كامل جابر: حي السراي بالنبطية.. ركام يغطي قرنين من التاريخ


أمس، دمّرت غارة إسرائيليّة السوق التجاريّة في حيّ السراي الأقدم بمدينة النبطيّة، ليست السوق بأكملها، إنّما المتاجر العتيقة القريبة من ساحة الحيّ، وكانت تشكّل في ما مضى إحدى مداميك السوق بل نواتها الأولى، حيث بدأت تتبدّل المدينة المكوّنة من حيّ وحيد ملتمّ منذ أكثر من 200 عام، وربّما أكثر من ذلك، إذ لم تتوافر لقطات أو معلومات تحدّد تاريخ انتقال عاصمة جبل عامل من نسيجها الزراعيّ إلى التجاريّ، بعدما غدت نقطة عبور ومواصلات نحو مختلف المناطق الجنوبيّة، وهي التي تقع على مسافات متقاربة من عواصمه المدينيّة في صيدا وصور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وجزّين، بل كذلك نحو فلسطين وسوريا.

إلى عديد من المتاجر القديمة المتبدّلة من حيث الملكيّات والوجهة التجاريّة، ثمّة بيوت سكنيّة تقع فوقها وإلى غربها، منها مبنى من ثلاث طبقات، تهدّمت كلّيًّا فيما عمّ الضرر الشامل متاجر السوق في جهتيها الشرقيّة والغربيّة المتقابلتين وتفصل بينهما طريق منفرجة معبّدة بالحجر الأسود، من مدخلها الشماليّ إلى وسط الساحة جنوبًا، وكذلك المباني التي تطلّ على الساحة، منها مبنى الجمعيّة الخيريّة الاجتماعيّة والثقافيّة في النبطيّة الذي بني على أنقاض السرايا العثمانيّة التي شيّدت نحو العام 1885 تعزيزًا لدور النبطيّة الإداريّ في منطقة جبل عامل ولتفعيل الجباية والضريبة، وهدمت نحو العام 1972.

ليست المرّة الأولى

ربّما أصابت الغارة الأخيرة مقتلة في عدد من متاجر حيّ السراي وبيوتاتها، بيد أنّ هذه الغارة على الحيّ لم تكن الأولى، ربّما ليست في هذه الحرب الأخيرة التي بدأت في الثاني من آذار (مارس) الماضي، بل في حرب الـ66 يومًا بين الـ23 من أيلول (سبتمبر) والـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، إذا أصابت أكثر من غارة بيوتًا في الجهة الشماليّة الغربيّة من الحيّ، وتحديدًا في محاذاة مسجد ”النساء“، وفي الجهة الجنوبيّة، في النزلة التي تشطر الحيّ إلى قسمين، بعدما كانت طرقات الحيّ قبل شقّه في وسطه من الشمال إلى القِبلة (2009)، تقتصر على زواريب وأزقّة متعرّجة ضيّقة أو منفرجة لها منافذ بعضها على بعض. ناهيك بغارات أصابت الجهة الشرقيّة من الحيّ، إن لناحية السوق التجاريّة الكبرى أو عند أطرافها الشرقيّة والجنوبيّة الشرقيّة.

أيضًا بدأ الحيّ الأعرق في النبطيّة يتعرّض للقصف الإسرائيليّ من المدفعيّة البعيدة المدى، من الداخل الفلسطينيّ المحتل، منذ العام 1974، إذ تعرّض الحيّ ليل الـ14 من تشرين الأوّل (أكتوبر) لقصف مركّز أدّى في حينه إلى استشهاد ابن الحيّ غازي محمّد نجيب اسماعيل (عيسى) شقيق الشهيد صادق اسماعيل عضو مجلس بلديّة النبطيّة الذي سقط مع رئيس البلدية الدكتور أحمد كحيل وعدد من أعضاء البلدية وموظفيها في الـ16 من تشرين الأوّل 2024. منذ ذاك الحين في السبعينيّات تعرّضت النبطيّة وتحديدًا حيّ السراي فيها إلى كثير من القصف والغارات. ما أدّى تباعًا إلى تدمير جزيل من عمارته التراثيّة وبيوته العتيقة ومتاجره البالغة القدم والتواضع.

نقطة وصل وعبور

ينتمي أبناء النبطيّة الأوائل إلى قبائل عربيّة سلكت سهولها التي كانت تطوّق حيّ السراي منذ مئات السنين، وحطّت في المكان ثمّ تكاثرت. وجعل موقع المدينة القريب بمسافة لا تتعدّى سبعة كيلومترات من قلعة الشقيف المبنيّة في القرن الثاني عشر الميلادي على أطلال رومانيّة أقدم، النبطيّة نقطة وصل وعبور، لا سيّما للقوافل العابرة نحو الساحل الجنوبيّ باتّجاه صور ومنطقتها أو باتّجاه بعلبك فسوريا، أو نحو فلسطين وهي الأقرب إلى حدود جبل عامل الجنوبيّة. لذا، كان العابرون يتسوّقون ويتموّنون من مزروعاتها التي تغذّيها مجموعة ينابيع غزيرة وغدران شتويّة وربيعيّة، ثمّ بدأت تدريجًا تنحو باتّجاه تأسيس محال ودكاكين للتبادل التجاري المتواضع، ومن الطبيعيّ أن تكون هذه المتاجر قريبة من الحيّ السكنيّ، الأقرب إلى ساحة النبطيّة التي أتت امتدادًا طبيعيًّا وجغرافيًّا لحيّ السراي.

قبل اتّساع سوق النبطيّة إلى خارج حيّ السراي كانت سوق السراي مجموعة من المتاجر الصغيرة، وبقيت على هذا النحو إلى وقتنا الحاليّ. هي العناصر الأولى للسوق، بدأت كذلك نظرًا إلى تمركز عائلات النبطيّة في الحيّ، قبل أن تخرج منه عائلات ميسورة بعد الهجرات الأولى إلى دول أفريقيّة وأميركيّة، إلى حيّ البياض القريب أولًا، ثم امتدادًا نحو التلال المطلّة على ساحة المدينة. في هذا الوقت لم يتخلَّ حيّ السراي عن سوقه التي بنيت من جدران حجريّة متقطّعة متوازية الأحجام غير كبيرة، تعتمره عقود ومنحنيات الصخر قبل أن يساهم القصف الذي أصاب عديدًا منها ودمّرها إلى الاستعاضة عنها بسقوف من إسمنت، بدأ ذلك بعد 1974.

جرت تعديلات أخرى على أرصفة سوق حيّ السرايّ وواجهته الخارجيّة قامت بها بلديّة مدينة النبطيّة بتمويل من الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران العام 2008 وتضمّنت تحسينات وأعمدة إضافيّة وقناطر قليلة الانحناء من الحجر الصخريّ الحديث المقطّع بالمناشير، المصقول والمدقوق، ثمّ جرت عمليّة سقفه بجملون من حديد وزجاج.

نجاة من الدمار

كذلك جرى العام 2010 تأهيل المسجد الأقدم في حيّ السراي المعروف بـ“مسجد حيّ السراي“ الواقع خلف الدكاكين في الجهة الغربيّة؛ المبني منذ نحو 140 عامًا، إذ وجدت على أحد جدرانه لوحة صخريّة نُحتت عليها عبارة ”المسجد تمَّ بناؤه بمبادرة شخص من آل جابر العام 1304 هجريّ“ أيّ بين 1886 و1887 ميلاديّ. يضمّ المسجد من الداخل أعمدة ذات عقود مقبّبة ضخمة فضلًا عن بعض القناطر الإسلاميّة، وقد شيد من الحجر الصخريّ الأبيض، ورمّم سقفه وأضيف إليه جملون يعتليه قرميد أحمر، تخرقه قبّتان ومئذنة، إلى بركة مياه تستخدم في الوضوء ومزيّنة بعبارات دينيّة.

أدّت الغارة الأخيرة إلى تحطّم القرميد فيما نجا المسجد وقببه الصخرية وجدرانه من الدمار بأعجوبة، إذ لا يبعد عن مكان الغارة سوى أمتار قليلة. وإلى الدمار المباشر الحاصل في المباني وبعض المتاجر، أدت الغارة كذلك إلى تخلّع أبواب المتاجر الحديديّة أو الجرّارة، وانهار جملون سقف السوق وتحطّم زجاجه على نحو كبير، وتضرّرت الجدران والأعمدة الصخريّة الحديثة.

وكانت جمعيّات ”تقدّم المرأة في النبطيّة“ و“المجلس الثقافيّ للبنان الجنوبيّ“ و“النبطيّة لحفظ الذاكرة والتراث والفنون“ و“الخيريّة الاجتماعيّة والثقافيّة“ وبرعاية بلديّة المدينة قد أقامت في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 وتحت عنوان ”النبطيّة نحمي تراثها“ سوقًا شعبيّة للإنتاج المحلّيّ ”سوق الأحد“ باسم ”معرض إبداعات“ لتمكين النساء وتشجيعهنّ على الإبداع المفيد، في وسط سوق حيّ السراي وبين متاجرها القديمة، ثمّ كرّرته في مطلع كانون الثاني (يناير) 2026 بـ“سوق العيد“؛ ولاقى رواجاً واهتماماً وتسليطاً للضوء على أهمّيّة حيّ السراي ودوره الرائد في الحركة التجاريّة المستديمة وفي موقعه الجغرافيّ والتراثيّ في عاصمة المحافظة، النبطيّة.

إضافة إلى ذلك، ومن الزاوية التي تعرّضت للغارة المدمّرة، انطلق مشروع ”تمشاية بحيّ السراي“ في الـ29 من تشرين الثاني 2025 لتعريف الفاعليّات المختلفة وأبناء المدينة على أهمّيّة حيّ السراي التراثيّة وما يحتويه بعد من بيوت وجدران عتيقة، للمساهمة في حمايتها وترميمها وتحويلها إلى وسط تراثيّ بامتياز.

السوق التجاريّة في حيّ السراي بمدينة النبطيّة قبل الحرب الأخيرة
السوق التجاريّة في حيّ السراي بمدينة النبطيّة قبل الحرب الأخيرة


آثار القصف على السوق التجاريّة في حيّ السراي بمدينة النبطيّة
آثار القصف على السوق التجاريّة في حيّ السراي بمدينة النبطيّة








تعليقات: