من دير ميماس إلى بغداد... من سهى بشارة إلى منتظر الزيدي


بين سهى بشارة ومنتظر الزيدي والآلاف من الشباب العربي، كمون لشعور تاريخي بالاضطهاد الممارس من قبل قوى الاحتلال لأرضنا وقوى مصادرة ثروة شعوبنا. كمون لشعور تاريخي بعجز النظام الرسمي العربي بمختلف مكوناته عن مواجهة المحتل، وليس عجزاً بل تواطؤ من معظم مكونات هذا النظام وأداته الرسمية. ولو اكتفوا بالعجز لكان الوضع أرحم، بل تآمروا مع المحتل على كل قوة تحاول مواجهة مخططات العدو الأميركي والإسرائيلي.

بين سهى ومنتظر، منبت اجتماعي واحد، الفئات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة التي ارتقت بفعل تراكم نضالي، في مجال الانتماء الفكري والثقافي، فكان خيارهما »للمقاومة« خياراً واعياً مضافاً للانتماء. هو خيار تم اختزانه لمدة سنوات وتم التعبير عنه في »لحظة« محددة تجلت فيها واختمرت عوامل »التعبير«، والفرق شكلي جدا بين الرصاصات والحذاء في هذا المجال. بينهما تضحية كبيرة على المستوى الشخصي، حوّلتهما الى رمزين، الأولى لم تسأل عن مهنة التعليم، تقوتها وتساعد عائلتها وقامت بما افترضت أنه مساهمة أساسية في عملية التحرير عبر الخلاص من أحد رموز الخيانة والعمالة للمحتل. والثاني أيضا لم يفكر بما يلي تلك اللحظة، بل أخذ قراره الواعي بضرورة المساهمة في منع تحويل الإجرام الأميركي الى فعل انتصار للخائب الأكبر وبتغطية من »حكومة متآمرة«، ليست إلا تكراراً للتجربة اللحدية المنسية في مطاعم العدو الصهيوني.

سهى ومنتظر، الاثنان يأتيان من انتماء سياسي فكري واحد. الحركة الشيوعية واليسارية العربية، يعبران عن اتجاه اليسار المقاوم. الأولى تنتمي الى حزب وتيار لبناني التصق تاريخه بالمقاومة منذ الانتداب حتى إطلاق »جمول« مروراً بتجارب »الحرس الشعبي« و»حركة الأنصار« وتميز بالاستمرار، رغم محاولات »الخارج« الداخلي والإقليمي وحتى الحزبي، صرفه عن طريق المقاومة، فكانت سهى ورفاقها الرصيد المستمر في انتماء الحزب الحاسم للقضية الوطنية كما انتمائها للنضال الشعبي الاجتماعي والديموقراطي في سبيل التحرير والتغيير، رافضة مع حزبها، سجنها وسجنه في الخيار القاتل بين المحتل والنظام أو بين المحتل والإرهاب.

والثاني، وريث حركة يسارية نضالية ناصعة التاريخ في مقاومة الاحتلال وفي الصمود في وجه القمع والإرهاب، منذ ثورة العشرينيات حتى استشهاد فهد وسلام عادل والآلاف من الشيوعيين واليساريين العراقيين الذين بذلوا حياتهم رفضاً للخضوع لنظام القمع، وكذلك في سبيل قضية فلسطين عبر انتمائهم لحركة الأنصار أو للحركات الفلسطينية المقاومة. ولم يغير »الانقطاع« الراهن عن هذا المسار من حقيقة أنه »انقطاع« مؤقت وخارج تاريخ هذه الحركة الثورية العراقية ومسارها.

إن في انتفاضة منتظر الزيدي، رسائل كثيرة، المباشر منها باتجاه الاحتلال الأميركي ورمزه البشع، الكاذب والمجرم، ولكن ليس هو فقط، بل رسالة للقادم الجديد الى البيت الأبيض عبر ضرورة التزامه الذي بدأ يفتر بتعهداته الانتخابية، خوفاً من أن يلقى اذا خضع لشروط سلفه استقبالا يعادل من حيث الرمزية وداع السلف.

الرسالة الثانية، هي للنظام الرسمي العربي، بأنه مدان من الشعوب العربية وان تآمره لم يعد خافيا وان تبديده للثروة العربية (وآخرها مئات المليارات في شهر الازمة الاخيرة) لن يرحمه من محاكمة الجياع في دارفور والسودان ومصر. ولن يرحمه التاريخ من حقيقة انه لو صرف ثلث هذه الثروة المبددة لكان حقق تقدما جديا على طريق إعادة حقوق الشعب الفلسطيني.

الرسالة الثالثة، للحكومة العراقية المتآمرة والموقعة على صك تأبيد الانتداب، خصوصا في الملحقات السرية للاتفاقية الأمنية المذلة، وللقوى السياسية على اختلاف انتماءاتها، الطائفي والديني منها والعلماني على المستوى ذاته.

الرسالة الرابعة للقوى الفلسطينية في غزة والضفة، مطالبة إياها بالحوار واستعادة مشروع المقاومة وأداته منظمة التحرير الفلسطينية بدلا من الغرق في الصدام والخلاف على سلطة وهمية مسخ، لم تؤد الخلافات حولها إلا الى ازدياد القهر الصهيوني ضد شعب فلسطين وحقوقه، وصل في الفترة الأخيرة الى مجاهرة وزيرة خارجية العدو بخطتها من أجل طرد فلسطينيي الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ دون أن تجد الرد العربي المناسب على هذه الخطوة العنصرية الجديدة.

وأخيراً وكي لا ننسى، رسالة صارمة تنبع من ألم الحرص وأمل المستقبل، صرخة في وجه اليسار العربي عموما والعراقي خصوصا.

آن الأوان لوقف التذرع بالإمكانات كما عن المقاومة، وآن الأوان للخروج من الأولويات التي وضعها الأميركي نفسه بتوجيه اليسار والعلمانيين بوجه المتدينين والحركات الإسلامية والانكفاء عن واجب المقاومة تحت حجة انخراط الآخرين بها.

إن الحد من دور الآخر في المقاومة ليس هو المطلوب، بل انخراط اليسار عبر برنامجه الخاص والمتميز هو المطلوب.

فإلى المراجعة النقدية فلتتجه قوى اليسار، والتاريخ لن يرحم.

الأم وابنتها تالة (بلال قبلان)
الأم وابنتها تالة (بلال قبلان)


تعليقات: