
طرقات الجنوب وتحديداً الطريق بين الزهراني ومدينة النبطية باتت أشبه بطريق الموت (اندبندنت عربية)
قصص مدنيين ومسعفين وعائلات قضوا على طريق قصدوه بعدما حولت غارة إسرائيلية التنقل اليومي إلى مغامرة قد تنتهي بصاروخ من السماء
ملخص
لم تكتفِ إسرائيل، بخاصة في أعقاب الإنذارات الأخيرة التي طلبت من سكان جنوب نهر الزهراني جنوب لبنان بالانتقال نحو شماله باستهداف عناصر حزبية بعينها، بل راحت تتربص بكل جسم متحرك شاء سوء قدره أن تكون المسيرة في سماء قريبة أو رصدته وتابعته، وحولت طرقات الجنوب إلى طرقات للموت.
تحفل يوميات الحرب الأخيرة في لبنان بأخبار من باتوا يسقطون بنيران المسيرات الإسرائيلية حينما يتنقلون على الطرقات، ليس في جنوب لبنان وحسب، بل كذلك على طرقات العاصمة بيروت الساحلية أو الداخلية، أو طرقات البقاع (شرق لبنان)، لكنها تتركز في مناطق جنوب نهر الليطاني وشماله، في المدن والبلدات التي أمرت إسرائيل بإخلائها من سكانها بعد إنذارات متتالية، فتستهدف من لم يتركها أو ينزح عنها، لأهداف مبيتة أو طارئة، وعلى الطرقات الرئيسة التي تصل الجنوب بعضه ببعض، وبخاصة على الطريق بين مدينة صيدا مركز محافظة لبنان الجنوبي ومدينة النبطية عاصمة المحافظة التي تحمل اسمها ومنها نحو بلدات وطرقات الأقضية التابعة لها.
طرقات الموت الجنوبية
ليست هناك حصيلة رسمية تحصي بدقة أعداد الذين سقطوا داخل سياراتهم من مدنيين وعناصر دفاع مدني ومسعفين وعسكريين وكذلك من مقاتلي "حزب الله" جراء استهدافات المسيرات الإسرائيلية منذ بداية الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) الماضي وحتى منتصف يونيو (حزيران) الجاري، بعدما تحولت هذه المسيرات إلى ما يشبه الأفخاخ أو القنابل الموقوتة التي تفجر أهدافها بأوامر عسكرية من بعد، إذ باتت تترصد أية حركة على الطرقات الرئيسة والمتفرعة لآلية أو دراجة نارية أو حتى للمتنقلين سيراً على الأقدام، وكذلك في الحقول أو مراكز العمل أو أمام البيوت.
ولم تكتفِ، بخاصة في أعقاب الإنذارات الأخيرة التي طلبت من سكان جنوب نهر الزهراني بالانتقال نحو شماله باستهداف عناصر حزبية بعينها، بل راحت تتربص بكل جسم متحرك شاء سوء قدره أن تكون المسيرة في سماء قريبة أو رصدته وتابعته، وحولت طرقات الجنوب إلى طرقات للموت.
انتشار السيارات المحطمة والمحترقة
يصف أحد مسؤولي الدفاع المدني في كفررمان بأن الطريق بين الزهراني ومدينة النبطية باتت أشبه بطريق الموت، إذ تخلو تماماً من حركة السير والحياة، فيما تنتشر على جانبي الطريق الرئيس الممتد نحو 25 كيلومتراً سيارات محطمة أو محترقة أو متفحمة، وهي من نوع مقفلة وشاحنات صغيرة ومعدات عسكرية ودراجات نارية استهدفتها جميعها مسيرات إسرائيلية في الحرب الأخيرة بينما كانت تتنقل على الطريق الذي يصل عاصمة محافظة النبطية بعاصمة الجنوب صيدا.
ويشير إلى أن معظم من استهدفتهم المسيرات سقطوا ضحايا هذه الغارات، بينهم كثير من عناصر الجيش اللبناني والمسعفين وعناصر الدفاع المدني والمدنيين، إضافة إلى عدد من الأفراد التابعين لـ"حزب الله" أو المؤيدين له.
ويؤكد مراقبو الوضع الأمني والعسكري جنوب لبنان أن إسرائيل نشرت في الحرب الأخيرة آلاف المسيرات في سماء المناطق الجنوبية ولا تغيب عنها ليلاً أو نهاراً، وصولاً إلى صيدا أو بيروت. وتطبق هذه المسيرات على أجواء المدن الرئيسة مثل النبطية وصور وصيدا وجزين وبنت جبيل. وبعيداً من مهامها التجسسية والمراقبة ونقل المعلومات، تحولت بمعظمها إلى وسائل قتل واغتيال رئيسة تكاد لا توفر أحداً، حتى النساء والأطفال، فيما تتولى الطائرات الحربية عملية تدمير المنازل، وفق متابعين ومتخصصين عسكريين.
مقتلة في تفاحتا
لكل من استهدفته المسيرات الإسرائيلية بصواريخها المحملة بكميات هائلة من الكرات الحديدية القاتلة، حكاية مغامرة أخيرة أودت بحياته وحياة من اجتمع معه في نقطة الموت أو في عين الهدف، أو كتبت له النجاة كي يروي تفاصيلها، أو ربما كان شاهداً على لحظات أخيرة تبخر فيها المستهدفون أو تفحموا أو تحولوا إلى أشلاء ممزقة، وسط سؤال يردده كثر من المتابعين أخبار وسائل التواصل الاجتماعي الحافلة بنعايا الأحباء والأصدقاء والأقارب ممن حصدتهم صواريخ المسيرات المتربصة: لماذا غامر من غامر على الطرقات وفي الأحياء أو الحقول وهو يعلم أن نيران المسيرات يمكن أن تحرقه أو تبيده بأمر مجنون من خلف شاشة أتى من كيلومترات بعيدة جداً أو برمجة ذكاء اصطناعي؟
إنها قصص حافلة بالوجع والفقد والخسارات التي لا تعوض، كان يمكن ألا تحل لولا لحظات سبقت قرار الغوص في المغامرة أو سوء التقدير، أو الضرورة التي لا بد منها.
شهدت بلدة تفاحتا في قضاء (صيدا والزهراني) ما وصفها كثيرون بـ"مذبحة" ارتكبتها مسيرة إسرائيلية خلال 15 دقيقة وراح ضحيتها 13 شاباً من أبناء البلدة، جرى ذلك عصر السبت الـ11 من أبريل (نيسان) الماضي، إذ استهدفت مسيرة إسرائيلية في محلة "ضهر الدرجة" في تفاحتا سيارة من نوع "رابيد" يقودها الرئيس السابق للبلدية إبراهيم كوثراني وبرفقته هيثم رضا، فقتلا على الفور.
وعلى أثر سماع دوي الغارة هرع إلى المكان عدد من الشبان كانوا يجتمعون في ساحة البلدة، من بينهم هارون الشامي وجاره حسين كوثراني اللذان حاولا إخراج من في السيارة المستهدفة، فأطلقت المسيرة باتجاههما صاروخاً آخر على مسافة نحو 20 متراً من مكان الاستهداف الأول، فأصيب عددٌ من الشبان في الغارة الثانية كانوا وصلوا إلى المكان، من بينهم هارون الشامي الذي حاول وهو مصاب في بطنه الابتعاد عن مكان الاستهداف قرابة 100 متر. ركض نحوه المسعف هارون زبيب للمساعدة، فأتت غارة ثالثة، لتستهدف الجريح هارون الشامي والمسعف هارون زبيب فأردتهما. وعلى جانبي الطريق وفي أقل من 10 دقائق توزعت سبع جثث تعود إلى كل من: حسين عبيد، ومحمد حمود، وحسين كوثراني، ومالك صالح، وهادي زبيب، وهارون الشامي، وهارون زبيب، إضافة إلى عدد من الجرحى.
في محلة "البيدر" التي تبعد مسافة قليلة من مكان المجزرة، يوجه الشاب محمد عبيد، الذي يتجمع مع شبان آخرين، رسالة صوتية على إحدى مجموعات "واتساب" يبلغ فيها أن "المحلقات الإسرائيلية لم تزل تحوم فوقنا مباشرة، نحن الآن نحتمي بشجرة سرو، لا يمكنني الرد، من سقط في غارة ’ضهر الدرجة‘ هم أقربائي ولا يمكنني الذهاب إلى هناك الآن، سننتظر قليلاً قبل أن نغادر المكان". تدنو المسيرة التي لم تغادر سماء البلدة من شجرة السرو وتستهدف الشبان المجتمعين تحتها، فيسقط كل من: محمد عبيد، ومعه عماد كنج، وإبراهيم الشامي، والمسعف حسن العلي الذي كان موجوداً بالصدفة معهم. وفي لحظاتٍ قليلة يستقر عدد الضحايا على 13 بين مدنيين ومسعفين، وبين الغارات الأربع المنفصلة، سقط الشقيقان إبراهيم وهارون الشامي في مكانين متباعدين.
لكل ضحية قصة
في بلدة حبوش جارة النبطية التي تعرضت لوابل من غارات الطيران الحربي الإسرائيلي، وسقط على طريقها الرئيس عدد من ركاب السيارات أو الدراجات النارية، وبعد يوم على فقدان العاملة السريلانكية "رحمة"، وجدت مقتولة على جانب الطريق وهي كانت تتنقل سيراً على الأقدام بشظايا صاروخ من مسيرة في الثالث من يونيو الجاري، هي التي حضرت إلى لبنان منذ نحو 20 عاماً ورفضت مغادرة البلدة كي "تهتم بسقاية الزرع وإطعام القطط"، ونعاها عدد من أبناء البلدة ووصفوها بأنها "اسم على مسمى ترأف بالقطط وتعطف عليها".
وعلى طريق "الحوش" شرق مدينة صور قتلت مسيرة إسرائيلية في الثالث من يونيو الناشطة لمى طلال بسما وهي تقود دراجتها النارية التي كانت تستخدمها في التنقل بين قريتها عين بعال ومدينة صور. لمى البالغة 37 سنة عرفت في صور ومنطقتها بلقب "بسمة العطاء" أو "طاهية الصمود" نظراً "إلى تفانيها وعملها التطوعي، إذ تحمل وجبات الطعام التي تعدها يومياً للمسعفين العاملين في الدفاع المدني وهيئات صحية، على نحو ما كنت تفعل في حرب الـ66 يوماً 2024، ونعاها مسعفون وناشطون في صور ومنطقتها".
أما الخبر الذي ضج بمواقع التواصل الاجتماعي فهو فقدان الزوجين زاهي فتوني "أبو علي" وزوجته نظيرة حمادة في مطلع يونيو الجاري بينما كانا عائدين إلى بلدتهما الصوانة (مرجعيون).
وكتب كثير من الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي نعايا منها "بعد خمسة أيام من الترقب والخوف والحذر، تم العثور على بعض رفاتهما في سيارتهما التي وجدت على طريق خربة سلم جارة ضيعتهما الصوانة التي لم يصلا إليها وقضيا اغتيالاً عند مشارفها بعد غارة وحشية". وكتب آخرون "الحاجة نظيرة حمادة والحاج زاهي فتوني، زوجان تقدّما معاً في العمر كما تقدّما معاً في رحلة الحياة، توجها قبل أيام، وبعد إعلان وقف إطلاق النار في كل لبنان، إلى بلدة الصوانة بسيارتهما السوداء الصغيرة، ثم انقطع كل أثر لهما. خمسة أيام مرت بين الرجاء والخوف، قبل أن يُعثر عليهما داخل سيارتهما وقد ارتقيا معاً إثر استهداف من طائرة مسيّرة، رحلا كما عاشا، جنباً إلى جنب".
حكايا على لسان أصحابها
في الثاني من يونيو قتلت مسيرة إسرائيلية علي حبيب جابر بينما كان يهم بدخول منزل في مدينة النبطية. يروي صهره أحمد ديلاتي ما حصل فيقول "يبلغ حماي 80 من عمره، وفي خلال متابعته الأخبار اليومية، اهتم بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف إطلاق النار، وهو يعشق الأرض والزراعة والبيت. لم تكن المرة الأولى التي يعود فيها إلى النبطية منذ بداية الحرب الأخيرة، بل المرة السادسة، نبهناه إلى أن المدينة باتت في خط المواجهة الأول فيما المسيرات تقتل كل من يتحرك على الطرقات التي باتت كطرقات الموت، أو داخل الأحياء، ووعدنا بألا يذهب إلى النبطية".
وأضاف ديلاتي "نحن لم نعلم أنه قصد المدينة، حتى اتصل بي أحد عناصر الدفاع المدني، وقال عثرنا على ضحية أمام بيت حميك، نرسل إليك صورة كي تتعرف إلى صاحبها إذا ما كانت له، وكان ما كان"، وأكد أن "المسيرة أطلقت صاروخاً يحتوي على شظايا كثيرة، واستهدفت عمي بينما كان يهم بالنزول من السيارة، عند مدخل البيت، وكان جسده من خلف مشظى بعشرات كرات الحديد التي أدت إلى مقتله على الفور".
وفي السابع من يونيو، قصد عماد أحمد ياسين (68 سنة) وهو من شوكين (النبطية) وصاحب مزرعة لتربية الدواجن بيروت، فتفقد عائلته التي انتقلت منذ بداية الحرب الأخيرة إلى العاصمة، وظل يزورها كل أسبوع أو أسبوعين. بات ليلته هناك وعاد في اليوم التالي إلى مزرعته في قرية عدشيت (النبطية) يحمل إليها أدوات صيانة وعلفاً وغيرها من احتياجات المزرعة.
يروي ابنه محمد ما حصل في ذلك اليوم، فيقول "هو لم يغادر المزرعة في عدشيت منذ بداية الحرب، وكان يأتي إلينا كل مدة من الوقت، ويساعده هناك اثنان من أبناء عدشيت يملكان أيضاً مواشي وأبقاراً ولم يغادرا البلدة من أجلها، لكنه أخلى منها العمال الأجانب إلى بيروت بعد الإعلان عن انتهاء الهدنة أو ما يسمى بالهدنة. في ذاك النهار وبعدما اشترى من بيروت كل ما يحتاج إليه من تموين وبطارية للمولد وغيرها من أدوية ومستلزمات، وصل إلى المزرعة قرابة الخامسة مساء وأراد تجهيز المولد الصغير بعدما باتت المزرعة لا تعمل بكل أقسامها، قصد مكان المولد مع الشابين المساعدين، وضربتهما المسيرة، فصرخا وسقط مع رفيقه زاهي ترحيني على الفور، لقد قتلتهما كرات الحديد المنبعثة من الصاروخ الذي اصطدم بالأرض قربهما".
ويضيف ياسين "لا علاقات حزبية له وهو مدني ويعمل منذ أعوام بمزرعته هذه، وأصلاً منذ بداية الحرب كانت المسيرات تحلق فوق المزرعة، وتسجل كل تحرك ولم يحصل معه أي أمر يثير القلق أو الخوف. والدي لا يقوم بأي عمل يثير شكوكاً ما، كل ما يسعى إليه هو إنقاذ الرزق، بخاصة بعدما خسر في الحرب الماضية 2024 مبالغ كبيرة. وفي لحظة صرخ والدي ورفيقه بعدما شاهدا الصاروخ، مما جعل الرجل الثالث يهرع باتجاههما. في هذه الثواني القليلة أغارت الطائرات الحربية على مكان مولد الكهرباء وحولت المكان إلى رماد، لو أن أبي ورفيقيه بقيا عند المولد، لم نكن لنعثر على جثثهم حتى".
وليس بعيداً من القصص أعلاه، ما حصل مع عائلة من بلدة القليعة الجنوبية في أوائل يونيو الجاري، وفي تفاصيلها أن طبيب الأسنان جيمس جورج كرم وولديه طوني وتيودوسيا قصدوا مدينة صيدا بعد مرافقة الأب لابنته لمتابعة شؤونها الجامعية وتقديم امتحاناتها، وفي أثناء العودة استُهدفت سيارتهم بغارة شنّتها مسيّرة إسرائيلية على طريق النبطية – الخردلي فقتلوا جميعاً على الفور.
قصة قاسية تتكرر كل يوم
يروي أحمد بدر الدين من النبطية وهو عضو في مجلسها البلدي ما حصل أمام عينيه في ميفدون (النبطية) حيث منزل العائلة وكيف قتلت مسيرة إسرائيلية ابنيه الشابين محمد جواد ومحمد حسن بدر الدين بينما كانوا جميعهم يهمون بمغادرة المنزل بعد تعرضه للقصف المدفعي بكثير من الغصة والحزن.
يقول الوالد المفجوع "قررت وحدي مع بداية هذه الحرب ألا أنزح وأغادر البيت في ميفدون وبخاصة أن منزلي مجهز بكهرباء ومولد وطاقة شمسية وبمياه وافرة وبالتموين اللازم، لكن العائلة غادرت، وبعد أيام قليلة أصر ابني محمد حسن أن يعود إلى البيت، لكن محمد جواد الأكبر سناً بقي مع والدته نحو شهر في بلدة مزبود (الشوف) وبعد إعلان أول وقف لإطلاق النار التحق بنا، فقلت لهما، أنا أغامر بنفسي في البقاء بالبيت وقد شارفت على الـ70 من العمر، فلا تغامرا معي هنا وغادرا قبل أن تحتدم الحرب أكثر، فلم يوافقا على اقتراحي وهما أصلاً لم يرغبا بالنزوح. تعرض بيت قريب من بيتنا لغارة طائرات حربية فدمرته وقطعت الطريق وبقيت سياراتنا داخل منطقة الردم".
يضيف بدر الدين "السبت الواقع في الـ23 من مايو (أيار) الماضي حصل تبادل للقصف بين الإسرائيليين ومقاتلين من الحزب، فسقطت عندنا قذائف إسرائيلية، واحدة أتت بالشجرة أمام البيت ففصلت أسلاك الطاقة الشمسية وقطعت أنابيب المياه وأصابت البيت بأضرار جسيمة، هنا شعرنا بالخطر وأننا بتنا في منطقة عسكرية فيها تبادل إطلاق نار، لكن الطريق مقفلة علينا فكيف نخرج؟ قام ابناي بإصلاح أعطال الطاقة الشمسية وأنابيب المياه".
"ابناي قتلا أمام عينيّ"
في صباح الـ25 من مايو "تجدد القصف بالقذائف الثقيلة من عيار 155 ملم على المنطقة، طلبت من ولديّ النزول فوراً إلى الملجأ، ففعلا، بعدها سقطت في محيط البيت نحو ست قذائف وأصابته بأضرار جسيمة. حاولنا الاتصال بفرق الإنقاذ، وإذ بهذا الوقت يصل صديق لنا يدعى أحمد أبو الحسن. هو يتفقدنا دائماً بعملية التموين وما نحتاج من خبز، وصل فوجد الطريق مقفلة بالردم بعدما كان في أثناء الطريق إلينا قد نجا من غارة مسيرة، قطع مسافة نحو 250 متراً حتى وصل لعندنا، في هذه اللحظات اتخذنا قراراً جماعياً بعدم البقاء، وبما أن سيارة الزائر باتت قريبة ننتقل إليها سيراً ونغادر المنطقة، فحمل كل واحد منا ما نحتاج إليه من ثياب وأجهزة كمبيوتر وأغراض شخصية، وتابعنا بخط واحد على الرصيف القريب باتجاه السيارة".
ويتابع "وصلت أولاً أنا وصاحب السيارة ووضعنا أغراضنا فيها ورحنا نراقب وصول جواد وحسن. وصل أحدهما قبل الآخر ويحمل سلة فيها قطة وأولادها الصغار، طلبت إليه أن يعود سريعاً ويساعد شقيقه في حمل الأغراض، وما حصل في هذه اللحظات وكأنه فيلم سينمائي، في هذه اللحظة جلست أنا على الأرض أراقبهما حتى يصلا، وعندما حاول الكبير أن يساعد شقيقه سقط صاروخ المسيرة خلفهما وسقطا فوراً على الأرض نتيجة إصابات قاتلة، هنا أصبت بانهيار تام وعجز كامل، ربما ما حصل هو حلم وسينتهي فوراً، وارتفع صوتي إلى الله أرجوه أن ينقذهما. هما أمام عيني يلفظان أنفاسهما وأنا ورفيقي لا حول لنا ولا قوة، ولم أدرك أنني أصبت بشظية في يدي، فاقترح أن نذهب كي نأتي بسيارة إسعاف تنقلهما من مكانهما، فلا قدرة لنا على حملهما".
ويكمل روايته "صعدنا إلى السيارة، خرجنا من الطرقات الفرعية نحو الشارع العام وسلكنا خط النبطية، ولحظة وصولنا إلى ساحة نصب المخترع حسن كامل الصباح وسط النبطية أطلقت علينا مسيرة صاروخاً سقط على مسافة مترين من السيارة، فنجونا واتجهنا نحو المستشفى الحكومي في المدينة، وعند منعطف يبعد نحو 30 متراً عن مدخل المستشفى أطلقت المسيرة صاروخاً آخر باتجاهنا فسقط إلى يسار السيارة فأصيب أبو الحسن برئته واصطدمت السيارة بجدار تسبب له بكسر ضلع أيسر. هربنا من السيارة وركضنا باتجاه مسعفين كانوا عند باب المستشفى، ولم أعرف كيف بقينا حيين، أُدخلنا إلى الطوارئ وأجريت لنا الإسعافات اللازمة، وأنا أردد عبارة واحدة: ابناي ما زالا على الأرض".

باتت المسيرات الإسرائيلية تترصد أية حركة على الطرقات الرئيسة والمتفرعة (ا ف ب)

علي حبيب جابر الذي اغتالته مسيرة وهو يهم بالنزول من السيارة أمام منزله في النبطية يرفع في بداية الحرب علم لبنان (مواقع التواصل)

زوجة طبيب الأسنان جيمس جورج كرم تبكي زوجها وابنها وابنتها بعدما قتلوا بغارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم على طريق الجنوب (ا ف ب)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: