
كلما اقتربت المنطقة من لحظة حساسة، يعلو صوت المنجمين السياسيين. ومع دخول شهر حزيران عاد المشهد نفسه: اجتياح إسرائيلي وشيك، قوات أجنبية جاهزة للتدخل، وانهيار كامل لموازين الردع التي حكمت الساحة اللبنانية طوال عقود.
غير أن الأحداث سارت في اتجاه مختلف.
فبينما كان الجميع ينتظر اتفاقًا يضع حدًا للحرب، خرجت واشنطن بإعلان اتفاق جديد، لتبدأ مباشرة معركة من نوع آخر: معركة تفسير الاتفاق نفسه.
فلم تمض ساعات على الإعلان حتى جاء موقف حزب الله الرافض، مدعومًا بمواقف إيرانية متحفظة.
وبحسب ما تسرّب من بنود الاتفاق، فإنه يقوم على وقف إطلاق النار، وترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، وانتشار أوسع للجيش اللبناني، وانسحاب عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، مقابل مسار يفترض أن يقود إلى تثبيت الاستقرار ومنع تجدد المواجهة. غير أن هذه البنود نفسها سرعان ما تحولت إلى موضع خلاف، سواء في تفسيرها أو في ترتيب الالتزامات المترتبة عليها.
هل انتهت الحرب فعلًا؟
أم بدأ الخلاف على تعريف نهايتها؟
لفهم هذه المعضلة، لا بد من التوقف عند جوهر المقاربات المطروحة.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تنطلقان من فكرة أساسية مفادها أن المدخل إلى الاستقرار يبدأ بوقف عمليات حزب الله العسكرية، وإبعاد خطر المواجهة عن الحدود، وفرض ترتيبات أمنية جديدة تسمح للدولة اللبنانية والجيش اللبناني بتولي المسؤولية الأمنية الكاملة في الجنوب. ومن هذا المنطلق يُنظر إلى سلاح المقاومة باعتباره جزءًا من المشكلة التي يجب معالجتها للوصول إلى استقرار دائم.
وهذا ما يفسر تعثر المبادرات المتعاقبة، إذ تنطلق واشنطن من نتيجة تعتبرها مدخلًا للحل، فيما يتعامل حزب الله معها بوصفها إحدى القضايا التي لا يمكن بحثها قبل معالجة أصل المشكلة المتمثل بالاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. ومن هنا يرى أن أي حديث عن الاستقرار لا يمكن أن يبدأ من المقاومة، بل من وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي الكامل وتوفير ضمانات حقيقية تمنع تكرار الاعتداءات.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل حقيقة أن المقاومة نشأت أصلًا كرد فعل على الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وأن حضورها في المعادلة الحالية ليس نتاج قرار سياسي طارئ، بل نتيجة مسار طويل من الصراع والتحرير والمواجهة.
أما الدولة اللبنانية فتبدو في موقع مختلف. فهي تراهن على المسار الدبلوماسي، وعلى الضغوط الدولية، وعلى دور واشنطن وباريس واللجنة الخماسية والاتصالات السياسية، للوصول إلى وقف إطلاق نار شامل يفتح الباب أمام الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي وإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار.
غير أن النقاش لم يتوقف عند مبدأ وقف إطلاق النار نفسه، بل امتد إلى كيفية تطبيقه وترتيب الالتزامات داخله. وقد عبّر رئيس مجلس النواب نبيه بري بوضوح عن هذا الخلاف عندما اعتبر أن بعض البنود المطروحة تنطوي على التزامات أحادية الجانب، سواء لجهة وقف العمليات من قبل حزب الله أو لجهة الانسحاب من جنوب الليطاني، من دون نص واضح ومتزامن على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها. ومن هنا شدد على أن أي ترتيبات ميدانية لا يمكن أن تُبنى إلا على مبدأ التوازي بين الالتزامات، لا على تنفيذ طرف واحد لالتزاماته بانتظار ما قد يقرره الطرف الآخر لاحقًا.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فالمشكلة لم تعد في غياب الاتفاق، بل في غياب الاتفاق على معنى الاتفاق نفسه.
والخلاف لا يدور حول بند تقني أو تفصيل إجرائي، بل حول السؤال الأساسي:
ما الذي يجب أن يتوقف أولًا؟
هل تتوقف المقاومة ليُبنى الاستقرار؟
أم يتوقف الاحتلال والعدوان ليُبنى الاستقرار؟
ولعل التجربة اللبنانية منذ تفاهم نيسان عام 1996 مرورًا بحرب تموز والقرار 1701 تؤكد أن الاتفاقات لا تعيش بالنصوص وحدها، بل بالتوازنات التي تفرض احترامها.
ومن هنا يمكن فهم سبب التباعد بين المقاربة الأميركية ـ الإسرائيلية من جهة، والمقاربات اللبنانية المختلفة من جهة أخرى. فالأطراف لا تتفاوض على الجواب نفسه، بل تنطلق من تعريف مختلف للمشكلة ومصدر التهديد.
لكن المعضلة لا تتوقف هنا.
ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه الدولة اللبنانية بوصفها الجهة الرسمية التي تتولى التفاوض، تكشف الوقائع أن تنفيذ أي اتفاق لا يزال مرتبطًا بموقف القوى الموجودة على الأرض.
فالضغوط الأميركية، والتحركات القطرية، والاتصالات غير المعلنة، والمتابعة الدقيقة لمواقف حزب الله، كلها مؤشرات على أن الميدان لم يخرج من المعادلة كما يروّج البعض.
وهنا يبرز السؤال الذي ربما يشكل جوهر المرحلة الحالية:
هل يمكن تنفيذ ما خرج من واشنطن إذا كان الطرف الذي يملك جزءًا أساسيًا من القوة على الأرض لا يعتبر نفسه ملتزمًا به؟
بل يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
ماذا لو كان الاتفاق غير قابل للتنفيذ أصلًا؟
فالتجربة اللبنانية لا تفتقر إلى الاتفاقات، بل إلى الاتفاقات القادرة على الصمود. وعندما يولد أي اتفاق وسط اختلاف جذري على تعريفه وأهدافه وآليات تطبيقه، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف سيُنفَّذ، بل ما إذا كان يمتلك مقومات التنفيذ أصلًا.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من سيناريو.
الأول: هدنة هشة تخفف التوتر من دون أن تحسم الخلاف حول تفسير الاتفاق.
الثاني: استمرار حرب الاستنزاف، بحيث يبقى كل طرف متمسكًا بقراءته الخاصة لوقف إطلاق النار، فيما تستمر الخروقات والضغوط المتبادلة تحت سقف منع الانفجار الكبير. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا حتى الآن، لأنه يسمح لكل طرف بالحفاظ على روايته الخاصة من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة أو تقديم تنازل حاسم.
أما الثالث فهو محاولة إسرائيل استخدام الاتفاق كأداة ضغط إضافية عبر تحميل حزب الله مسؤولية التعطيل والسعي إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وهو مسار محفوف بالمخاطر وقد يؤدي إلى إعادة خلط الأوراق من جديد.
وسط كل هذه الحسابات، يبقى سؤال الجنوب هو الأكثر إلحاحًا.
فالقرى الجنوبية لا تعيش داخل غرف التفاوض، ولا تقرأ البيانات السياسية، بل تعيش نتائجها مباشرة. تدفع ثمن الغارات والخوف والانتظار، فيما تتنازع الأطراف على تعريف الحرب وشروط نهايتها.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه:
إذا كانت بعض الخطوط الحمراء قادرة على استدعاء الضغوط والتحركات الدولية فورًا، فلماذا يبقى الجنوب وحده ساحة مفتوحة للاستنزاف؟
وإذا كانت معادلات الردع ما تزال قائمة كما يقول أصحابها، فأين يبدأ مفعولها وأين ينتهي؟
فالجنوب ليس هامشًا في المعادلة اللبنانية، بل أحد أسباب وجودها. وهو لا يطلب اتفاقًا على الورق، بل أمانًا على الأرض، ولا يطلب مزيدًا من الشهداء، بل أبناءً أحياء يبنون بيوتهم ويزرعون حقولهم ويعيشون في القرى التي دفعوا ثمن البقاء فيها مرات لا تُحصى.
ولعل ما تكشفه التطورات الأخيرة أن الخلاف لم يعد يدور حول وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل حول تعريفه وشروطه وآليات تنفيذه. وبين هذه التعريفات المتصارعة يبقى الجنوب هو المكان الذي تُختبر فيه كل الاتفاقات، وتُقاس فيه صدقية كل الوعود.
فقد يختلف الجميع على تعريف الحرب، وعلى شروط نهايتها، وعلى شكل التسوية المقبلة. أما الجنوب فلا يطلب أكثر من حقه في الحياة.
بقلم: مي حسين عبدالله
#اتفاق_واشنطن #وقف_اطلاق_النار #لبنان #الجنوب #تحليل سياسي
في 5 حزيران 2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: