
استهدفت إسرائيل أخيراً عدة جسور في جنوب لبنان ما أعاد سيناريو حرب 2006 (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)
قال يسرائيل كاتس إن هذه رسالة واضحة للحكومة بأن تل أبيب لن تسمح لـ"حزب الله" باستخدام البنية التحتية للدولة
ملخص
إذا كانت ثمة تسمية تطلق على حرب يوليو عام 2006 التي عرفت بحرب الـ33 يوماً فهي "حرب الجسور" إذ لم تكتف إسرائيل في حينه، ومنذ اليوم الأول لحربها على لبنان في الـ12 من يوليو، بتدمير الجسور الجنوبية الرئيسة على نهر الليطاني، بل عمدت طوال حربها، أي طوال 33 يوماً، إلى تدمير جسور لبنان كلها من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، فبلغ عدد الجسور المدمرة آنذاك 145 جسراً منها 80 جسراً رئيساً تربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض.
لم تخض إسرائيل حرباً تجاه لبنان، إلا وكانت الجسور والمعابر النهرية خطة أو عنواناً في أولوياتها، فتلجأ إلى تدميرها بغية تقطيع أوصال البلاد، وتحديداً جسور نهر الليطاني التي توصل جنوبه بشماله، لأسباب عدة، منها إعاقة تحرك المسلحين الفلسطينيين منذ مطلع السبعينيات إلى اجتياح عام 1982، إلى مسلحي "حزب الله" منذ الثمانينيات، ولمنع الإمداد العسكري والتنقل، ومرات انتقاماً من الدولة اللبنانية أو عقاباً لها على عدم ردعها حركة المسلحين لها على الأراضي اللبنانية، ومرات لعزل المناطق ومحاصرة المواطنين والضغط عليهم من باب العقاب الجماعي.
وإذا كانت ثمة تسمية تطلق على حرب يوليو (تموز) عام 2006 التي عرفت بحرب الـ33 يوماً فهي "حرب الجسور"، إذ لم تكتف إسرائيل في حينه، ومنذ اليوم الأول لحربها على لبنان في الـ12 من يوليو، بتدمير الجسور الجنوبية الرئيسة على نهر الليطاني، بل عمدت طوال حربها، أي طوال 33 يوماً، إلى تدمير جسور لبنان كلها من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، فبلغ عدد الجسور المدمرة آنذاك 145 جسراً منها 80 جسراً رئيساً تربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض، يضاف إليها تدمير البنى التحتية العامة من الطرقات إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات المياه وغيرها من المعامل والمصانع والأبنية الاقتصادية والسكنية.
جسور الليطاني مهددة دائماً
منذ إطلاق "حزب الله" صواريخه الستة على شمال إسرائيل مطلع مارس (آذار) الجاري، وإعلانها الحرب على لبنان بحشد عشرات الآلاف من جنودها ومدرعاتها عند الحدود اللبنانية الجنوبية وقصفها مئات القرى والمناطق اللبنانية وصولاً إلى العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، وما أوقعته من ضحايا وقتلى قاربت الـ1000 قتيل حتى اليوم إضافة إلى آلاف الجرحى والمصابين، وفرض تهجير قسري على سكان البلدات والقرى الجنوبية ودعوتهم إلى النزوح الجماعي تحت عنوان الحفاظ على سلامتهم، وخوضها بالتهديد والوعيد حرباً إعلامية ونفسية، لم تتورع إسرائيل عن تهديداتها بتدمير الجسور فوق مجرى نهر الليطاني التي توصل قطاعه الجنوبي بقطاعه الشمالي، أي مناطق أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا بمناطق النبطية وصيدا وجزين الجنوبية.
وتنفيذاً لتهديداتها أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية منذ نحو أسبوع على الجسر الذي يربط جزءاً من منطقة صور بمنطقة الزهراني، جسر طيرفلسيه - الزرارية، أو ما يعرف بجسر السادس من فبراير (شباط) الذي بناه مجلس الجنوب عام 1992 ودشنه رئيس مجلس النواب نبيه بري وكان وزيراً في حينه، وقامت إسرائيل بتدميره في حربي 1996 و2006 ثم أعيد بناؤه من جديد، وكانت على هذا الجسر نقطة للجيش اللبناني اضطر إلى إخلائها بتحذير من قوات "اليونيفيل" قبل التدمير بوقت قليل.
والأربعاء الماضي دمرت الطائرات الإسرائيلية حيزاً من جسر فرعي قرب القاسمية جنوب مدينة صور يعرف بجسر "الكنايات" (نسبة إلى شجر الكينا)، وهو واحد من ثلاثة جسور تقع فوق النهر الذي يصب هناك في البحر الأبيض المتوسط. وقصفت المدفعية محيط جسر "القاعقعية" (نسبة إلى بلدة قاعقعية الجسر جنوب مدينة النبطية) الذي يوصل منطقة النبطية بمنطقتي صور وبنت جبيل في تهديد واضح إلى إمكان تدميره.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن "الجيش قصف جسرين إضافيين على نهر الليطاني في لبنان ودمرهما، وكانا يستخدمان لتهريب الأسلحة ولتوجه عناصر ’حزب الله‘ جنوباً"، وأضاف "هذه رسالة واضحة للحكومة اللبنانية بأن إسرائيل لن تسمح لـ’حزب الله‘ باستخدام البنية التحتية للدولة اللبنانية". أتى ذلك بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ينوي مهاجمة جسور على نهر الليطاني.
حرب نفسية وتدميرية
في السياق قال العميد المتقاعد في الجيش اللبناني حسن بشروش، الذي شغل موقع رئيس الفريق اللبناني لترسيم الحدود رئيس اللجنة الثلاثية التقنية لترسيم الحدود بين عامي 2006 و2017 "يهدد الإسرائيليون منذ دخولهم الحرب الجديدة المعلنة على لبنان في الأول من مارس الجاري بعزل منطقة جنوب الليطاني، أو إنشاء منطقة عازلة بعمق كيلومترات، ومنها تهديدهم بقطع الجسور في نهر الليطاني التي توصل جنوب الليطاني بشماله وهي خمسة رئيسة: اثنان في القاسمية قرب مدينة صور، وثالث فرعي، والزرارية في قضاء الزهراني - صيدا الذي جرى تدميره منذ خمسة أيام، وجسر القاعقعية الذي تعرض محيطه لقصف، وجسر الخردلي الذي يوصل النبطية بمرجعيون، وتعرض لغارة غير مباشرة قطعت الطريق، ساعات عدة، ثم فتحها الجيش اللبناني، كل ذلك يندرج حتى الآن ضمن حرب إعلامية ونفسية تمارسها إسرائيل على أبناء الجنوب تحديداً وعلى اللبنانيين بصورة عامة".
ورأى العميد بشروش أن "التهديد الإسرائيلي بتدمير المعابر النهرية الجنوبية يضاف إلى تهديداته بالفرق العسكرية المدججة التي حشدها عند الحدود الجنوبية اللبنانية، وإنذارات الإخلاء الجماعية في حق عشرات القرى والمدن"، ولفت إلى أن الإسرائيليين يقولون إن قطع هذه الجسور سيعوق تنقلات مسلحي "حزب الله" وإمداداته العسكرية، "لكن في الواقع، إن من يواجه في منطقة جنوب نهر الليطاني هم أبناء المنطقة، ولا يتم، في خلال المعركة، استقدامهم من الخارج أو عبر الممرات الطبيعية كالطرقات والجسور. فيما الحزب وخلال سنة وخمسة أشهر كان يستعد لهذه المعركة عبر مقاتلين وتجهيزات وسلاح وصواريخ.
رفع السقف التفاوضي
عن الإضافة التي يمكن أن تحققها إسرائيل من خلال تدمير الجسور النهرية التي توصل جنوب الليطاني بشماله؟ أجاب العميد بشروش "تريد من قطع الجسور رفع سقفها التفاوضي مع لبنان، ليس بقطع الجسور وحدها، بل بما سبق من تدمير كلي للقرى الحدودية البالغة 19 قرية عند الحافة الأمامية ومن ثم تهجير معظم السكان منها واستمرار التدمير حتى الآن، من الخيام في القطاع الشرقي، إلى الناقورة عند الساحل مروراً بالقطاع الأوسط في قضاء بنت جبيل، إلى تهديدات الإخلاء اليومية وآخرها مدينة صور والزهراني وربما نسمع بشمال الزهراني وصولاً إلى نهر الأولي، إننا نرى في لبنان السيناريو عينه الذي نفذوه في غزة، كل هذا التهويل بغية إخضاع لبنان للشروط الإسرائيلية فيما لو جلس على طاولة المفاوضات"، وتحدث أيضاً عن "أنه في الأيام القليلة الأخيرة ثمة تصعيد عالي الوتيرة وعلى مختلف المستويات، ربما هناك مساعٍ دبلوماسية تجري من تحت الطاولة، والأرجح ألا اتفاق بسبب السقوف العالية لكل طرف، لكن على الأرض لا أحد يحسم المعركة على رغم الاستشراس الإسرائيلي فيها، وقد فاق العدد في هذه الحرب الـ1000 قتيل حتى الساعة، وبات القصف العشوائي يتجاوز كل ما يطلق عليه بنك أهداف إسرائيلي، لأن الوضع على الأرض، بخاصة في الخيام ومناطق حدودية أخرى لا يتوافق وادعاءات الإسرائيليين بأنهم سيطروا على الأرض الحدودية، يعني ليست هناك نتيجة نوعية حتى يبتزوا فيها لبنان في ما لو جلسوا خلف طاولة المفاوضات".
قطع الجسور عزل للجيش اللبناني
أضاف بشروش "بلدة الخيام كما في حرب الـ66 يوماً بين الـ23 من سبتمبر (أيلول) والـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 لم يستطع الإسرائيليون السيطرة عليها واحتلالها كلياً، ولما دخلوا إليها دخلوا إبان فترة الهدنة ودمروا ما دمروه من بيوتها ومؤسساتها. الآن الخيام وضعها تماماً مثل تلك الحرب، ربما يتوغلون إلى كثير من الأمكنة والقرى الحدودية لكنهم لا يستقرون فيها أبداً بسبب قتال ’حزب الله‘ في الخيام وعديسة والطيبة وعيتا الشعب وغيرها على رغم كل القصف المدفعي المتواصل وغارات الطائرات الحربية والمسيرة"، وأوضح العميد بشروش أن "المعابر الجنوبية على نهر الليطاني من الشرق قرب مرجعيون وحتى الساحل تتوزع كما يلي: جسرا القاسمية التحتاني والفوقاني إلى ثالث فرعي، والزرارية - طرفلسيه، القاعقعية والخردلي، هذه الجسور الكبيرة، وهناك ممرات نهرية صغيرة على شكل عبارات تستخدم في الأمور الزراعية لكنها لا تحتسب معابر أساسية. أما الجسور الرئيسة الخمسة فتعبرها الشاحنات والسيارات والآليات الكبيرة وحالياً لم تزل أربعة منها في الخدمة ولو أن السيارات لا تعبرها باتجاه الجنوب بسبب التهديدات والتحذيرات الإسرائيلية التي تمنع المواطنين من التوجه جنوباً".
وعن وضع انتشار الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني قال العميد بشروش "من دون قطع الجسور، الجيش اللبناني شبه محاصر في قطاع جنوب الليطاني وتتغذى نقاطه المنتشرة في هذا القطاع من ثكنتي مرجعيون في القطاع الشرقي وصور في القطاع الغربي، إلى ثكنة كفردونين قرب بنت جبيل في القطاع الوسط. إن قطع الجسور سيعزل لواءين للجيش اللبناني (الخامس والسابع) وفوج التدخل وسرايا الدعم، من هنا أعاد الجيش فوراً فتح طريق الخردلي إذ لم يدمر الجسر كلياً، أما جسر السادس من فبراير فهو جسر كبير وعال ودمر كلياً وبات غير صالح للعبور ولا يمكن إصلاحه في القريب العاجل جراء صاروخ كبير قطعها كلياً"، وختم "أن جميع الجسور في حال قطعت يمكن وضعها في خدمة استثنائية من خلال ردم مجرى النهر بالصخور والعبارات وترميمه موقتاً لعبور السيارات والشاحنات، لكن السؤال الذي يلي: هل ستسمح إسرائيل في خلال الحرب بإعادتها إلى العبور؟".
الجسور تعزل 16 ألف نازح
من ناحيته، قال المنسق الإعلامي لوحدة الكوارث في اتحاد بلديات صور بلال قشمر "خلق التهديد الإسرائيلي بقطع الجسور على نهر الليطاني موجة نزوح من مدينة صور ومنطقتها أكثر من التهديد الذي دعا سكان صور وجوارها إلى إخلائها نحو شمال نهر الزهراني الواقع بين منطقتي صيدا وجنوب الليطاني. لقد تخوف سكان هذه المنطقة من عزلها بعد قطع الجسور تمهيداً لتوسيع الاعتداءات الإسرائيلية أو ربما للتوغل نحو مجرى نهر الليطاني على نحو ما حصل في اجتياح عام 1978 تحت عنوان عملية الليطاني، إذ قامت إسرائيل في حينه بقطع الجسور التي توصل جنوب الليطاني بشماله"، وأشار قشمر إلى أن "الغارة على مجرى القاسمية قطعت الجسر الفرعي المعروف بجسر الكنايات الذي يوصل القاسمية بالزرارية ومنطقتها وبات خارج الخدمة، ولم يعد صالحاً إلا لعبور المشاة. أعلن الإسرائيليون نيتهم بقطع الجسور التي تشكل، بحسب إعلانهم، ممرات أو معابر لإمداد ’حزب الله‘، ولكن ومن الطبيعي ثمة انتشار للجيش اللبناني قرب هذه الجسور التي تفصل المنطقة الحدودية عن مناطق صيدا والزهراني والنبطية، لذلك فإن الجيش يتلقى إنذاراً بالإخلاء من خلال قوات ’اليونيفيل‘، وهذا ما حصل في طيرفلسيه منذ أيام عدة، إذ أبلغت إسرائيل ’اليونيفيل‘ بنيتها تدمير جسر طيرفلسيه - الزرارية فحذرت ’اليونيفيل‘ الجيش اللبناني ودعته إلى مغادرة الجسر قبل استهدافه، وبعد استهدافه بقيت نقطة الجيش خلفية"، وتابع قشمر "نحن في وحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات قضاء صور قمنا بإحصاء سريع وتبين لدينا وجود 16 ألف نازح مسجلين بصورة رسمية في قضاء صور، وتحديداً في البرغلية والعباسية ومدينة صور، منهم نحو 3600 نازح في 11 مركز إيواء، والباقون ينتشرون في داخل المدينة ومحيطها بأرقام كبيرة، يضاف إلى أن نسبة كبيرة من سكان مدينة صور لم تغادر بيوتها، وما حصل من تهديدات بالإخلاء شكل إرباكاً موقتاً، ومن نزح عاد قسم كبير منهم، لكن بعد الكلام عن قطع الجسور غادرت عائلات قليلة ولم تسجل حال نزوح كبيرة أو خانقة".
تجارب سابقة
وأكد قشمر أنه "حتى تنقطع صور ومنطقتها عن شمال الليطاني يحتاج الأمر إلى تدمير الجسور الرئيسة الخمسة"، لافتاً إلى أننا عايشنا هذا الوضع في حرب يوليو عام 2006، بعد قطع جسور طيرفلسيه - الزرارية والقاسمية وقاعقعية الجسر والخردلي، "فاستحدثت على الفور ممرات فرعية أو عبارات من أنابيب ضخمة في النهر وجرى الردم فوقها حتى تمكن الناس من عبورها. وأتذكر أنه في خلال هذه الحرب، أحضر لنا الصليب الأحمر الدولي مادة المازوت (ديزل)، فمددنا أنبوباً فوق بقايا الجسر كي نؤمن المازوت إلى مستشفيات صور، وهكذا فلعنا في نقل مادة الطحين فوق الأكتاف لرجال قطعوا النهر على أقدامهم من جهة إلى أخرى". وختم قشمر "حتى الآن معظم الأمور تحت السيطرة لجهة تأمين المنطقة بكل ما يلزمها من مساعدات للصامدين هنا ومواد غذائية ومحروقات وغيرها"، مستبعداً "أن يلجأ سكان المنطقة إلى استخدام المراكب في العبور من جنوب الليطاني إلى شماله في ما لو قطعت الجسور النهرية. لم يسبق وأن جرى أمر مماثل في الحروب السابقة إبان قطع الجسور والطرقات، ونعلم أن الصيادين البحريين، منذ بدء الحرب الأخيرة من نحو ثلاثة أسابيع، لا يجرأون على التوجه نحو عمق البحر أو حتى إلى مسافة قريبة من المدينة والساحل بسبب تعرضهم سابقاً للاستهداف، والتهديدات بالإخلاء وعدم التحرك تشملهم هم أيضاً بخاصة إذا ما قطعت الجسور فوق نهر الليطاني، فمن يجرؤ عندها على التنقل بالمراكب؟".

إسرائيل تقوم بـ حرب جسور حنوباً (اندبندنت عربية)

قطع جسر القاسمية جنوب لبنان في حرب 2006 (ا ف ب)
الخيام | khiyam.com
تعليقات: