خليل كاعين: لبنان رهينة السلاح والحروب.. دولة غائبة أم مُغيَّبة؟

الدكتور خليل كاعين: باعتقاد دول الخليج أن التحالف مع الولايات المتحدة يوفّر لها الحماية، إلا أنّ الواقع يُظهر أن الولايات المتحدة لا تملك حلفاء بالمعنى التقليدي، بل شركاء ظرفيين تُستخدم قدراتهم ومواقعهم
الدكتور خليل كاعين: باعتقاد دول الخليج أن التحالف مع الولايات المتحدة يوفّر لها الحماية، إلا أنّ الواقع يُظهر أن الولايات المتحدة لا تملك حلفاء بالمعنى التقليدي، بل شركاء ظرفيين تُستخدم قدراتهم ومواقعهم


لم يعد السؤال في لبنان عمّا إذا كنّا في قلب الحرب، بل عن موقعنا منها: هل نحن طرف فيها، أم مجرد ساحة تُدار فوق أرضها صراعات الآخرين؟

فالدولة التي يُفترض أن تحتكر قرار السلم والحرب، تبدو اليوم إمّا عاجزة عن ممارسته، أو مُقصاة عنه. وبين سلاحٍ خارج إطارها، وحروبٍ تتجاوز إرادتها، يتكرّس واقعٌ خطير يضع لبنان في موقع “الرهينة”، حيث تُدفع الأكلاف داخليًا، بينما تُصاغ القرارات خارجيًا.

في هذا المشهد المعقّد، تتداخل حسابات القوى الإقليمية والدولية مع الانقسام الداخلي، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل الدولة اللبنانية غائبة بإرادتها، أم مُغيَّبة بفعل توازنات تتجاوزها؟

كما يظهر للجميع، تدور اليوم حرب واسعة بين الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها—ومنهم حزب الله، الحشد الشعبي في العراق، والحوثيون في اليمن—من جهة أخرى.

في هذا السياق، تستخدم الولايات المتحدة أراضي دول الخليج وموانئها وأجواءها لتنفيذ ضربات ضد إيران، باعتبار هذه الدول حليفة لها. إلا أنّ هذه الدول نفسها تتعرض في المقابل لقصف إيراني كثيف، حيث سقطت آلاف الصواريخ على الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، في حين كان الرد الإيراني على إسرائيل أقل عدداً نسبياً.

ورغم اعتقاد دول الخليج بأن التحالف مع الولايات المتحدة يوفّر لها الحماية، إلا أنّ الواقع — كما يرى كثيرون — يُظهر أن الولايات المتحدة لا تملك حلفاء بالمعنى التقليدي، بل شركاء ظرفيين تُستخدم قدراتهم ومواقعهم عند الحاجة. وقد بدا ذلك واضحاً أيضاً في مواقف عدد من الدول الغربية—كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وأستراليا—التي رفضت الانخراط في هذه الحرب.

بل إن هذا المنطق ينسحب حتى على علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل نفسها، حيث برزت مؤشرات توتر أو تباين في المصالح، كما في ملف التهدئة مع الحوثيين، حين اتخذت واشنطن قراراً منفرداً بوقف التصعيد، تاركة إسرائيل في وضع معقّد.

الخلاصة في هذا المحور أن من يراهن على تحالف ثابت مع الولايات المتحدة قد يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن العلاقة محكومة بالمصلحة لا بالالتزام.

إيران وحلفاؤها: حسابات الدعم وحدود المواجهة

في المقلب الآخر، لا تبدو العلاقة بين إيران وحلفائها مختلفة جذرياً من حيث منطق المصالح. فقد خاض حزب الله سابقاً ما سُمّي "حرب إسناد" لغزة ضمن قواعد اشتباك محدودة، دون استخدام أسلحة ثقيلة، فيما كانت غزة تتعرض لدمار هائل.

انتهت تلك المرحلة بتطبيق القرار 1701 وسائر التفاهمات المرتبطة به، والتي تنص عملياً على حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. ومع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، جرى التأكيد في خطاب القسم والبيان الوزاري على هذا المبدأ، مع رفع الغطاء عن شرعية سلاح حزب الله.

ورغم ذلك، بقيت مسألة تسليم السلاح موضع خلاف، حيث أعلن حزب الله التزامه الجزئي جنوب الليطاني دون شماله، وسط غياب تعاون فعلي مع الجيش اللبناني. وترافق ذلك مع تصعيد في الخطاب السياسي، وصل إلى حد التهديد بمواجهة أي محاولة لنزع السلاح.

في هذه الأثناء، استمرت إسرائيل في استهداف مواقع الحزب وعناصره، موقعة خسائر كبيرة دون رد يُذكر، ما أثار تساؤلات داخل البيئة اللبنانية نفسها حول جدوى هذا النهج وتوقيته.

اندلاع الحرب الكبرى وتوسّعها

مع إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل بدء حرب واسعة ضد إيران بهدف ضرب برنامجها النووي وقدراتها العسكرية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد.

شارك حزب الله في هذه الحرب عبر إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية، تحت عنوان دعم إيران، ثم تطور الخطاب إلى "الانتقام" بعد مقتل المرشد الإيراني وعدد من القيادات.

في المقابل، كثّفت الولايات المتحدة عملياتها انطلاقاً من قواعدها في الخليج، بينما ردّت إيران باستهداف هذه القواعد والمواقع الأميركية، إضافة إلى قصف إسرائيل. كما انخرط الحشد الشعبي والحوثيون في المواجهة، ما وسّع رقعة الحرب إقليمياً.

الجبهة اللبنانية: بين الواقع الميداني والنيات الإسرائيلية

في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، برزت مفاجآت ميدانية تتعلق بقدرات الحزب وانتشاره، حتى في مناطق يُفترض أنها خالية من السلاح وفق الاتفاقات.

وردّت إسرائيل بحملة تدمير واسعة طالت القرى الحدودية والضاحية الجنوبية، مرفقة بنداءات إخلاء شملت مئات آلاف السكان.

هذا التصعيد يعزّز فرضية أن الحرب على لبنان كانت مُعدّة مسبقاً، وليس مجرد ردّ على مشاركة حزب الله. كما يعيد طرح مسألة الأطماع الإسرائيلية في الجنوب، والتي يعتبرها كثيرون جزءاً من استراتيجية توسعية أوسع.

الواقع اللبناني: أزمة دولة في زمن الحرب

لبنان اليوم أمام وضع شديد الخطورة، مع نزوح يناهز المليون شخص يعيش معظمهم في ظروف إنسانية قاسية، بين مراكز إيواء مؤقتة وخيم تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.

في هذا السياق، تظهر الدولة اللبنانية في موقع العجز:

لا تستطيع خوض الحرب ضد إسرائيل،

ولا تملك قرار السلم والحرب،

ولا يمكنها مواجهة حزب الله عسكرياً دون مخاطر

دون مخاطر داخلية جسيمة.

وقد تجلى ضعف الدولة وسيادتها أيضاً في رفضها قبول أوراق اعتماد السفير الإيراني الجديد محمد رضا شيباني، باعتباره شخصًا "غير مرغوب فيه"، وطلبت منه مغادرة البلاد في 29 آذار الماضي. إلا أن السلطات الإيرانية لم تتجاوب مع القرار اللبناني، وبقي السفير مقيمًا داخل السفارة الإيرانية في بيروت، ضاربًا بعرض الحائط القرار اللبناني وسيادته. هذا يدل على فوقية التعاطي مع السلطة اللبنانية، إلى جانب تهديدات حزب الله وفرض بقائه داخل لبنان.

وقد اتخذ الجيش اللبناني إجراءات لضبط السلاح غير الشرعي ومنع التحركات العسكرية المستقلة، ما زاد من التوتر الداخلي، في ظل انقسام حاد في الرأي العام.

معضلة السلاح والدولة

تتمثل المعضلة الأساسية في وجود سلاح خارج إطار الدولة يُستخدم في حرب إقليمية، فيما الدولة نفسها مطالبة بحماية مواطنيها دون امتلاك أدوات القرار الكامل.

هذا الواقع يضع السلطة بين خيارين أحلاهما مرّ:

إما القبول بالأمر الواقع،

أو محاولة فرض سيادتها مع ما يحمله ذلك من مخاطر انفجار داخلي.

سيناريوهات ما بعد الحرب

المخاوف لا تتوقف عند الحرب الحالية، بل تمتد إلى ما بعدها:

احتمال استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان،

خطر توسع الاحتلال في الجنوب،

وإمكانية انتقال الصراع إلى الداخل اللبناني في حال تصاعد التوتر بين الدولة وحزب الله.

خاتمة: نحو نفق مجهول

لبنان اليوم أمام مرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات:

أزمة سيادة وسلاح،

أزمة نزوح وإعادة إعمار،

أزمة اقتصادية ومالية عميقة،

وأزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو البلد وكأنه يدخل نفقاً مظلماً، حيث لا تبدو نهاياته واضحة، ولا ملامح الخروج منه مؤكدة.

اليوم، لبنان يقف على مفترق طرق لم يعرف مثيلاً له منذ عقود: دولة تواجه حروباً لا تخضع لإرادتها، وسلاحاً خارج سيادتها، وشعباً يدفع الثمن البشري والمادي والسياسي.

الرهينة ليست فقط في الصواريخ أو الاشتباكات، بل في غياب القدرة على اتخاذ القرار، وفي الانقسام الداخلي الذي يعمّق الأزمة. وفي ظل هذا الواقع، يظهر السؤال الحاسم: هل يمكن للبنان أن يعيد لنفسه سيادته واستقلاليته، أم ستستمر سلسلة الصراعات والإملاءات التي تحدد مصيره من الخارج؟

الدرس النهائي واضح: لا دولة يمكن أن تنجو وهي غائبة عن قرارها، ولا شعب يضمن حقوقه وهو رهينة لمنطق القوة والحروب. لبنان بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة دوره، ليس فقط على خارطة السياسة الإقليمية، بل في قلب السيادة التي تُبنى بالقوانين، بالسلطة الفاعلة، وبالقرار الوطني الموحد.

الدكتور خليل كاعين

تعليقات: