
تعود صور إلى واجهة الأحداث، لا كمدينة أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي فحسب، بل كواحدة من أكثر مدن الجنوب اللبناني تعرضاً للغارات الإسرائيلية (اندبندنت عربية)
يعود تاريخها إلى نحو 5000 سنة وتعد من أقدم مدن العالم المأهولة
ملخص
تعود صور إلى واجهة الأحداث، لا كمدينة أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي فحسب، بل كواحدة من أكثر مدن الجنوب اللبناني تعرضاً للغارات الإسرائيلية. فالمشاهد التي تملأ الشاشات من أعمدة الدخان والدمار والنزوح تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل حرب: لماذا تبقى صور، على رغم مرور القرون، في قلب الصراعات التي تعصف بهذه المنطقة؟
على امتداد أكثر من خمسة آلاف عام، وقفت صور على شاطئ المتوسط شاهدة على صعود إمبراطوريات وسقوط أخرى. من مرافئها أبحر الفينيقيون نحو العالم القديم، حاملين تجارتهم وأبجديتهم وثرواتهم إلى سواحل المتوسط البعيدة، ومن أسوارها قاومت المدينة حصار الإسكندر الأكبر لأشهر طويلة. تعاقب عليها الآشوريون والبابليون والفرس والرومان والعثمانيون، لكن اسمها بقي حاضراً بوصفها واحدة من أعرق مدن الشرق وأكثرها ارتباطاً بالبحر والتجارة والحضارة.
اليوم، تعود صور إلى واجهة الأحداث، لا كمدينة أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي فحسب، بل كواحدة من أكثر مدن الجنوب اللبناني تعرضاً للغارات الإسرائيلية. فالمشاهد التي تملأ الشاشات من أعمدة الدخان والدمار والنزوح تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل حرب: لماذا تبقى صور، على رغم مرور القرون، في قلب الصراعات التي تعصف بهذه المنطقة؟
ما بين النبطية وصور
بعد 100 يوم على الحرب الأخيرة التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) الماضي، تواصل إسرائيل تهديداتها وإنذاراتها للمدن والبلدات اللبنانية جنوب نهر الليطاني وشماله، وفي مقدمها مدينتا النبطية (عاصمة المحافظة) وصُوْر (عاصمة القضاء الذي يضم نحو 60 بلدة وقرية ويتبع محافظة لبنان الجنوبي).
وإذا كانت الغارات على مدينة النبطية تحصد بنيانها التراثي والتقليدي، إلا أن ما تتعرض له مدينة صور الموغلة في التاريخ من إنذارات ومن ثم غارات تدميرية تصيب بشكل رئيس ثروة لبنان الأثرية، وهذا ما جرى الأحد الماضي، إذ تعرّض فيها موقع أثري مدرج في قائمة التراث العالمي إلى أضرار كبيرة نتيجة غارات إسرائيلية محاذية له، بعد وقت قليل على إنذار شمل أحياء عدّة من ضمنها الحي الذي فيه موقع آثار تعود لآلاف السنين.
ومنذ اندلاع المواجهات بين إسرائيل وتنظيم "حزب الله" عام 2023، ولتحييد كثير من الآثار اللبنانية من الاستهداف الإسرائيلي، منحت "اليونيسكو" أكثر من 70 موقعاً تراثياً في لبنان، من بينها صور، شعار "الحماية المعزّزة".
ويعتبر نظام الحماية المعززة نظاماً جديداً تم استحداثه بموجب البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1999. وهو نظام جاء ليدعم ويعزز نظم الحماية التي توفرها اتفاقية لاهاي لعام 1954 للممتلكات الثقافية، وذلك بهدف ضمان درجة أعلى من الحماية للممتلكات الثقافية المشمولة بالحماية المعززة زمن النزاعات المسلحة.
موقع استراتيجي جغرافياً
تُعدّ مدينة صور الساحلية التي تبعد نحو 20 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل و80 كيلومتراً عن العاصمة بيروت، من أقدم مدن ساحل المتوسط، إذ تعود إلى عهد الفينيقيين (شعب كنعاني سامي أسس حضارة بحرية وتجارية عريقة بين عامي 1500 ق.م و300 ق.م)، ثم تعاقبت عليها حضارات عدّة، وتضمّ آثاراً مدرجة على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو" للتراث العالمي.
وهي تبعد نحو 82 كيلومتراً جنوب العاصمة بيروت. ترتفع عن سطح البحر أدنى من 10 أمتار، وتنتشر على شبه جزيرة تبلغ مساحتها قرابة 6.75 كيلومتر مربع. يحدها قضاءي صيدا والزهراني من شمالها وقضاء بنت جبيل من شرقها ومنطقة الناقورة والقطاع الغربي من جنوبها. وتلفها مياه البحر الأبيض المتوسط من جهاتها الثلاث: الشمالية والغربية والجنوبية.
كان يقطنها قبل الحرب الأخيرة قرابة 6000 نسمة، يضاف إليهم نازحون من قرى القضاء سكنوا أبنيتها المكتظة أصلاً وبعض أبنية المدارس الرسمية كمراكز إيواء، ومجمل هؤلاء نزحوا عن المدينة أخيراً بسبب إنذارات إخلاء لأماكن معينة فيها ثم شمولها كلها بإنذار إخلاء عام.
ويعيش سكان المدينة من التجارة العامة والسياحة والأسواق المتنوعة المنتشرة في أرجائها، وكذلك من صيد الأسماك (نحو 400 صياد) والمراكب السياحية، إضافة إلى عدد كبير من أهلها وسكان القضاء المغتربين في أفريقيا ودول العالم. وتعتبر صور إلى جانب بلدة الناقورة الساحلية، عاصمة قوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة منذ 1978، ويرتاد جنودها وضباطها المدينة للتسوق والسياحة.
لحق مدينة صور كثير من الدمار في حروب سابقة بين 1978 (عملية الليطاني) واجتياح عام 1982 وفي 2006 و2024 والحرب الأخيرة. وكان الجيش الإسرائيلي قصف خلال حرب 1978 ميناء صور تحت حجة أن "منظمة التحرير الفلسطينية" كانت تتلقى منه أسلحة، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح آلاف السكان، وأحدث دماراً كبيراً. كذلك عانت المدينة من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فدخلتها الدبابات وتعرضت لقصف بحري مكثف وغارات جوية عنيفة.
مدينة موغلة في التاريخ
هي من أشهر حواضر العالم عبر التاريخ نظراً إلى الدور الذي لعبته في الحقبة "الفينيقية" إن كان من ناحية سيطرتها على التجارة البحرية، أو لإنشائها مستوطنات تجارية حول البحر المتوسط.
يقول المؤرخون إن هذه المدينة تأسست في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي إلى جانب مدينة جبيل في لبنان من أقدم البلدان على ساحل البحر الأبيض المتوسط. تكونت صور من قرية مزدوجة، جزؤها الأول على الساحل والآخر على جزر صخرية تقابل الشاطئ. تعاقبت عليها حضارات وأمم، وفي العصر الحديث أصبحت جزءاً من دولة لبنان الكبير الذي أعلن عنه عام 1920.
وصلت المدينة إلى عصرها الذهبي في القرن 10 قبل الميلاد، حين أصبحت تحت حكم الملك حيرام الأول (بين 980 إلى 947 ق. م.)، الذي وسّعها وطوّر بنيتها التحتية، ووصل الجزر المحيطة بها بالمدينة على الشاطئ. ويتحدث الباحثون عن أن صور كانت من أشهر حواضر العالم في الحقبة الفينيقية، فعدا عن كونها مركز التجارة البحرية، أسهم بحّارة صور ببناء مستعمرات في جميع أنحاء الشواطئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط مثل قرطاج (مدينة تاريخية تقع على الساحل الشمالي الشرقي للجمهورية التونسية)، التي تأسّست على يد الأميرة الفينيقية "إليسار".
ونظراً إلى أهميتها العالمية، واجهت صور تحديات عدة من القوى الكبرى، فحاصرها الآشوريون (2000 إلى 612 قبل الميلاد) والبابليون (1894 إلى 539 قبل الميلاد)، وكذلك الإسكندر المقدوني الأكبر، ثم تمكن من احتلالها بعد حصار دام سبعة أشهر، وذلك عام 332 قبل الميلاد. ومع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، استمرت المدينة في الازدهار تحت الحكم الأموي والعباسي، ثم احتلها الصليبيون عام 1124م، وعادت بعدها إلى سيطرة المماليك عام 1291م.
في بداية القرن 16 دخلت صور تحت حكم الدولة العثمانية وذلك بعد معركة "مرج دابق" التي قامت في أغسطس (آب) عام 1516 بين العثمانيين والمماليك.
أدى اقتصاد المدينة دوراً مهماً في تطورها وازدهارها، إذ اشتهرت بصناعة المنتجات اليدوية الفاخرة، ومن أبرز صناعاتها الأرجوان أو الصباغ الأرجواني، المستخرج من أصداف الموريكس البحرية، واستخدمت لاحقاً رمزاً للملوك والأباطرة في العالم القديم. كذلك اشتهرت المدينة بصناعة الزجاج الشفاف والنسيج والأعمال الحرة التي جذبت التجار من مناطق بعيدة مثل مصر وبلاد ما بين النهرين. وتميزت كذلك بتجارتها البحرية.
وبحكم موقعها الجغرافي على البحر المتوسط أصبحت مركزاً تجارياً دولياً في العهود القديمة وصدر الفينيقيون من مينائها الأقمشة المصبوغة والزجاج إلى مختلف دول العالم.
صور البرّيّة وقوس النصر
يشتق اسم المدينة من طابعها الصخري، إذ تشير الوثائق القديمة إلى اسم "صرّ" الذي يعني في اللغة الكنعانية "الصخرة" وفي ذلك إشارة إلى الصخرة التي بنيت عليها المدينة. وعرفت في بعض الوثائق اليونانية باسم "زورس"، وفي العصر اليوناني الروماني باسم "تيروس"، ومنه اشتق اسمها المستخدم في اللغات الغربية Tyr أما اسمها صور فهو اشتقاق من الاسم الفينيقي. ويرجع أقدم ذكر مكتوب لاسم صور إلى رسائل "تل العمارنة" المصرية، إذ ذكر فيها اسم صور بـ"سورّو"، كذلك ذكرت في النقوش الآشورية باسم "سور".
أثبتت المكتشفات القريبة من المدينة أن تاريخها يعود إلى العصر الحجري (5000 ق. م.). وتعيد القصة الأسطورية إنشاء المدينة إلى صيدون بن كنعان، فيما تقول وثائق رأس شمرا "أوغاريت" إن إنشاءها تم على يد أوزوس ابن المدينة التي كانت قائمة على الشاطئ المقابل. وتنسبها أسطورة أخرى إلى الإله ملقرت، إله صور الفينيقية الذي بناها وأطلق عليها اسم تيروس.
وقد برهنت الحفريات الأثرية في المدينة أنها كانت مسكونة منذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد. ومن بعد ازدهارها على يد ملكها حيرام بن أبي بعل، عاصرت صور عهود الآشوريين والبابليين والفرس والاسكندر المقدوني وخلفائه ثم الرومان والبزنطيين فالعرب والصليبيين والمماليك.
بدأت الحفريات الأثرية في صور عام 1947، وتركزت في منطقة صور البص وصور المدينة. وكشفت الحفريات (في القلعة البرية) عن مدينة الأموات التي تمتد من القرن الأول الميلادي حتى القرن السادس. وعثر على طريق معبدة تخترق مدينة الأموات تعود للحقبتين الرومانية والبيزنطية، وعلى قوس النصر (البوابة التذكارية) من القرن الثاني الميلادي، وقد يكون سكان المدينة قد بنوه على شرف الإمبراطور "هدريان" الذي زار الشرق خلال هذا القرن، بعدما جعلها عاصمة اتحادية لولاية الشرق.
ومن أهم المكتشفات الميدان الرياضي، ميدان سباق العربات، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، يتسع لـ40 ألف شخص، ويبلغ طوله 600 متر وعرضه 120 متراً، وهو ثاني أكبر ميدان رياضي معروف من نوعه في العالم القديم. وإلى جانبي الميدان وجدت أبنية أندية رياضية كانت تتبارى في الميدان، وقرب موقع البص اكتشفت مقبرة فينيقية من القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد.
آثار صور البحرية
كشفت الحفريات في صور، المدينة، عن مسرح مربع كان يتسع لنحو 2500 متفرّج، أقيمت بعض أجزائه خلال الفترة اليونانية، وطريق معبدة بالموزاييك "طريق الموزاييك"، من القرن الثالث الميلادي، يقسمها صفان من الأعمدة الرخامية.
وقد أعيدت تغطية طريق الموزاييك بالرخام في القرن الرابع الميلادي. وفي محاذاتها عثر على حمّام روماني يعود للفترة الرومانية بين القرن الثاني والثالث الميلادي، وقاعة رياضية "الباليسترا" لا يزال منها ثمانية أعمدة من الغرانيت المصري الأسود، وأعمدة وأحجار عليها كتابات تكريمية لأشخاص خدموا صور كـ"أوذنيه" ملك تدمر و"أولميان الصوري"، أستاذ الحقوق في جامعتي روما وبيروت، وملاكم مجهول الاسم، وإلى جانبها كاتدرائية صليبية كان يتوج بها ملوك القدس في القرن 13 الميلادي.
أهم هذه الاكتشافات شارع من العهدين الروماني والبيزنطي، ما زال يحتفظ بأرضيته المرصوفة بالبلاط الحجري من تلك المرحلتين، تحده أروقة جانبية ذات أعمدة رخامية تعلوها تيجان كورنثية، وأعمدة الباليسترا في الملعب الروماني في صور البحرية.
من المعروف أن الموزاييك والرخام من هذه النوعية، كانا يستخدمان للأبنية المترفة كالكنائس والمعابد والقصور، وما استخدامها في شوارع صور إلا دليلاً على فخامة المدينة وغناها الأسطوري في تلك الحقبة. ويشير الجغرافي الروماني "سترابو" إلى أن أبنية صور كانت تتألف من عدة طبقات وأعلى من مباني مدينة روما كبرى مدن العالم آنذاك.
"اعتداءات تصيب الآثار"
وبالعودة إلى الحرب الحالية والسابقة، يقول مدير المواقع الأثرية في جنوب لبنان علي بدوي "كان هناك اعتداء شبه مباشر على الموقع الأثري في المدينة وتضررت أجزاء منه، وهذه المرة الثانية التي يتضرر موقع صور خلال أيام قليلة. سبق لموقع صور البص أن تضرر مرة، وأخيراً أصيب ما نسميه موقع المدينة، وكان الضرر واضحاً، إذ ضربت في البداية مباني الإدارة وتطاير الركام والشظايا وأصاب بعض المنشآت القديمة والتاريخية، وعلى سبيل المثال ثمة تيجان أعمدة هوت بسبب القصف المدمر، وتعرضت أعمدة أخرى للضرر، إلى بعض الموزاييك المغطى بالردم حالياً بانتظار ماذا سنفعل به. إن الضرر شبه مباشر في هذا الموقع، وصور أساساً صغيرة المساحة، وتؤثر فيها أدنى انفجارات، وهناك أشياء لا يمكننا رصدها حالياً بسبب تعذر الوصول إليها".
ويشير إلى أن "الانفجارات العنيفة تسبب اهتزازات، والمباني والإنشاءات الإثرية هي هشة أصلاً قابلة للتأثر السريع. الموقع يعاني فعلاً من خطورة عالية بسبب هذا الوضع العسكري الذي تفرضه إسرائيل على المدينة، وثمة خطر على الإنشاءات وعلى النسيج التاريخي بشكل عام للمواقع والمدينة القديمة، وأعني مدينة صور التاريخية، مع العلم أنها كانت خارج التهديد المباشر في المرحلة السابقة، لكن في الأيام الماضية دخل عليها التهديد الواضح. هي تعرضت في الحرب السابقة إلى قصف مباشر أدى إلى ضرر بمبان سكنية قديمة وجزء من مباني الإدارة التاريخية للمديرة العامة للآثار، أي المدرسة الإنجليزية القديمة، والكنيسة القديمة ومعها مرفق الكنيسة الإنجليزية".
ويحذر بدوي من أن نسبة "الخطر باتت عالية بعد تحديد هذه المنطقة ضمن الأهداف المنذرة والمهددة التي وزعها الجيش الإسرائيلي. وإن أدنى قصف لأي زاوية منها سيؤدي حتماً إلى خسارة في النسيج التاريخي للمدينة. في الحروب السابقة لم تكن آثار صور لتسلم من الاعتداءات الإسرائيلية، أكثر من مرة، في 1978 و1980 و1982 أصابت القذائف الموقع لكن حجم القنابل المستخدمة في حينه، لم يكن على حجم الأذى والضرر الذي تسببه القنابل الحديثة ولا يقارن، وإذا ما قسنا الأمر على قلعة الشقيف قرب النبطية كانت صواريخ الطائرات التي تسقط عليها تؤذي جدراناً وزاويا منها، اليوم لو شُنت غارات على أي موقع أثري من تلك التي يطلقون عليها تسمية ‘أحزمة نارية‘ سيؤدي هذا إلى نهاية الموقع واضمحلاله، لإن الذخائر المستخدمة اليوم تطورت بشكل كبير كي تصبح مدمرة بدرجات عالية".
مواقع تحت الحماية المعززة
ويوضح بدوي "أن صور غير المواقع الأثرية، هي مدينة تاريخية أعيد بناؤها عام 1750، وهناك كثير من المباني تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. وكنا مجرد البدء بتأسيس ترميم ما حتى تظهر أمامنا بسرعة آثار فترات قديمة متنوعة، رومانية، فينيقية وغيرها وما يدل على أن هذا المكان استمرت الحياة فيه بتلك الحقبات وحتى الآن، ولا ننسى أن صور هي من أقدم المدن التاريخية في العالم وهي تأسست على الجزيرة نحو 3000 قبل الميلاد، أي منذ نحو 5000 سنة وهو التاريخ المثبت لتأسيسها".
وأكد بدوي أن "مواقع صور الأثرية والتاريخية ونظراً إلى أهميتها الكبيرة هي مدرجة بأكملها من ضمن 73 موقعاً في لبنان ضمن الحماية المعززة إضافة إلى أنها موضوعة على لائحة التراث العالمي، والحماية لها يفترض أن تكون عالية جداً، لكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم أياً من الاتفاقات والمعايير الدولية ويتم التعامل معها بعدوانية مطلقة".
ويؤكد بدوي أن "وزارة الثقافة اللبنانية تتحرك لدى الجهات الدولية ليس من الآن، بل منذ حرب 2023 و2024 وفعّلنا خطط الطوارئ لحماية المواقع والوثائق، وأدخلنا هذه المواقع تحت الحماية المعززة، ونبذل كل مجهود لتحقيق هذا الحماية، ونواصل اتصالاتنا مع الجهات الدولية التي يمكن أن يكون دورها فاعلاً أو مؤثراً في هذا الإطار أو يشكل ضغطاً مساعداً في عملية حماية المواقع أو تقليل الضرر الذي يمكن أن يحصل".
تاريخ إنساني وحضاري
بدوره، يلفت المؤرخ حسن دياب إلى أن "صور مدينة أثرية وتراثية وتاريخية فيها طبقات عديدة تشير إلى حضارات مرت عليها عبر الزمن، وأكد عنها المؤرخ والفيلسوف اسطرابون (64 ق. م - 23 م) أنها المدينة الوحيدة التي كانت تمتلك محطات لها على امتداد البحر الأبيض المتوسط، وتحدث عن نحو 300 محطة تحول بعضها إلى مدن، وكان يطلق على البحر المتوسط ‘البحر الصوري‘ نظراً إلى العز الذي وصل إليه الفينيقيون في حقبتهم. لذا فالأبنية الموجودة فيها حالياً تقوم على طبقات من الآثار، وما اكتشف فقط هو من الحقبة الرومانية والبيزنطية إلى عدد من المقابر والمدافن الفينيقية التي اكتشفت أخيراً بكامل مواصفاتها، صور تاريخ إنساني وحضاري، ولم يكن صدفة وضعها عام 1984 على لائحة التراث العالمي".
ويؤكد المؤرخ دياب أن "مدينة جبيل تعتبر من أقدم المدن وتليها صور، التي حددها المؤرخ هيرودوت (484- 425 ق. م) نحو 2750 قبل الميلاد وأتى إليها عام 450 قبل الميلاد ووصفها بشكل هائل وجميل جداً، لا سيما ‘معبد ملكارت‘ فيها واعتبره من أهم المعابد على البحر المتوسط، ووصف أن في مقدمة المعبد ثمة عمودين، واحد من الياقوت وآخر من الزمرد. كانت مملكة حيرام الأول ملك صور (969 - 936 ق.م) واسعة لا تقتصر على المدينة، بل تمتد إلى الجبال ومناطق بعيدة من قلب المدينة، وهو أحد أشهر ملوك مدينة صور الفينيقية القديمة تميز بتحويل صور إلى إمبراطورية تجارية كبرى، وإقامة تحالف تاريخي مع ملوك بني إسرائيل والملك داود وابنه الملك سليمان. إن معظم المدن التاريخية في شمال أفريقيا كانت مدناً صورية وبحارة صور كانوا موصوفين في التاريخ القديم، أنا حالياً في إيطاليا، وما كتب فيها عن الفينيقيين هنا يرجعون به مباشرة إلى صور".
ويوضح دياب أن "صور بمساحتها الصغيرة وكثافتها السكانية لا يمكن أن تضم بين جنباتها مواقع عسكرية، فهي مكشوفة ولا غابات فيها أو أودية أو جبال، هي أصغر مدينة مساحة على الشاطئ اللبناني، وهذا بسبب أن الانتداب الفرنسي عندما حدد مساحات المناطق اللبنانية صغر مساحات المدن ووسع مساحات القرى، وصور تاريخياً كانت تتبع لها جميع القرى القريبة إليها وتعتبر جزءاً لا يتجزأ منها على نحو العباسية والبرج الشمالي وعين بعال، اقتطع الفرنسيون من قلب المدينة وفصلوها عنها حتى صغرت مساحتها هذا القدر وحصرت بجزيرة أو شبه جزيرة لا تتعدى الخمسة كيلومترات مربعة".
ويردف "إذا ما أزلنا من مساحة صور منطقة الـ"جفتلك" (مصطلح تركي ويعني المزرعة) التي تبلغ نحو 2450 دونماً وتقع جنوب المدينة، لا يبقى لصور كثيراً من المساحة، وما يعرف بحي الرمل فيها الذي تعرض أخيراً للتدمير هو حي جديد بدأ في الثلاثينيات من القرن الماضي".
ويرى المؤرخ دياب أن "ثمة هدفاً كبيراً من خلال ما يقوم به الإسرائيليون تجاه المدن الجنوبية ألا وهو تدمير الذاكرة الشعبية والوطنية والإنسانية".

آثار صور التاريخية (كامل جابر - اندبندنت عربية)

ميناء مدينة صور (كامل جابر - اندبندنت عربية)

يقول المؤرخون إن عمر مدينة صور يتخطى الـ 5000 عام (محمد ترجمان)

صور قبل 100 عام



الخيام | khiyam.com
تعليقات: