
لم يكن شعيب من الصحافيين الذين مرّوا على الجنوب من باب التغطية الموسمية أو الظهور العابر (من الويب)
استشهاد مراسل «المنار» علي شعيب في اعتداء إسرائيلي يعيد تسليط الضوء على مسيرته الطويلة في تغطية جبهة الجنوب، من ما قبل التحرير إلى حرب 2024.
في اعتداء إسرائيلي غادر على الجسم الصحافي، استُشهد اليوم، «أيقونة الاعلام المقاوم»، مراسل قناة «المنار» علي شعيب عندما استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي بشكل متعمد، وعن سابق ترصد وتصميم سيارة صحافية في منطقة جزين، كانت تسير من ضمن موكب صحافي، إلى جانب مراسلة قناة «الميادين» فاطمة فتوني، وأخوها المصوّر محمد فتوني. برحيله، لا يفقد الجنوب اللبناني مراسلاً ميدانياً فقط، بل واحداً من أكثر الوجوه التصاقاً بحدوده وحروبه وتحوّلاته منذ ما قبل التحرير عام 2000، وحتى الحرب اليوم.
لم يكن شعيب من الصحافيين الذين مرّوا على الجنوب من باب التغطية الموسمية أو الظهور العابر. على مدى عقود، صار اسمه جزءاً من المشهد الحدودي نفسه: من القرى الأمامية، إلى توثيق الخروق الإسرائيلية، إلى تغطية الحروب المفتوحة، وما أكثرها، وصولاً إلى نقل الحياة اليومية لأهالي الشريط المحرَّر وما بعده. لذلك بدا استشهاده اليوم امتداداً منطقياً لسيرة إنسان جنوبي لم يترك الجبهة يوماً، وإن كان فاجعاً، لمسيرة مهنية كُتبت كلّها تقريباً تحت التهديد المباشر.
البدايات
تشكّل حضور علي شعيب المهني في قلب الجنوب، لا في غرف التحرير البعيدة عنه. وتُظهر المواد الأرشيفية المرتبطة بمسيرته أنّ عدسته كانت تلاحق الاعتداءات الإسرائيلية على قرى التماس قبل التحرير، وأنّ لحظة 25 أيار 2000 لم تكن بالنسبة إليه حدثاً عابراً، بل محطة تأسيسية نقلته إلى مرحلة جديدة في عمله كمصوّر ومراسل ميداني لقناة «المنار» في جنوب لبنان.
يومها، واكب انهيار مواقع الاحتلال وميليشيا العملاء، ثم تابع يومياً عملية التحقق من الانسحاب وترسيم «الخط الأزرق» برفقة فريق الجيش اللبناني، ما راكم لديه خبرة ميدانية مبكرة في تعقّب الخروق الإسرائيلية وكشفها.
الكاميرا والكلمة الحرّة لا تقلّان أهمية عن السلاح الحربي
بعد التحرير، لم يغادر شعيب الجبهة. على العكس، بدا كأنّ التحرير فتح له باب التثبّت اليومي من معنى أن تكون الصحافي ملتصقاً بالأرض. تصفه مواد أرشيفية بأنّ عدسته تحوّلت في تلك السنوات إلى ما يشبه «حارساً حدودياً»، يلاحق الخروق الإسرائيلية على امتداد الحدود الجنوبية، ويوثقها بالصورة والخبر، فيما كان حضوره يترسّخ تدريجياً بوصفه واحداً من أبرز مراسلي الجنوب. وفي شهادته عن تجربته، قال إنه كان شاهداً على محطات كبرى بدأت من تبادل الأسرى وعدوانَي 1993 و1996، وصولاً إلى تحرير 2000 وعدوان تموز 2006 ومحطات سياسية وميدانية لاحقة.
الكاميرا والكلمة أسلحة المواجهة
هذا الترسّخ المهني لم يكن محصوراً بشاشة «المنار» وحدها. فبحسب بروفايل نشرته «الأخبار» عام 2023، رابط شعيب على جبهة الجنوب طوال 30 عاماً، وواصل رسالته الإعلامية عبر قناة «المنار» وإذاعة «النور» معاً، واضعاً العمل الصحافي في مرتبة موازية لفعل المواجهة نفسه. وفي روايته الشخصية عن معنى المهنة، اعتبر أنّ «الكاميرا والكلمة الحرّة لا تقلّان أهمية عن السلاح الحربي»، وهي عبارة تختصر على نحو دقيق فلسفته في العمل، فالإعلام عنده لم يكن وصفاً للحرب فقط، بل جزءاً من معركة الرواية نفسها.
في تحرير عام 2000، بدا شعيب ابن اللحظة الجنوبية بامتياز. فالأرشيف يشير إلى أنّه من بين أوائل من التقطوا مشاهد تهاوي بوابات الاحتلال في القنطرة والقصير، كما وثّق سريعاً أولى مشاهد سرقة مياه الوزاني بعد التحرير. لم تكن مهمته آنذاك مجرد نقل صورة الانسحاب الإسرائيلي، بل مواكبة ما تلا الانسحاب من تثبيت للوقائع على الأرض، ومن مراقبة دقيقة لمحاولات العدو إعادة صياغة حضوره من خلف الحدود. ومن هنا يمكن فهم كيف تحوّل، مع الوقت، إلى مرجع إعلامي ثابت في كل ما يتصل بجبهة الجنوب.
علي شعيب المراسل الحربي
أما حرب تموز 2006، فكانت واحدة من المحطات التي كرّست صورته مراسلاً حربياً من الطراز الأول. في روايته ليوم 12 تموز، يروي الأرشيف أنه كان صباحاً عادياً، قبل أن يتلقى اتصالاً يفيد بأن «شيئاً كبيراً» يحدث في عيتا الشعب. يومها، ترك الشهيد علي فطوره واندفع إلى الميدان، ثم أخذ يتنقّل بين مرجعيون وكفرشوبا وعيتا الشعب ومحيط الجسور المستهدفة، ناقلاً عبر البث المباشر والرسائل الإذاعية بدايات العدوان وتوسّعه. ومنذ ذلك اليوم، صار صوته وصورته جزءاً من ذاكرة الحرب في الجنوب، لا باعتباره ناقلاً متأخراً للحدث، بل شاهداً من داخله، يصل إلى الجبهة فيما كانت الغارات الأولى لا تزال تتسع.
ولم تكن حرب تموز مجرّد اختبار مهني لشعيب، بل محطة تثبيت لهوية كاملة بُنيت على «الرباط الميداني» الطويل. فالمواد التي تناولت مسيرته لاحقاً تعيد ربط حضوره في 2006 بما سبقه وما تلاه: ست سنوات من مواكبة يومية للحدود بعد التحرير، ثم انتقال طبيعي إلى تغطية الحرب الكبرى، ثم إلى مرحلة ما بعد الحرب بما فيها من خروق وتوترات واستنفارات. بهذا المعنى، لم يكن شعيب مراسل حرب موسمية، بل مراسل جبهة دائمة.
علي شعيب في دائرة الخطر
هذا الحضور الدائم وضعه مراراً في دائرة الخطر المباشر. ففي آب 2010، أصيب في ساقه أثناء تغطية تبادل إطلاق النار بين الجيش اللبناني وجيش العدو الإسرائيلي في العديسة، على إثر ما عرف وقتها بـ«حادثة شجرة العديسة»، وخضع لاحقاً لعملية جراحية. وتظهر الكتابات التي تناولته أنّ هذه الإصابة لم تُخرجه من الميدان، بل تحوّلت إلى جزء من صورته المهنية: صحافي يعود دائماً إلى الحافة نفسها، حتى بعد أن يدفع ثمنها جسدياً.
وفي السنوات اللاحقة، استمر شعيب في أداء هذا الدور الحدودي الحاد. ففي العديسة أيضاً، عام 2022، كان من أوائل من وثّقوا خرقاً إسرائيلياً في خراج البلدة، بعدما رصد مدّ أسلاك شائكة داخل منطقة متحفّظ عليها لبنانياً. النصوص التي تناولت الحادثة تصفه يومها بأنه كان «رابضاً هناك لأيام»، بكاميرته ومنشوراته، يوثّق انتهاكاً ميدانياً دقيقاً، بما يعكس نمط عمله القائم على الملازمة لا على المرور السريع.
هذا النوع من التغطية لم يكن يمرّ من دون ردّ فعل إسرائيلي. ففي بروفايل «الأخبار» عن شعيب عام 2023، نُقل عنه قوله إن الصحافة الإسرائيلية كانت تذكره بالاسم وتتوعّد باستهدافه دائماً، وإن التهديد وُجّه إليه مباشرة أكثر من مرة. وفي مادة أخرى نشرتها «الأخبار» في تموز 2023، بدا واضحاً أن مجرد مقاطع مصوّرة قصيرة ينشرها من الحدود كانت كافية لإثارة ارتباك إسرائيلي واسع، إلى حدّ التعامل مع «عدسة الكاميرا» كما لو أنها مصدر تهديد يتجاوز العمل الصحافي التقليدي.
من هنا، لا تبدو التهديدات الإسرائيلية التي لاحقته تفصيلاً ثانوياً في سيرته، بل جزءاً من تعريفه المهني. فقد كان شعيب، بالنسبة إلى جمهوره، مراسل الجنوب؛ وبالنسبة إلى العدو، عيناً ثابتة على الحدود يصعب إسكاتها. وهذا تحديداً ما منح اسمه تلك المكانة الخاصة في الإعلام الميداني اللبناني: أنه لم يكن فقط ينقل ما يجري، بل كان يزعج الاحتلال بقدر ما يكشفه.
علي شعيب في قلب الجنوب
ومع حرب 66 يوماً عام 2024، عاد شعيب إلى موقعه الطبيعي: في قلب الجنوب، بين القرى الأمامية، وأمام البيوت المهدّمة، وعلى مقربة من خطوط التوغّل والقصف. أرشيف «المنار» خلال تلك الحرب يحمل اسمه على عشرات الرسائل والتقارير الميدانية من الخيام وكفركلا ومروحين وغيرها، فيما توثّق مواد أخرى استمراره في التجوال داخل البلدات الحدودية، ونقله صورة الحياة والصمود والدمار معاً. وفي تشرين الثاني 2024، نشر نصاً ميدانياً يصف واقع العدوان البري بعد 35 يوماً من بدئه، ما يؤكد أن حضوره في تلك الحرب لم يكن رمزياً، بل عملياً وميدانياً ومستمراً.
حتى في تغطية استهداف الإعلاميين خلال حرب 2024، كان شعيب جزءاً من القصة لا شاهداً بعيداً عنها. فمادة «الأخبار» عن استهداف الصحافيين في حاصبيا أوردت عنه عبارة مؤلمة: «أصوّر نفسي لأنّ المصوّر الذي رافقني لأشهر استشهد». تكفي هذه الجملة وحدها لتلخيص شكل المهنة في الجنوب خلال الحرب الأخيرة: مراسل يواصل البث بعدما صار زملاؤه أهدافاً، ويستمر في التغطية بينما تتقلص المسافة بين الشاهد والضحية إلى حدّ التلاشي.
الجنوب مكتب علي شعيب
وعندما نُشر خبر استشهاده اليوم، بدا الخبر أقلّ من أن يختصر سيرة بهذا الثقل. فالرجل الذي غطّى حقبة ما قبل التحرير، ورافق لحظة التحرير، ونقل حرب تموز من قلبها، ووثّق الخروق الإسرائيلية بعد الحرب، وأصيب في العديسة، وبقي على الجبهة خلال حرب 2024، انتهى شهيداً في السيارة الصحافية نفسها التي كانت، طوال سنوات، أداته في الوصول إلى المكان الأخطر أولاً. هكذا اكتملت، على نحو فاجع، سيرة صحافي جعل من الجنوب مكتباً دائماً له، ومن الحدود ميداناً مهنياً مفتوحاً، ومن الكاميرا موقع مواجهة لا يقلّ خطورة عن أي خط نار.
أصوّر نفسي لأنّ المصوّر الذي رافقني لأشهر استشهد
باستشهاد علي شعيب، يخسر الإعلام اللبناني واحداً من أكثر مراسليه التصاقاً بالميدان، ويخسر الجنوب واحداً من أبنائه الذين لم يكتفوا برواية الحكاية، بل عاشوها قريةً قريةً، وعدواناً عدواناً، وحداً حدودياً بعد آخر. وما يبقى من سيرته ليس فقط أرشيف التقارير والصور، بل نموذج الصحافي الذي لم يفصل بين المهنة والالتزام، وبين الخبر والأرض، وبين الكلمة وخطرها الفعلي.

مراسلة الميادين الشهيدة فاطمة فتوني (من الويب)

الشهيد علي شعيب أمام دبابات العدو على الحدود مع فلسطين المحتلة (من الويب)

الشهيد علي شعيب يلاحق الاعتداءات الاسرائيلية على طول الحدود (من الويب)

الشهيد علي شعيب قبيل أيام من استهدافه (من الويب)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: