مي عبدالله: حين ضاقت الأرض.. اتّسع الجبل

مي_حسين_عبدالله: تتجلّى قيمة ما يُعرف عن بني معروف من نخوة وشهامة،  ليس كهوية تُرفع، بل كمنظومة قيم تُمارس دون إعلان
مي_حسين_عبدالله: تتجلّى قيمة ما يُعرف عن بني معروف من نخوة وشهامة، ليس كهوية تُرفع، بل كمنظومة قيم تُمارس دون إعلان


في الأزمات تُختبر معادن الناس.. وفي زمن النزوح، لا يحتضن إلا من كان قلبه أوسع من أرضه.

فإذا ضاقت الصدور، ضاقت الأرض مهما اتّسعت.

منذ بداية الحرب عام 2024، لم يكن النزوح في لبنان مجرّد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمعنى أن نكون شعبًا واحدًا في وطن واحد.

في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس المواقف بالكلام، بل بما يُفتح من أبواب… وبما يُقدَّم من مساحة للآخر حين تضيق به أرضه.

اللبناني، حين ينزح، لا يغادر وطنه… بل ينتقل داخله، باحثًا عن مكانٍ يحميه، وعن وجوهٍ تُشبهه، وعن طمأنينةٍ تُعيد إليه شيئًا من الاستقرار الذي فُقد فجأة.

وفي هذا الامتحان الصعب، برزت مواقف تستحق أن تُروى، لا بوصفها استثناءً، بل كنموذج لما يجب أن يكون عليه هذا البلد.

في مقدّمة هذه المشاهد، كان الجبل.

أثبت الجبل مرة جديدة كيف يكون عونًا في الأزمات، وكيف يشكّل مساحة لاحتضان النازحين أبناء وطنه، ليس كردّ فعل، بل كسلوكٍ متجذّر في ثقافته وتاريخه.

من التعامل اليومي الذي اتّسم بالهدوء والتفهّم، إلى القرى التي استقبلت الوافدين برحابة صدر، وسعت إلى تيسير أمورهم ضمن ما هو ممكن، بعيدًا عن التعقيد أو التضييق…

كانت المسألة واضحة: ليست في “ما يُقدَّم”، بل في كيف يُستقبَل الإنسان حين يكون في ظرفٍ صعب.

لم يكن الأمر مسألة خدمات أو كلفة، بل مسألة تعامل واحترام، حيث يكفي أحيانًا أن يشعر الإنسان أنه غير مرفوض… ليتمكّن من الصمود.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الامتداد الذي مثّلته الجنبلاطية، لا كحالة سياسية عابرة، بل كخطّ فكري واجتماعي رافق الجبل في محطاته المفصلية، وتجلّى بوضوح مع الشهيد كمال بك جنبلاط، الذي لم يكن زعيمًا تقليديًا، بل زعيمًا فكريًا، حمل مشروعًا يتجاوز الطائفة إلى فكرة الوطن.

وفي ذروة الحرب الأهلية، ورغم الاصطفافات الحادّة، بقي خطابه قائمًا على قاعدة واضحة:

“لبنان لا يُبنى إلا بجميع أبنائه.”

لم تكن هذه العبارة مجرّد موقف، بل رؤية انعكست في سلوك، وفي مقاربة ترى في الآخر شريكًا لا عبئًا.

وهذا الخط، على اختلاف الظروف وتعقيداتها، لم ينقطع، بل استمرّ مع وليد بك جنبلاط، الذي قرأ التوازنات ببراغماتية، لكنه لم يُسقط من حسابه أولوية السلم الأهلي، وسعى، في أكثر من محطة، إلى حماية الداخل من الانزلاق إلى ما لا يُحمد عقباه.

واليوم، مع تيمور بك جنبلاط، يظهر هذا الامتداد كمسار مستمر، يحاول أن يحافظ على تلك المعادلة الدقيقة: أن يبقى الجبل مساحة احتواء… لا ساحة توتّر.

والذي يستحق التوقف عنده أكثر، ليس فقط الموقف السياسي، بل ذلك النسيج الاجتماعي.

هناك، في القرى والبلدات، لا يُسأل القادم عن انتمائه، بل تُقدَّر ظروفه، ولا يُقاس حضوره بميزان الخوف، بل بميزان الواجب الإنساني. هذا السلوك لا يُصنع في لحظة، ولا يُستحضر عند الأزمات فقط، بل يتشكّل عبر زمن طويل من التربية على معانٍ قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: كإكرام الضيف، وتقديم المعونة، والتعاطف في الأزمات والشدّة.

وهنا تحديدًا تتجلّى قيمة ما يُعرف عن بني معروف من نخوة وشهامة، ليس كهوية تُرفع، بل كمنظومة قيم تُمارس دون إعلان. لذلك، لم يكن ما شهدناه في الجبل مفاجئًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لما ترسّخ عبر الزمن: أن الإنسان، قبل أي شيء، هو مسؤولية.

قد تختلف السياسات، وقد تتباين المواقف، وهذا جزء من طبيعة لبنان، لكن ما لا يجب أن يختلف عليه أحد، هو أن الأزمات لا تُواجه بإغلاق الأبواب، بل بفتح ما تبقّى منها. والاحتضان لا يُقاس بما يُدفع، بل بما نُشعِر به الآخر من طمأنينة وكرامة.

في النهاية، لن يُذكر هذا الزمن فقط بما حمله من قسوة، بل أيضًا بما كشفه من معادن. وفي لحظة ضاقت فيها الأرض بكثيرين، اختار الجبل أن يتّسع…

ليس فقط بمساحته، بل بروحه.

#مي_حسين_عبدالله

#السلم_الأهلي

#كرامة_الإنسان

#وقت_الأزمات

#معًا_نحمي_بعضنا

تعليقات: