
تواصل إسرائيل عدوانها على المناطق الجنوبيّة، جنوب نهر الليطانيّ وشماله، وعلى مدينة النبطيّة، عاصمة المحافظة والثقافة والأسواق، ومنها ”سوق الإثنين“؛ فتوقع مزيداً من الشهداء وتدمّر المباني والبيوت وتحرق ما حولها من حياة ونبات. وبعد أن دمرت طائراتها ما دمرته في عدوان 2024 في الوسط التجاريّ التراثيّ الذي يعود تاريخ بناء وحداته ودكاكينه إلى أكثر من 100 عام، عادت لتدكّ أبنية ومتاجر وسط السوق وعلى امتداد محاله المنتشرة نحو الجهات الأربع، فتبتلع في عدوانها المتكرّر ما تبقّى من عمارة تراثيّة كانت تزيّن السوق ويفوح منها عبق الروّاد الأوائل ممّن صنعوا هذه السوق وطوّروها على مدى عقود وعقود.
العمارة الجزيرة بمهبّ العدوان
وبعد غارتها المدمّرة على سوق حيّ السراي، أقدم أسواق المدينة وبيوتها المبنيّة منذ أكثر من 200 عام، خلال الـ19 من أيّار (مايو) الماضي، أغارت مجدّداً على واحد من أجمل المباني فيها، بناية منيف جابر، عمارة ”الجزيرة التراثيّة“ التي تطوّقها الطرقات من جهاتها الأربع، وتقع وسط السوق عند المدخل الشمالي الرئيس لحيّ السراي.
فبعد يومين على إصابة المبنى بأضرار جسيمة جرّاء غارة على مبان قريبة منه، أغارت الطائرات عليه خلال الـ30 من أيار (مايو) الماضي ودمّرته بطبقتيه السفليّة والعلويّة وما تحتويان من متاجر ودكاكين وعيادة تمريض وشقق سكنيّة، وأصابت ما حوله من متاجر أخرى لا تبعد أكثر من 10 أمتار بأضرار جسيمة.
وكانت العمارة ”الجزيرة“ قد تعرّضت لأضرار جسيمة إبّان العدوان الإسرائيليّ الذي دمّر كامل المربّع التجاريّ المواجه وسط الساحة العامّة ليل الـ12 من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2024، وبخاصّة في الزاوية الشماليّة الغربيّة منه، ثمّ أعاد أصحاب المتاجر فيه ترميم ما خلّفه العدوان من ندوب في الحجارة الصخريّة القديمة والقناطر والأعمدة الاسطوانيّة.
لا يمكن من زار السوق التجاريّة لمدينة النبطيّة وساحتها الأشهر، إلّا أن رسخت تلك العمارة التراثيّة المؤلّفة من طبقتين اثنتين في باله وخياله وذاكرته، إذ ظلّت تسجّل النموذج الإبداعيّ للعمارة التقليديّة اللبنانيّة التي تضمّ في جنباتها مجموعة من المحال التجاريّة المفتوحة على الجهات الأربع وفي أعلاها مبان سكنيّة.
أوّل مبنى نمطيّ تراثيّ
يُرجّح أنّ علي حسين صبّاح العائد من تشيلي مطلع العشرينيّات من القرن العشرين هو الذي بناه على قطعة أرض تقع عند مدخل حيّ السراي القديم، وتتبع أراض شاسعة لآل الصبّاح، تمتدّ من الحيّ باتّجاه الشمال الشرقيّ، وانتشرت على امتدادها وأطرافها متاجر ومنازل ودُور تعود لعائلة الصبّاح.
كان أوّل مبنى من طبقتين يرتفع وسط ساحة المدينة، بُني على النمط التقليديّ من حجر صخريّ، تلفّه الشرفات المقنطرة المستلقية على أعمدة إنبوبيّة ناعمة، وكانت تشكّل ممرًّا أمام دكاكين الطبقة الأولى الأرضيّة لاتقاء المطر أو حرارة الشمس صيفًا.
لم تخلُ العمارة الجميلة، أعلاها وأسفلها، من كوّات «مناور» مزركشة قصّبت بالحجر الصخريّ، كانت لم تزل تنتشر فيه وتظهر للعيان حتى تاريخ تدميره. أمّا سطح المبنى فسيّج مثل الشرفات الزاويات المعلّقات بـ«درابزونات» ألحقت فيه بين الأربعينيّات والخمسينيّات، مشغولة بموادّ إسمنتيّة وحديد لتمتينها، ولها أشكال هندسيّة متشابكة مختلفة. انتشر هذا النموذج من الدرابزونات في معظم أبنية النبطيّة التراثيّة، وتصمد بأشكالها حتّى يومنا على رغم ما تعرضت له المدينة من قصف إسرائيلي بدأ ينهال عليها منذ 52 عاماً (منذ 1974) وساهم في تقويض العمارة التراثيّة وتبديدها أو تغيير معالمها الأولى.
طرأت تعديلات على المبنى «الجزيرة» الذي بات منيف جابر يملكه منذ الخمسينيّات بعدما اشتراه من أصحابه آل الصبّاح بحسب ابنه عدنان. منذ الثمانينات باع ورثة جابر بعض متاجره وأقسامًا من الطابق السكنيّ. ولاحقًا أغلق عدد من أصحاب المتاجر الممرّات المقنطرة الرائعة وأضافوها بخلاف القانون إلى متاجرهم ممّا أضاع من جماليّة عمرانها وهندستها وواجهاتها. وتحتلّ زاوية العمارة الجنوبيّة الشرقيّة، منذ العام 1938، عيادة الطبيب والنائب السابق علي بدرالدين، التي انتقلت إلى ابنه الطبيب المشهور مصطفى بدرالدين.
غابت عروس السوق
ونعى المربي الفنّان ماهر الحاج علي بكلمات مؤثّرة المبنى بما كان يحتوي عليه من ذاكرة جماعيّة وذكريات عدد من أبناء النبطيّة كانت لهم محطّات في المبنى، في طبقته الأرضيّة، على امتداد عمره (المبنى) الذي تجاوز الـ100 عام.
يقول الأستاذ ماهر: ”وغابت عروس السوق، جميلة البنايات التراثيّة، بناية منيف جابر، وغابت معها أجمل الذكريات: من صالون الحلاقة للمرحوم الوالد حبيب الحاج علي، إلى دكان المختار (محمّد) أبو قاسم حمّادي، فمطعم ‘أبو عفيف‘ الكحل (فحص)، وملحمة حسن البدوي كحيل وسفريّات المقدّم، ودكان النجارة للسيّد شريف مكّي. أما الطابق العلويّ فلعيادة المغفور له الدكتور علي بدرالدين، ومن بعده للطبيب الإنسانيّ الدكتور مصطفى، ومليون معاينة، ومركز البريد بإدارة المرحوم أبو باسم مكّي مقابل عيّادة الدكتور بدرالدين“.
وأضاف الفنّان الحاج علي ”كلّ تلك الذكريات غابت مع الحرب الشرسة والرياح الهوجاء التي اقتصَّت من غاليتنا النبطيّة. وكيف أنسى الطيِّبي الذكر (السكّافَين) الكندرجيّين على مدخل محلّ والدي، وعلى الجهتين، الحاج رشيد الحاج علي والسيّد رياض بدرالدين، إلى بسطة فلافل محمّد شميساني الملقّب بالكسّار، عند الجهة اليمنى من المبنى“.
قبل تدميره كان المبنى يضمّ في جنباته متاجر لبيع وشراء الذهب (جابر وغملوش وشكرون)، و“فلافل أرناؤوط“ الشهيرة في النبطيّة، ودكّانة المختار أبو قاسم حمّادي التي انتقلت إلى ابنه المختار قاسم حمّادي ثمّ إلى الابن والحفيد محمّد، إلى دكاكين أخرى كانت تتبدّل وجهاتها التجاريّة بتبدل مستأجريها ومالكيها.
خسارة لا تعوّض
ويؤكّد رئيس الجمعيّة التنظيميّة لتجّار النبطيّة والجوار ورئيس جمعيّة النبطيّة ذاكرة وتراث وفنون محمّد بركات جابر والذي يمتلك عدداً من المحال في المبنى أنّ ”هذا المبنى يعتبر تدميره خسارة كبيرة للنبطية لا تعوّض، نظراً إلى ما كان يحويه من نماذج العمارة التقليديّة التراثيّة، ومن ذاكرة مدينيّة عريقة، إذ من حوله كانت تنطلق سيّارات التكسي والأوتوبيسات والحافلات نحو مختلف المناطق اللبنانيّة، بعدما كانت النبطيّة تشكّل شبكة مواصلات يستفيد منها ليس أبناء المدينة وسكّانها وحسب، بل جميع أبناء قرى النبطيّة وحاصبيّا ومرجعيون وصولاً إلى بنت جبيل“.
ويضيف جابر ”وفيه نشأ أوّل كاراج سفريّات كان يمتلك أسطولاً من البوسطات ينطلق باتّجاه الأراضي اللبنانيّة وغيرها من العواصم العربيّة القريبة وكانت تعرف بـ‘سفريّات المقدّم‘، وكانت الحياة تدبّ في جهاته الأربع، نظراً إلى موقعه المهمّ والأخّاذ في وسط ساحة النبطيّة، وبجانبه كانت تقام في العقود الثلاثة الأخيرة سوق الخضار المميّزة لمزارعي بلدة كفررمان وأقسام من سوق الإثنين الأسبوعيّة، وكان المبنى يشكّل حيّزاً من روحها التاريخيّة“.
ويوضح جابر أنّه يمتلك أكثر من محل في المبنى ”وكنت قد بدأت قبل الحرب بأسابيع قليلة بترميم وتأهيل الواجهة الجنوبيّة للمبنى بغية إعادة الروح التراثيّة إليه، على النمط الذي كان سائدًا قبل نحو نصف قرن، وقبل أن تمتدّ إليه أيدي العبث بشكله وعمارته وبنيته التراثيّة وما لحقه من قصف إسرائيلي على مدى خمسة عقود، على أن نقوم لاحقاً – قبل التدمير- بإعادة شكّله الأوّل من جهاته الأربع، بخاصّة أنّ التخطيط العمرانيّ والمدني منذ عشرات السنين يقضي بإزالة المبنى لتوسعة الطرقات والساحة، بيد أنّ البلديّات الأخيرة في النبطيّة عملت كامل جهدها لمنع تنفيذ هذا التخطيط والإبقاء على المبنى ودلالاته التاريخيّة والتراثيّة وإنعاش الذكريات فيه وحوله“.

مبنى الجزيرة خمسينيات القرن الماضي (أرشيف كامل جابر)

حقبات متفاوتة لمبنى الجزيرة في النبطية (أرشيف كامل جابر)

حقبات متفاوتة لمبنى الجزيرة في النبطية (أرشيف كامل جابر)

حقبات متفاوتة لمبنى الجزيرة في النبطية (أرشيف كامل جابر)









الخيام | khiyam.com
تعليقات: