي من المعتقل لم اتمكن من الزواج بسبب وضعي المادي، تقدمت بطلب للوظيفة منذ العام 1996 وها نحن اليوم في أواخر العام 2000 ولم يأتني الرد بعد، وظفوا في ما مضى نحو 13 أسيرا محررا بما لا يتناسب مع وضعهم العلمي على الاقل، فمنهم من يحمل الليسانس، للأسف انهم يحرسون بعض المكاتب والشركات. الطبابة تتوافر بنسبة معينة على نفقة مجلس الجنوب غير ان اوضاعنا الصحية لا تسمح لنا بالعمل، وفي الوقت نفسه نحتاج الى مبالغ كبيرة للدخول الى المستشفيات لأننا نعاني من امراض متنوعة: ضيق التنفس، روماتيزم، قرحة، زائدة، قلب، مرارة، عيون وغيرها من الأمراض المزمنة، وعدنا عدد من المسؤولين بالبطاقة الصحية حتى نتلقى العلاج، على الاقل، مجانا لأننا فعلا غير قادرين على دخول المستشفيات وبالتالي لا قدرة لنا على العمل، لا نملك قرشا«. صدمة الأحكام وأكثر ما يؤلم احمد الاحكام التي صدرت بحق المتعاملين: »شكلت لنا صدمة، الجنوب تحرر على أيدي المقاومة والأسرى، وشعرنا في وقت ما بأننا سنحصل في الحد الادنى على حقوقنا ففوجئنا بعد خروجنا بأن بعضنا يقول: ليتني كنت عميلا، ليس حبا بالعمالة، بل لأن هذا العميل الذي أمضى اكثر من 22 عاما في العمالة والخيانة والقتل وسفك الدماء بحق أهله وعائلته وأبناء قريته، ها انه بعد اندحار العدو الاسرائيلي يعيش أفضل مني ومن جميع الأسرى المحررين، وهناك العديد لم يتم استجوابهم حتى الآن، خرجنا لنجد ان وضع العميل افضل بكثير من اوضاعنا، وهنا نسأل فقط عن ماء الوجه بالنسبة لهكذا أحكام. العملاء يسرحون ويمرحون في القرى، وبعضهم من مارس القتل في معتقل الخيام، هذا العدل الذي يعيش فيه القبيح والشريف على حد سواء؟ حتى إن القبيح يعيش أفضل بكثير، فليفسر لنا أحد ما يجري؟«. يتراكض الاسرى المحررون وحيدين من مكان إلى آخر بحثا عن لقمة شريفة تغني عن »التسول« ومد اليد، لتسكن بعض ألم ما تسببه الاعتقال والتعذيب والغربة في وطن ظنوا انه ينتظر حريتهم بفارغ الصبر، وإلى منازل جلاديهم تتقاطر الوفود المهنئة »بالسلامة« المزدوجة: سلامة العودة من »إسرائيل« او الإطلاق بسند الإقامة، ويراقب المحررون بحسرة كيف ان جلاديهم يجولون ويصولون بعدما باتوا يمتلكون صكوك البراءة التي وحدها »تدحض« كل سنوات الاسر التي عاشها المعتقلون في زنزانات الجحيم في الخيام وغير الخيام، فيقلقهم السؤال باستغراب: من في الغد القريب او البعيد سيحاسب من؟
المصدر: كامل جابر 2000-11-04 جريدة السفير رقم العدد 8749

ساحة المعتقل خالية من الزوار


الخيام | khiyam.com
تعليقات: