خليل كاعين: لبنان بين حرب الآخرين وعجز الدولة.. وجع وطن عالق بين خيارين

الدكتور خليل كاعين: يعيش اللبنانيون اليوم حالة يأس غير مسبوقة، دولة عاجزة، ومجتمع منقسم. يشعر الناس أنهم محاصرون بين خيارات مستحيلة وأنّ بلادهم تُستخدم ساحةً لصراعات الآخرين
الدكتور خليل كاعين: يعيش اللبنانيون اليوم حالة يأس غير مسبوقة، دولة عاجزة، ومجتمع منقسم. يشعر الناس أنهم محاصرون بين خيارات مستحيلة وأنّ بلادهم تُستخدم ساحةً لصراعات الآخرين


مرةً أخرى، تعود إسرائيل إلى حربها ضد لبنان.

ومهما تعدّدت الذرائع، يبقى جوهر الأمر أنها حرب على لبنان: كلّ قطرة دم تُراق هي خسارة للبنان، وكلّ حجر يُهدم هو خسارة للبنان قبل أي اعتبار آخر.

صحيح أنّ المواجهة هذه المرة تحمل عنوان الانتقام لمقتل مرجعية إيرانية، وإسنادًا لإيران في وجه عدوّ لبنان الدائم. ومن الطبيعي، من حيث المبدأ، أن تدافع الدولة عن أرضها وشعبها مهما غلت التضحيات. إلا أنّ الواقع أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل عوامل عديدة تجعل السلطة وقواها الأمنية في حالة تردّد وحيرة.

فعدم الردّ يُظهر الدولة بمظهر العاجز أو المتخاذل، وربما المتواطئ. أما خيار المواجهة، فيصطدم بجملة اعتبارات خطيرة:

أولًا، إنّ هذه الحرب، كما يُعلن، تأتي في سياق إقليمي يتجاوز لبنان، وقد أُطلقت بقرار من قوى خارجة عن إطار الدولة. وهنا تبرز معضلة أساسية: كيف للدولة أن تمنع استخدام سلاح غير شرعي في ظلّ مواجهة مفتوحة مع عدوّ خارجي؟ معادلة شبه مستحيلة، فيما يبقى لبنان، دولةً وشعبًا، الخاسر الأكبر.

ثانيًا، تشير الوقائع إلى أنّ شريحة واسعة من اللبنانيين ترفض هذه الحرب، ما ينذر بخطر انقسام داخلي قد يطال المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الجيش. ويُفاقم هذا الخطر التلويح باستخدام القوة في الداخل، وما قد يترتّب عليه من زعزعة للاستقرار الهشّ أصلًا.

ثالثًا، يتجاوز الخلاف البُعد العسكري إلى بُعدٍ ثقافي واجتماعي. فالكثير من اللبنانيين يرون في ارتباط حزب الله بإيران مشروعًا يحمل نمطًا فكريًا وحياتيًا مختلفًا، يُثير مخاوف المكونات الأخرى. ويشعر هؤلاء بأنّ هناك محاولة لفرض هذا النمط، بما يهدد خصوصيات المجتمع اللبناني وتعدديته، ويُعمّق الانقسام بدل احتوائه.

في خضمّ هذه المعطيات، يجد اللبناني نفسه عالقًا بين خيارين كلاهما مرّ:

إمّا الوقوف في صفّ مواجهة العدو، رغم ما تحمله من توريط للبنان في حرب لا قرار له فيها، أو الاصطفاف خلف دولة عاجزة عن بسط سلطتها أو حماية سيادتها.

فعلى مستوى الواقع، تبدو المواجهة العسكرية بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله، الذي أعلن صراحةً أنّها تأتي في سياق دعم إيران. وفي المقابل، ترى شريحة واسعة أنّ هذه الحرب زُجّ فيها لبنان دون مصلحة وطنية واضحة، ما يُنذر بانقسام خطير قد يمتدّ إلى مختلف مؤسسات الدولة.

أما الدولة، التي يُفترض أن تكون الجهة الوحيدة المخوّلة الدفاع عن السيادة، فهي اليوم منهكة: اقتصاديًا، سياسيًا، وعسكريًا. جيشها يعاني نقصًا في العتاد، وسلطتها موضع تشكيك داخلي وخارجي، خاصة في ظلّ عدم قدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها، كما تنصّ القرارات الدولية.

في المقابل، تبدو إسرائيل مستفيدة من هذا الواقع، حيث تُشكّل الحرب فرصة لإضعاف لبنان، وتهديد جنوبه، وربما فرض وقائع جديدة على الأرض. وحتى لو توقّفت الحرب، فإنّ كلفة الدمار والنزوح والخسائر البشرية تبقى كارثة يصعب تعويضها.

وفي خضمّ هذا الدمار، تجد الدولة نفسها مضطرة لطلب التهدئة أو التفاوض. والمفارقة أنّ إسرائيل، التي طالما سعت إلى مفاوضات مباشرة، ترفضها اليوم، واضعةً شروطًا تعجيزية، أبرزها نزع سلاح حزب الله، ما يجعل أي تسوية في ظلّ الحرب شبه مستحيلة.

الأكثر إيلامًا هو الانقسام النفسي لدى اللبنانيين:

فهم، من جهة، يفرحون لأي خسارة يتكبّدها العدو، ومن جهة أخرى، لا يُبدون تعاطفًا مع خسائر حزب الله، نتيجة تراكمات من الخطاب السياسي والاستفزازي، ومن الحروب السابقة التي كلّفت لبنان أثمانًا باهظة، بشريًا واقتصاديًا.

لقد دفع اللبنانيون ثمنًا كبيرًا في حروب لم يختاروها، من حرب “إسناد غزة” إلى المواجهات الحالية، مرورًا بالخسائر الكبيرة في الأرواح والبنية التحتية، وصولًا إلى الانهيار الاقتصادي وسرقة أموال المودعين وانتشار الفساد.

اليوم، يعيش اللبناني حالة يأس غير مسبوقة.

شباب ضائع، طبقة وسطى منهارة، دولة عاجزة، ومجتمع منقسم. يشعر الناس أنهم محاصرون بين خيارات مستحيلة، وأنّ بلادهم تُستخدم ساحةً لصراعات الآخرين.

في ظلّ هذا الواقع، يبدو لبنان كأنه عالق في دوّامة لا مخرج منها، فيما يستفيد العدو من انقسامه وضعفه.

مستقبل غامض، ومخيف، يلوح في الأفق، فيما يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك اللبنانيون القدرة على استعادة وطنهم من قبضة الصراعات الخارجية والانقسامات الداخلية؟

دكتور خليل كاعين

تعليقات: