إسرائيل والجنوب اللبناني: هل تتجه الحرب نحو تفريغ سكاني دائم؟

قرية طيرحرفا الحدودية أخليت تماماً من سكانها وفجرت كلّ بيوتها بعد حرب 66 يوماً عام 2024 (الأخبار)
قرية طيرحرفا الحدودية أخليت تماماً من سكانها وفجرت كلّ بيوتها بعد حرب 66 يوماً عام 2024 (الأخبار)


تحليل لتطور الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان، من العمليات العسكرية إلى محاولات فرض واقع جغرافي جديد قائم على الإخلاء ومنع العودة وتحويل المنطقة إلى مساحة أمنية خالية من السكان.

لم تعد الحرب الإسرائيلية على لبنان تُقاس فقط بعدد الغارات أو باتساع رقعة الاشتباك، بل بما تخلّفه من تبدّل قسري في الجغرافيا البشرية للجنوب، حيث يتقدّم مشهد أكثر خطورة من المعركة العسكرية نفسها، ويدفع الجنوب تدريجياً نحو الفراغ.

فمسألة الجنوب لم تعد تُدار بمنطق المواجهة العسكرية المباشرة مع حزب الله وما يمثله من مقاومة فحسب، بل باتت مرتبطة بمسار موازٍ لإعادة تشكيل المجال الجغرافي والبشري في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، وربما أبعد من ذلك.

تشير المعطيات الأخيرة، سواء من القرارات العسكرية الإسرائيلية أو تصريحات المسؤولين أو أوامر الإخلاء أو استهداف البنى التحتية من ماء وكهرباء ومحطات وقود ومراكز صحية، إلى أن ما يجري يتجاوز العمليات العسكرية الموضعية على خط الحدود، ليصب في محاولة فرض واقع جديد يجعل الجنوب أقل قابلية للحياة المدنية وأكثر انكشافاً للتحكم العسكري والأمني، عبر أوامر إخلاء واسعة تهدد قرى بالإفراغ، وتدفع السكان شمال نهر الزهراني مع قطع الطرق وتعطيل البنى التحتية، والتلويح بمنع العودة قبل توافر ما تسميه إسرائيل «ضمانات أمنيةً».

تصريحات العدو

في هذا السياق، برزت تصريحات «وزير الحرب» الإسرائيلي يسرائيل كاتس كمؤشر بالغ الدلالة على طبيعة التفكير الإسرائيلي تجاه جنوب لبنان، حين أعلن أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أوعز للجيش بتدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني، في خطوة تهدف لمنع تحركات حزب الله. إلا أن هذا الإجراء لا يقتصر على تعطيل الخصم، بل يمس البنية الحيوية للحياة المدنية والتنقل والإغاثة.

وترافقت هذه السياسات مع تعزيز أوامر الإخلاء لسكان جنوب الليطاني وما وراءه، باعتبار تلك المناطق «في خطر» أو أهدافاً محتملة.

ذهب كاتس أبعد من ذلك حين أعلن أن السكان النازحين لن يُسمح لهم بالعودة قبل توفير «ضمانات أمنيةً» لشمال إسرائيل، ما يحوّل الإخلاء من تدبير مؤقت إلى شرط سياسي-أمني مفتوح زمنياً، يجعل حق العودة ورقة تفاوضية وأمنيةً.

الجنوب يُدفع تدريجياً نحو الفراغ تحت ضغط الإخلاء وتدمير البنى التحتية

أما وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، فقد لوّح بإمكانية أن تصبح الضاحية الجنوبية لبيروت مثل خان يونس في غزة، في إشارة إلى نموذج التدمير الواسع والضغط على البيئة المدنية وتحويل الأحياء المأهولة إلى فضاءات مدمرة أو هشةً.

تكشف هذه التصريحات عن ذهنية سياسية ترى في التهجير أو خلق ظروف طاردة للسكان وسيلة لتحقيق أهداف أمنية وعسكريةً، إذ يؤكد نتنياهو أن العمليات داخل لبنان جزء من تصور أوسع للحفاظ على حدود آمنة ومنع أي تهديد مستقبلي. وتعتبر بعض أوساط اليمين الإسرائيلي أن الحرب فرصة لفرض نموذج احتلال أمني موسع، بحيث يصبح إفراغ خطوط التماس من السكان المدنيين هدفاً قائماً بذاته أو وسيلة لتحقيق هدف أمني أكبر.

وعليه، اعتبرت منظمات حقوقية وجهات دولية أن منع العودة، بالتوازي مع تدمير مقومات العيش، قد يرقى إلى تهجير قسري أو انتهاك للقانون الدولي الإنساني، إذ لا يُقاس أثر السياسات بعدد النازحين فحسب، بل بطبيعة البيئة التي يُفترض أن يعودوا إليها، فإذا كانت القرى مدمرة والطرق مقطوعة والبنية التحتية منهارة، تصبح العودة شبه مستحيلة.

ما هي «المناطق العازلة»؟

في دراسة أعدها الباحثان Boaz Atzili وMin Jung Kim حول «المناطق العازلة وآليات الفصل الجغرافي الداخلي والخارجي» في شباط 2023، يشيران إلى أنّ المناطق العازلة أو(Buffer zones) هي أراضٍ تقع بين قوتين متنافستين بهدف تقليل الاحتكاك المباشر ومنع اندلاع النزاع. تهدف هذه المناطق إلى خلق فصل جغرافي يقلل من احتمالات التصادم العسكري ويسمح بإدارة النزاع بطريقة تقلل التداعيات المباشرة على الأطراف.

ويُميّز الباحثان بين نوعين من المناطق العازلة: المناطق العازلة الفعّالة (Active Buffer Zones)، وهي تلك التي تحقق دوراً عملياً وحقيقياً في تخفيف النزاع أو الاحتكاك بين الأطراف المتنافسة، والمناطق العازلة الاسمية (Nominal Buffer Zones)، وهي المساحات التي تقع بين قوتين متنافستين لكنها لا تنجح في تخفيف النزاع بسبب اختلال التوازن أو هيمنة أحد الأطراف، أي أنها اسمية أكثر من كونها فعّالة.

ويشير الباحثان أيضاً إلى أن الفعالية الحقيقية للمنطقة العازلة تعتمد على قدرة الأطراف على احترام الحدود، ووجود آليات رقابية أو تفاوضية، والتوازن العسكري والسياسي بين القوى المتنافسة. مع التأكيد على أن مجرد وجود مساحة فاصلة لا يكفي لتصنيفها كمنطقة عازلة فعّالة، بل يجب أن تؤدي وظيفة محددة في الحد من النزاع وخلق فصل جغرافي داخلي أو خارجي (Internal & External Geographic Separation) يحد من الاحتكاك المباشر بين الأطراف.

وبفرّق Boaz Atzili وMin Jung Kim بين منطقة فاصلة تُنشأ باتفاق متبادل ورقابة قانونية وهدفها منع الحرب مع إبقاء السكان محميين، وبين مساحة تُفرض أحادياً داخل أراضي الغير عبر التدمير والإخلاء وتقييد العودة، وبين «منطقة آمنة» يُفترض أن تحمي المدنيين وبين «أرض خالية» يصبح غياب السكان فيها هو الغاية أو الشرط الأمني المطلوب.

الحالة اللبنانية

لبنان، بحسب الباحثين، اعتُبر منطقة عازلة فعالة (Active Buffer Zone) في سياق التنافس الإسرائيلي-السوري، أي ساحة توسطت بين قوتين إقليميتين وتداخلت فيها نزاعاتهما. في المقابل، تُعد كمبوديا بين تايلاند وفيتنام، وأوروغواي بين الأرجنتين والبرازيل، أمثلة على مناطق عازلة اسمية لم تلعب دوراً حقيقياً في تخفيف الصراع.

أما سيناء بعد اتفاق السلام المصري–الإسرائيلي، فتقدم نموذجاً مختلفاً، باعتبارها منطقة عازلة مُدارةً ضمن اتفاق رسمي ورقابة وحدود وتسويات معترف بها، أي إطار قانوني وسياسي متبادل.

وإذا ما أردنا تصنيف «المنطقة العازلة الصفراء» في قطاع غزة والتي تشير إلى خط التوقف العسكري الذي تم إقراره كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، والذي يُعرف باسم الـ «Yellow Line»، فإن هذا الخط، الذي يفصل بين الأراضي التي انسحبت إليها القوات الإسرائيلية وبين الجزء الغربي الخاضع لإدارة فلسطينية، كان من المفترض أن يكون مؤقتاً، إلا أنه بدأ يتحول في الواقع إلى حدود فعّالة داخل غزة تُعرّف الجغرافيا السياسية والإنسانية للقطاع، وتُعيق حركة السكان وتحد من إمكانية العودة إلى مساكنهم أو أراضيهم السابقة.

وتوثّق تقارير الأمم المتحدة استمرار هجمات وإجراءات عسكرية في المنطقة المحيطة بالخط الأصفر، مما يجعلها منطقة خطيرة بشكل مستمر، بينما تُنظر إليها بعض الأطراف على أنها مؤشر على استمرار السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحة غزة حتى بعد وقف إطلاق النار، حيث أن نحو 58 % من مساحة القطاع أصبحت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية بموجب هذا الترتيب.

من التهجير الميداني إلى فرضية «الأرض الخالية من المدنيين»

تُعد تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان (1985–2000) المرجع الأقرب لتفسير الحرب الحالية. فقد أنشأت إسرائيل منطقة عازلة بينها وبين الداخل اللبناني، وتمركزت فيها قواتها وميليشيا جيش جنوب لبنان تحت إشرافها، لمنع أي نشاط عدائي. ولم تكن مجرد خط عسكري، بل فضاءً سياسياً وأمنياً معقداً لضبط المجتمع الجنوبي ضمن معادلة أمنية تخدم المصالح الإسرائيلية.

لكن المنطقة الأمنية لم تُفرغ السكان المدنيين، بل ظلوا جزءاً من المعادلة، فيما تشير السياسات الحالية إلى اتجاه أكثر جذرية، عبر جعل غياب السكان وإخراجهم من المعادلة شرطاً للأمن، بحيث يتجاوز السؤال في لبنان اليوم مفهوم «المنطقة العازلة» التقليدية، فالأمر لا يتعلق فقط بالفصل بين قوتين متحاربتين، بل بإنتاج مساحة يصعب أن تستمر فيها حياة مدنية مستقرةً، أو أن تكون العودة إليها ممكنةً. وهنا يظهر مفهوم «الأرض الخالية من المدنيين» الذي يفوق المنطقة العازلة التقليدية، إذ تُحطم فيه شروط البقاء المدني، ويُعلّق حق العودة، وتُفرض وظيفة أمنية قسريةً من الخارج.

الضمانات الأمنية تتحول إلى شرط مفتوح يمنع عودة السكان

ويعني هذا التحول أن الجنوب قد يواجه صيغة أشد قسوةً من نموذج «الشريط الأمني» بين 1985 و2000، إذ لا يقتصر على السيطرة على السكان، بل يسعى لإبعادهم أو إبقائهم خارج المكان إلى أجل غير محدد، ليصبح الصراع الراهن صراعاً على الجغرافيا الديمغرافية نفسها.

وبالرغم من أن التجربة أظهرت أن وجود منطقة عازلة مأهولة مع قوات إسرائيلية وميليشيات محلية يخفف الهجمات قصيرة المدى، إلا أن ذلك لا يوقف المقاومة الطويلة الأمد، ويزيد التوتر بين السكان والبنية الأمنية.

الأبعاد القانونية والدولية لمفهوم «الأرض الخالية»

ينص اتفاق جنيف الرابع (1949) على حماية المدنيين في مناطق النزاع، وحظر النقل القسري أو الإخلاء غير المبرر إلا لأسباب أمنية مؤقتة، مع ضمان الحق في العودة فور زوال الخطر. بالتالي، أي مسعى لإفراغ جنوب لبنان من سكانه بشكل دائم يُعد انتهاكاً صريحاً لهذه الاتفاقية، ويشمل حماية الممتلكات ومنع التشريد القسري.

كما يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية الحق في السكن والأسرة وحق العودة، ما يعني أن أيّ سياسة تمنع العودة بعد النزاع تُعد انتهاكاً للمعايير الدولية، وقد تُعرض الدولة للمساءلة أمام محاكم دولية أو هيئات أممية.

ووفق قواعد الاحتلال الدولي، لا يجوز نقل السكان أو إخراجهم إلا لأسباب عسكرية مؤقتة ومشروعة، ويُصنف أي احتلال يسعى لإقامة منطقة «خالية» ضمن أفعال الاحتلال غير القانونية.

إن تجربة «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، والتجارب الأخرى تظهر بوضوح أن النموذج الذي تلوح به بعض التصريحات والسياسات الإسرائيلية الحالية يميل إلى إنتاج مجال حدودي منزوع السكان، أو محدود الحياة المدنية إلى أقصى حد، بحيث يُعاد تعريف الأمن لا بوصفه فصلاً منظماً بين قوتين، بل بوصفه إبعاداً قسرياً للسكان من الحيز الذي تريده إسرائيل هامشاً دفاعياً لها.

قرية عيترون الحدودية خالية من سكانها بعد حرب 66 يوماً (الأخبار)
قرية عيترون الحدودية خالية من سكانها بعد حرب 66 يوماً (الأخبار)


قوات العدو الاسرائيلي تمنع السكان من العودة إلى بيوتها في كانون الثاني من عام 2025 (الأخبار)
قوات العدو الاسرائيلي تمنع السكان من العودة إلى بيوتها في كانون الثاني من عام 2025 (الأخبار)


تعليقات: