يوسف غزاوي: الموزاييك أو الفسيفساء، لغة عالميّة للسلام والهويّة


إنّ كلمة موزاييك، أو موزاييكو (يُسمّى بالعربيّة الفسيفساء)، تُطلق عادة على الرسم بتجميع قطع من مادّة غير عضويّة إلى جوار بعضها البعض.

أصل الموزاييك:

لا يمكن حتى الآن تحديد أصل هذا الفنّ وتاريخه بشكل قاطع، كما حصل مع فن الفيتراي، على سبيل المثال. لكن من المؤكّد أنّ الموزاييك موروث، ومتطوّر عن الفنون القديمة في منطقة البحر الأبيض المتوسّط، كمصر والشرق العربيّ، وبلاد الإغريق، والرومان. ويميل البعض إلى إرجاع أصله إلى بعض الزخارف التي صنعها الإنسان ما قبل التاريخ في العصر الحجريّ القديم بقطع من العظام أو الأسنان أو الأصداف والخرز في تكوينات على شكل عقود وحليّات توضع على الرأس. في روما نجد الكثير من الموزاييك التي زيّنت الكثير من العقود والجدران؛ فهذه المدينة كانت المركز الرئيس للأثرياء في العصر الرومانيّ الذين امتلكوا المال لصرفه على النواحي الفنّيّة والجماليّة. فنّ الموزاييك هو فنّ الوجود والاستمرار؛ نظرًا للمواد التي يتشكّل منها، والتي تقاوم الزمن. اسمه مرتبط باللاتينيّة Musaicum (فنّ مرتبط بالإلهام). أنثروبولوجيًّا، يعني التعبير عن هويّة المجتمع.

مهما يكن من أمر، فإنّ الموزاييك هو تقنيّة فنّيّة عرفت امتدادها في الحضارة اليونانيّة- الرومانيّة، وانتشرت في حوض البحر المتوسّط.

تتشكّل رسوم الموزاييك من مكعّبات صغيرة جدًّا صُنعت من مادّة صُلبة مثل الرخام والزجاج، تتطلّب دقّة تقنيّة كبيرة، ومهارة فائقة لتثبيتها على المساحات المنوي تزيينها. وهي أكثر مقاومة لعوامل الزمن من الرسوم الجداريّة Fresques.

تُقسم الموزاييك إلى قسمين أساسيّين: الأرضيّات والجداريّات.

الأرضيّات: هي الأقدم، ابتدأت من القرن الثامن قبل الميلاد، وبقيت حتّى القرن السابع بعد الميلاد. أكثر مواضيعها من الميثولوجيا والزخارف. صُنعت أوّلًا من الحصى، ثمّ تطوّرت إلى تقنيّة أدقّ، وانتشرت في أنحاء العالم اليونانيّ- الرومانيّ. يوجد العديد منها في سوريا، والأردن، ولبنان، وقبرص. زار الفنّان العالميّ الإيطاليّ “ريكاردو ليكاتا Ricardo Licata” (أستاذ مقرّر الموزاييك في كلّيّة الفنون في باريس) قصر بيت الدين Beit ed-Diner في بلدة دير القمر في قضاء الشوف اللبنانيّ، واطّلع على مجموعة الموزاييك القديمة، الموجودة هناك، التي جُمِّعَت من مناطق عدّة من لبنان، وأذهله الأمرُ قائلًا لي: “لم أرَ في حياتي، ولا أعتقد أنّه يوجد في العالم ما يوازي هذه المجموعة، كمًّا ونوعًا وأهمّيّة”.

القسم الثاني هو الجداريّات: ابتدأت في القرنين الأوّل والثاني الميلاديّين في روما Rome على مساحات صغيرة، ثمّ زيّنت مساحات كبيرة ابتداءً من القرن الرابع والخامس والسادس الميلاديّة في حوض البحر المتوسّط، إلى أن بلغت أوجها في بيزنطة Byzantine في القرن العاشر- الثاني عشر. مواضيعها دينيّة، كما كان الحال مع فنّ الفيتراي Le vitrail.

تقنيّة الموزاييك: في أثناء العمل على ترميم الجداريّات في إسطنبول وكييف وصقلية، تعرّف المختصين على تقنيّة الموزاييك حيث تُلصق المكعّبات الصغيرة على مساحات طُليت بنوع من الإسمنت. في بيزنطة استعمل الذهب والفضّة على مكعّبات الزجاج لينعكس النّور، وتبدو الصورة وكأنّها تتموّج.

نجد الموزاييك الجداريّة المحفوظة في الكنائس والأديرة في إيطاليا Italie (روما Rome، رافينا Ravenna، جزيرة صقلية Cecelia، البندقيّة Venice، الخ) واليونان Greece (دافني Daphne، دير القديس لوقا Hosios Loukas، سالونيك Thessaloniki، جزيرة خيوس Chios..) وإسطنبول Istanbul (آيا صوفيا Hagia Sophia..) وكييف Kyiv عاصمة أوكرانيا Ukraine … منها قديمة (القرن الخامس- السادس) وأكثرها من الفترة البيزنطيّة في كنائس هندستها بشكل صليب.. أقدمها من القرن التاسع، وأكثرها من القرن الحادي عشر- الثاني عشر، في كييف Kyiv وصقلية Sicily (باليرمو Palermo، كافالو Cavallo..). وهناك موزاييك من القرن الحادي عشر إلى الرابع عشر في بلاد البلقان Balkans (يوغسلافيا Yogoslavia) وفي اليونان Greece.

تراجع فنّ الموزاييك في القرن الثالث عشر، بسبب تدمير القسطنطينيّة Istanbul عام 1204، ثمّ عاد فانتشر قليلًا في القرن الرابع عشر إلى أن اختفت الموزاييك القديمة في القرن الخامس عشر. مع مرور الزمن، تخلّت الموزاييك عن الرسوم الواقعيّة القديمة، واكتسبت كالأيقونة والجداريّة بُعدًا روحيًّا، وتناسقت الموزاييك مع الهندسة المعماريّة، وجعل تموّج النور الأشخاصَ كأنّهم حاضرون في الكنيسة، ممّا يلفّ المؤمنين بجوّ روحيّ سرّيّ. أمّا لمعان الذهب في الخلفيّة وإحناء مكعّبات الزجاج في القبب، فيجعل الشخص المرسوم بالموزايك كأنّه يسبح في القبّة فوق المصلّين.

تطوّر فنّ الموزاييك مع الوقت، ودخل لعبة الحداثة، شأنه شأن الفيتراي والتقنيّات الأخرى، فعرفنا أعمالًا ذات أهمّيّة كبرى، كأن نذكر أعمال الفنّان والمعماريّ Gaudi Antoni في إسبانيا حيث شكّل الموزاييك جزءًا من فنّ العمارة من خلال تحالفه مع جدرانها وقببها.. يُعتبر غاودي من الأسماء الكبيرة في إسبانيا والعالم لما أدخله على فنّ العمارة من رؤى ومفاهيم حديثة. في البداية كان متأثّرًا بالمباني التاريخيّة، وتأثّر أيضًا بفنّ العمارة الإسلاميّة في الأندلس، وهذا ما يُفسّر كثرة الزخرفة في مبانيه، والتي ميّزته عن الآخرين. تأثّر بتجارب الفنّ الحديث والحركة الفنّيّة في إسبانيا، وتأثّر كثيرًا بتيّار “الفنّ الجديد” Art Nouveau (يُسمّى بالإيطاليّة Stile Liberty) حيث استلهم منه مبادئ العمل الحرّ والأفكار الإبداعيّة، والجرأة والقوّة في انتقاء الكتل التشكيليّة. غلب على أعماله الطابع الدينيّ، ومن أقواله: “المهندس المعماريّ غالبًا ما يقول أنا صنعتُ، وأنا أقول إنّ الله هو الذي يصنع”.. كان يعتمد الإفراط في الزخرفة والاستعارة من الطبيعة، كالأصداف البحريّة والأمواج، والجبال، والأشجار، وغيرها. من أهم أعماله “كاتدرائيّة العائلة المقدّسة” La Sagrada Familia و”حديقة غويل” Colonia Guell 1898 و”منتزه غويل” Park Guell 1914 ، وتُسمّى التقنيّة الخاصّة التي استعملها في هذه الأعمال “الترينكاديس” Trencadis ، والتي ميّزته عن الآخرين، وهي تقوم على استخدام قطع من السيراميك والزجاج، غير منتظمة ومكسورة لإضفاء لمسة حيويّة ومُتجسّدة بالطبيعة، وتظهر بشكل بارز في حدائق غويل، وكازا باتلو، وسقف “ساغرادا فاميليا”، حيث استخدمها لتقليد قشور التنانين، أو لتزيين الأسطح بألوان زاهية، ما يربط بين الفنّ والطبيعة بشكل فريد.. ويشاع أنّ غاودي جمعها من القمامة ليلًا.

تُعتبر فسيفساء غاودي الملوّنة مميّزة، ممّا يجعل أعماله غنيّة بصريًّا للغاية، نظرًا للأشكال الدائريّة لمبانيه.

ننتقل إلى مترو باريس، ولا سيّما السان ميشال ومادلان Saint-Michel et Madlin ، نجد نماذج كثير من الموزاييك الحديث على الجدران لفنّانين فرنسيّين معروفين، كالفنّان “جون بازين Bazaine Jean” مُلفتة بألوانها وجمالها وترتيبها. وهناك أعمال كثيرة لفنّانين تشكيليّين غربيّين، كأن نذكر على سبيل المثال الجداريّة الضخمة التي نفّذها الفنّان الفرنسيّ مارك شاغال Marc Chagall المعنونة “مُرسلة أليسLe Message d`Ulysse عام 1967 لكلّيّة الحقوق في مدينة “نيس Nice” الجنوبيّة الفرنسيّة. لم يتسنّ لنا معرفة مساحة الجداريّة باستثناء الماكيت التي بلغت أبعادها 2.45x 0.81 m. ولم يكن هذا العمل الوحيد لمارك شاغال التي استخدم فيها الزجاج والمعادن، فهناك أيضًا جداريّة ” الفصول الأربعة” Les Quatre Saisons في شيكاغو، وأعمال أخرى في مؤسّسة “ماغ” لتزيين المباني، وتتميّز هذه الجداريّات بألوانها الزاهية والأسلوب السرياليّ الذي عرفناه في أعماله الأخرى. وله أعمال مُلفتة في فنّ الفيتراي، تسنّت لي فرصة رؤيتها في فرنسا. والأمثلة كثيرة عن الموزاييك الحديث والمعاصر لا يمكن حصرها وتعدادها في العالم.

وإذا انتقلنا إلى لبنان نشير إلى العمل المُلفت الذي قامت به أستاذة مقرّر الموزاييك في كلّيّة الفنون الجميلة والعمارة في الفرع الأوّل في الحدث، الدكتورة والفنّانة التشكيليّة “سوزان شكرون Suzanne Chakaroune “، حيث حوّلت باحة الكلّيّة Agora إلى متحف في الهواء الطلق لأعمال الموزاييك قام بها طلّاب الفنون التشكيلية الذين حوّلوا أعمال كبار الفنّانين من العالم إلى أعمال موزاييك على جدران الباحة المذكورة، ولا سيّما عمل الفنان Van Gogh “ليلة النجوم La nuit étoilée” الذي تحوّل إلى جداريّة كبرى من الموزاييك الحديث على مدخل مبنى الكلّيّة، إضافة إلى لوحة “ليوناردو دافنشي” “الجوكندا La Joconde”، أو “الموناليزا”، التي تحوّلت، بدورها، إلى جداريّة من الموزاييك. ولا نعتقد أنّ هذا العمل قد سبق حصوله في أمكنة أخرى من العالم، حسب معلوماتنا. وكان لي شرف التعاون مع الفنانة سوزان شكرون من خلال رئاستي لقسم الفنون التشكيليّة في الكلّيّة، وبدء تنفيذ عمل من الموزاييك على أحد جدران الكلّيّة في أثناء تدريسي لمقرّر الموزاييك حينها. ومن أعمالي أيضًا، بالتعاون مع الفنانة شكرون، أذكر ذاك الموجود في رأس الجبل في مدينة عاليه، والذي هو عبارة عن برج من الموزاييك بعنوان “تحيّة إلى عاليه” بارتفاع ستة أمتار وعرض المتر الواحد. للإشارة إلى الدور التي لعبته تلك المدينة التي تحوّلت ساحاتها، وأمكنتها إلى متاحف للنحت في الهواء الطلق، من خلال أعمال فنانين غربيّين وعرب ولبنانيّين.. وانتقل مع تجربتي إلى باريس لأذكر العمل الضخم في ساحة “التروكاديرو Trocadero” الباريسيّة، المسمّى مشروع الفنّان الإسباني «Miraldaا”، عبارة عن برج بلغ ارتفاعه ثلاثين مترًا، والمؤلّف من قطع من السكّر الملوّن. مناسبة الحدث هي الاحتفال بالمئويّة الأولى لبناء برج إيفل Tour Eiffel في باريس، حيث غطّت الحدث وسائل الإعلام العالميّة، وقد حضر الافتتاح العدد الأكبر من رؤساء دول العالم عام 1987. مشاركتي به جاءت بطلب من أستاذ مقرّر الموزاييك حينها في كلّيّة الفنون في باريس الفنان الإيطاليّ “ريكاردو ليكاتا” الذي أشرتُ إليه سابقًا، وذلك في أثناء دراستي فيها.

الموزاييك كلغة وهويّة:

يُعدّ الفنّ لغة عالميّة تتجاوز الحدود الجغرافيّة والثقافيّة، رابطًا بين الهويّة الفرديّة والجماعيّة من خلال التعبير البصريّ والحواس الأخرى، كالموسيقى والمسرح والفنّ التشكيليّ الذي يُشكّل الموزاييك عنصرًا هامًّا منه عبر التاريخ. هو أداة استكشاف للهويّة، توثّق التراث الثقافيّ، وتعزّز التفاهم الإنسانيّ، ممّا يجعله قادرًا على إيصال المشاعر والأفكار دون حاجة للترجمة، متجاوزًا الحواجز اللغويّة والفكريّة والأثنيّة المحدودة. هو غنًى ثقافيّ واجتماعيّ ونفسيّ. يعزّز الفنّ قيم قبول الآخر والتسامح، ونقل الموروث الحضاريّ والذاكرة البصريّة ودمجها في رؤية حديثة تعبّر عن هويّة الشعوب. ويتيح الفنّ للفرد التعبير عن مشاعره وانفعالاته الخاصّة التي تُمثّل نبضًا للحياة اليوميّة. الفنّ هو تواصل حضاريّ وعنصر إنسانيّ عالميّ. لا يمكن تصوّر البشريّة من دون الفنّ بأشكاله وأنواعه. إنّ غياب التواصل بين الشعوب هو العدوّ الأوّل للإنسان، يحمل الحروب والتدمير وقتل الآخر. يقول الفيلسوف هيغل “إنّ الفنّ يكاد يكون محرّك التاريخ، وليس أيّ شيء آخر”…

إنّ ما يميّز فن الموزاييك هو تاريخه العميق عبر العصور وتداوله بين الشعوب قبل اختراع التقنيّات الفنيّة الأخرى، القديمة منها والحديثة. الموزاييك ليس لغة مكتوبة، وبالتالي، يفهمه الأمّيّ والمتعلّم، ولا يحتاج إلى ترجمة. هو عابر للأديان، بالرّغم من استلهامه قصصًا ورموزًا دينيّة. كلّ حضارة نطقت بالموزاييك بلهجتها وهويّتها الخاصّة. هو يُخلّد الانتصارات والمعتقدات والحياة التي يحياها الإنسان، فيه بعدٌ فلسفيّ ومعرفة وحضارة. كان وما زال لغةً حاضرةً في فنون الحداثة والمعاصرة، بالرّغم من تحوّله في بعض الأحيان إلى زينة وزخرفة. كيف يمكن لأحجار صغيرة صامتة أن تتكلّم لغة يفهمها البشر على اختلاف أنواعهم؟ الموزاييك خطابٌ بصريٌّ عالميٌّ، يُقرأ بالعين، ويُفهمُ، ويُحسُّ بالقلب. إنّ الشعوب التي مارست هذا النوع الفنّيّ تريد أن تُثبت لنا حضورها ووجودها، ومحبّتها للآخر، وللسلام وللجمال. إنّ أعمال البيزنطيّين والرومان وقبلهما الفراعنة، وغيرهم الكثير من الشعوب والأمكنة، ممّن اشتغلوا على الموزاييك، لهي خير دليل على وجود حضارة هذه الشعوب وعطائها الإنسانيّ والفكريّ الذي يحاكي الأزمنة والسلام والحياة المثلى. مواضيعها من الميثولوجيا والزخارف التي تُعنى بالإنسان ووجوده.

فنّ الموزاييك لغة بصريّة عالميّة، لجأ إليها الإنسان للتعبير عن تطلّعاته وفكره ورؤيته للوجود وللعالم؛ هي وسيلة اتصال بين البشر والشعوب لنقل المرسلة الإنسانيّة الدينيّة والاجتماعيّة وغيرها. قبل اختراع الكلمة كان الشكل، ونعني به الفنّ بشكل عام، والذي بدأ في المغاور والكهوف، وانتقل إلى أمكنة أخرى الهدف منها التواصل مع الآخر عبر اللون والضوء والشكل. الفنّ يبعث الهدوء في العين والقلب والروح، فهو بذلك دواء للمتعبين والقلقين. نرى في الأشكال تعدّد الأساليب والرموز. أخذ المسلمون عن البيزنطيّين الكثير من فنّ الفسيفساء، وطوّروه ليعكس هويّتهم الخاصّة على غرار الهويّة التي اتسم بها البيزنطيّ والرومانيّ والفرعونيّ والأميركيّ اللاتينيّ والأفريقيّ، إلخ. هذا التطوّر عبر العصور يعكس قدرة هذا الفنّ على التأقلم مع التغيّرات الزمنيّة، ممّا يجعله مرجعًا وعنصرًا فنّيًّا متجدّدًا يدمج بين الأصالة والابتكار في مختلف المجالات الفنّيّة.

حين ذهبتُ إلى باريس للدراسة، فإنّ أوّل شيء فكّرتُ فيه هو التخصّص في فنّ الموزاييك لما يختزنه هذا الفنّ من عراقة وهويّة، وتاريخ، ودوام، وتفرّد. حين أُشاهد مجموعة الموزاييك الموجودة في المُتحف الوطنيّ في بيروت، ولا سيّما ميتولوجيا “اختطاف أوروبّا”، أو عمل إله الخمرة باخوس “Bakhos”، أو حين أشاهدُ المجموعة، الاستثنائيّة، الموجودة في قصر بيت الدين في الشوف اللبنانيّ، أعيش سلامًا داخليًّا مصدره تلك الحجارة الملوّنة المتداخلة العازفة على وتر الحبّ والجمال، والخلود، والتاريخ، والانتماء. أذهب مباشرة بتفكيري نحو هؤلاء العمالقة الذين أوجدوا تلك المساحات الفذّة الساحرة. حين يختار الفنّان الإسباني “أنطوني ميرالدا Miralda Antoni” مشروعه للاحتفال بالمئويّة الأولى لبناء برج إيفل مادّة الموزاييك، لهو دليل على أهمّيّة هذا الفن العابق بالوجود، والتاريخ، والحضور، والصلابة.. وحين يعمد المهندس المعماريّ الإسباني “Antoni Gaudi” إلى استعمال الموزاييك في عماراته، فهو يقول لنا أنّ هذه المادّة لها وجودها وحضورها الخاص. وهذا ما ميّزه عن المعماريّين الآخرين. تذهب الناس إلى إسبانيا لمشاهدة أعمال هذا المهندس المتميّز. وحين يعمد فنّانون فرنسيّون لإنشاء الموزاييك على جدران نفق المترو في باريس، فهم يوجّهون رسالة جماليّة خاصّة. وحين ينفّذ فنانو تشكيليّون أعمالًا بهذه المادّة كما فعل الفنّان الفرنسيّ “مارك شاغال Marc” Chagall”، فهم يقولون لنا إنّ الموزاييك هو لغة عالميّة حاضرة ومستمرّة دائمًا ومقاومة للتلف وللحروب، لا تضاهيها مادّة أخرى.. الأمثلة كثيرة ومتعدّدة. أمّا أعمال الموزاييك في حرم كلّيّة الفنون في الجامعة اللبنانيّة، التي أوردناها في حديثنا، فهي مُرسلة جماليّة عالميّة وفنّيّة تقول إنّ هذا الوطن يكتنز طاقات فكريّة وفنّيّة وهويّة جماليّة تتحدّى الموت والحروب، وتنشد السلام، ولا سيّما أنّ الأعمال المختارة هي لفنانين عالميّين لعبت أعمالهم دورًا في الذائقة الفنّيّة العالميّة. فما نودّ التشديد عليه هنا هو دور الموزاييك في التخاطب العالميّ والجماليّ بين الشعوب والأزمنة كلغة سلام ومحبّة وأمان واستمرار وثبات زمنيّ، نحن بحاجة ملحّة إليه في هذا العصر، عصر ما بعد الحداثة، ما بعد الإنسان، القاتل للإنسان.. هويّة الموزاييك صلبة كمادّته، ومطواعة كلغة تخاطب عالميّة، أصيلة، وحاضرة دائمًا.. رسالتها الجمال والسلام، والحبّ، والتنوّع، والتبادل..

تطوّر الموزاييك عبر العصور، حتى وصل به الأمر إلى استعماله لوصف التنوّع البشريّ في العالم (مثل الفسيفساء الثقافيّة أو العرقيّة.

البروفسور يوسف غزاوي

* (محاضرة أُلقيت في مدينة صور بتاريخ 14/01/2026 بطلب من البعثة الإيطاليّة لإقامة جسر ثقافي على حوض البحر المتوسّط بين مدينة صور ومدينة سبيليمبرغ Spilimbergo الإيطاليّة)

المصدر: مجلة البعد الخامس

تعليقات: