
حسن عبدالله
هل بقيَ شيءٌ من شعراء الجنوب؟ الأرجح أن هذه التجربة التي انطلقت من حيّز الجنوب اللبناني، باقية. استمرّت مع تبدّل الأحزاب والشعارات واللغة السياسية التي حكمت جبل عامل واجتماعه. بقيَت القصائد التي كتبَتها ثلةٌ من الشعراء الجنوبيين، حاضرة. وربما كانت القصائد تذهب وتعود مع كلّ مشكلة وأزمة وحرب تفتك بالجنوب وأهله.
مع الحروب الجنوبية المتوالية تعودُ النصوص الجنوبيّة وأصحابها إلى الذاكرة الشعريّة، وبالتحديد العامليّة، تعودُ وكأنها نجت من الزمن الذي كُتبت فيه، وعبرت منه إلى زمننا. يظن الواحد منّا أنّها اختلفت لكنها رغم تغيّر الكثير من أحوالها وأحوال التغريبة الجنوبية لم يحدُث أن صار زمنها هذا أعمق وأهدأ. الكلمات التي ردّدها الشعراء وغناها كثر حوّلت الجنوب اللبناني إلى شيء من الأسطورة، أسطورة متخيّلة هي في عمقها عاجزة ومعزولة عن العالم. بتعبير آخر، النصوص التي نحفظها حتى اليوم جعلت من هذا الحيز الجغرافي طريقةً للنظر إلى الخسارة، وربما عيشها والهروب منها.
القصائد الجنوبيّة هذه حين يسمعها الآخر المختلف ولو بعد حين يشمُّ فيها شيئاً من الجبهة الدائمة. إذ لم تستطع العبارات أن تمنع اللغة من تحولها إلى شيء معدنيّ. لغة معدنيّة ركيزتها الأساسية النشيد والموسيقى. لربما في المقاربة هذه شيء من الخذلان لعدد من القصائد التي تخطّت اللغة المعدنيّة وجعلت من الحرب الجنوبية والنضال شيئاً قابلاً للفقدان. علاقة شائكة مع بلاد مترامية لا تخرج من دائرة الخوف. هكذا تبدو القصائد في زمن بعيد عن زمنها ولكن هو نفسه في وحشته، وكأنّ القصيدة "الجنوبية" هي ذلك الزمن الذي يعاودُ الكرّة، وهي أكثر بقاءً منه وتغلباً عليه.
خاف الشعراء على جنوبهم من تآكله البطيء. هذه الحرب نفسها كانت مركز النصّ وهامشه. الحرب وتفاصيلها وما تتركه في دواخل الناس ولغتهم ويومياتهم وانتظارهم وأطفالهم والمكان الذي ينقص وينكسر مرّة تلو مرّة. قصائد على اختلافها وأمزجتها تبدو وكأنها عالم كامل منزوع المعالم والتفاصيل مقيمٌ في بوتقة محدّدة يذهب ويعود إليها. هي المكان ورثاؤه الدائم وحفلات تذكّره ونفض الغبار عنه.
الحزن في هذه القصائد هو طريقة محتملة للعيش. حزنٌ يترافق مع افتقاد الإنسان لحساسيته تجاه البلاد وهو يراها تندثر. نجح شعراء الجنوب في الالتصاق بالجنوب والانطلاق منه، نجحوا رغم تبدّل اللغة والزمن والذائقة. بقوا، ربما لأنّهم نجحوا في الإمساك بشيء أعمق من لحظتهم. الإمساك بالخسارة المستمرّة ورثائها.
شيء من الصّمت الجماعي في قصائد شعراء الجنوب. شيء يشبه الإحساس الذي يتجاوز القصيدة نفسها. إحساس بأنّ هذه الكلمات المدونة على ألسنة هؤلاء فيها نعيٌ وتمجيد ورثاء غير معلن لمكان بأكمله.
هل غيّر شعراء الجنوب شكل الحزن في القصيدة اللبنانية؟ قبلهم ظهر الحزن، في كثير من أحيانه، فردياً ورومانسياً وحتى غارقاً في لغة عالية "مزوزقة". في القصائد الجنوبيّة يرى القارئ والمستمع أنّ الجنوب هو في آخره ذاكرة داخل اللغة. ذاكرة ومكان ممتزج بالحساسية الفردية والعاطفية. ذاكرة تقول بصلافة أنّ البلاد تمرّ داخل الجسد الجنوبيّ نفسه ولن تخرج منه إلا مثقوبة ومهزوزة.
نتذكّر شعراء الجنوب حين كتبوا عن الجنوب قصائد صنعت علاقتها الخاصة مع القارئ. علاقة محورها مكان "مثاليّ" يصلحُ لقصيدة تبقي الشعر قريباً من الحياة ودمارها وخرابها. مكانٌ يسكنه شعور خفيّ بأنّ تلك النصوص احتفظت بجزء من صورة البلاد التي يخاف الناس ضياعها. ربما لهذا تبدو قصائد الجنوب حين تروي أثرها الإنساني الطويل غائرة في عوالمها البعيدة كأنّها تمرين على كتابة الخسارات والمراثي.

محمد العبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: