إسرائيل تتّجه إلى احتلال قرى الحافّة الحدوديّة جنوب لبنان


ذكرت هيئة البثّ الإسرائيليّة أنّ الجيش الإسرائيليّ يعمّق توغّله في جنوب لبنان، بمشاركة عدّة ألويةٍ قتاليّة. ونقلت الهيئة عن مصدرٍ عسكريٍّ قوله إنّ "عمل القوّات البرّيّة في جنوب لبنان سيكون مشابهًا لعمليّاتها في مخيّم جنين"، مضيفًا: "نقوم بما كان يجب على الجيش اللبنانيّ القيام به في جنوب لبنان".

كما نقلت "هيئة البثّ الإسرائيليّة" عن مصدرٍ عسكريٍّ تأكيده أنّ الجيش سيواصل السّيطرة على جنوب لبنان "حتّى إيجاد جهةٍ تمنع حزب الله من العمل هناك". وأضافت الهيئة أنّ ستّة ألويةٍ تعمل على عمق ستّة كيلومتراتٍ داخل جنوب لبنان.

وأشارت أيضًا إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ "قام بإخلاء جنوب لبنان من السّكّان للعمل بحرّيّة"، معتبرةً أنّ "أيّ تحرّكٍ في تلك المنطقة يعدّ هدفًا". وتأتي هذه التّطوّرات في ظلّ استمرار التّصعيد الميدانيّ على الجبهة اللّبنانيّة الجنوبيّة، وسط تزايد المخاوف من اتّساع رقعة المواجهات.

وأعلنت "هيئة البثّ الإسرائيليّة" أنّ المستوى السّياسيّ سيوجّه الجيش إلى السّيطرة على قرى الخطّ الأوّل في جنوب لبنان. وينذر هذا التوجّه، إذا ما تأكّد ميدانيًّا، بمرحلةٍ جديدةٍ من التّصعيد على الجبهة الجنوبيّة اللّبنانيّة، عنوانها الانتقال من توسيع التوغّلات والضّغط النّاريّ إلى محاولة فرض سيطرةٍ مباشرةٍ على القرى الحدوديّة المتاخمة للخطّ الأوّل، في خطوةٍ قد تعيد رسم مشهد المواجهة في الجنوب، وتدفع نحو وقائع ميدانيّةٍ أكثر خطورةً وثباتًا.

وقد جاء ذلك بالتزامن مع تقارير موثوقةٍ أفادت بأنّ إسرائيل أكثر من ضاعفت حضورها العسكريّ على طول الحدود اللّبنانيّة منذ مطلع آذار، وبأنّ قوّاتها تواصل التقدّم البطيء تحت غطاءٍ كثيفٍ من القصف الجوّيّ والمدفعيّ، مع تركيزٍ خاصٍّ على بلدة الخيام ومحيطها.

التّطوّرات الميدانيّة

ميدانيًّا، تتّسع رقعة الاشتباكات في جنوب لبنان مع تعدّد محاور القتال ومحاولات التقدّم البرّيّ، إذ سعت القوّات الإسرائيليّة إلى التوغّل من القطاع الغربيّ عبر تلّة اللّبّونة ومحوري راميّة ومروحين، ومن القطاع الأوسط عبر عيترون ومارون الرّاس، فيما سجّل دخول قوّةٍ إسرائيليّةٍ إلى أطراف عيتا الشّعب، بالتزامن مع غاراتٍ جوّيّةٍ مكثّفة.

وفي موازاة ذلك، تتواصل المعارك في بلدة الخيام، مع اتّساع التحرّكات العسكريّة على المحاور الحدوديّة، حيث سجّل تحرّك رتلٍ من الدبّابات الإسرائيليّة من مرتفعات كفرشوبا باتجاه أطراف بلدة حلتا مرورًا بمنطقة شانوح، وسط قصفٍ مدفعيٍّ استهدف كفرشوبا وكفرحمّام، بما يوحي بمحاولة فتح محور ضغطٍ جديدٍ في القطاع الشّرقيّ.

وتنسجم هذه التحرّكات مع ما نقلتْه "رويترز" عن عمليّات تفتيشٍ من منزلٍ إلى منزلٍ في قرًى أخليت من سكّانها، ومع تقديراتٍ تشير إلى سعي إسرائيل إلى التوغّل وصولًا إلى ما دون نهر اللّيطاني، أو فرض حزامٍ عازلٍ بالنّار والاحتلال المباشر.

وفي هذا السّياق، دفع الجيش الإسرائيليّ قوّاتٍ إضافيّةً إلى جنوب لبنان، في خطوةٍ تهدف إلى توسيع العمليّة البرّيّة وتعميقها. وأعلن الجيش الإسرائيليّ أنّ قوّات الفرقة 36 بدأت في الأيّام الأخيرة تنفيذ "نشاطٍ برّيٍّ مركّز" في جنوب لبنان إلى جانب قوّات الفرقة 91، وذلك "لتوسيع نطاق منطقة الدّفاع الأماميّ، وإزالة التهديدات، وإنشاء طبقةٍ أمنيّةٍ إضافيّةٍ لسكّان الشّمال".

كما قال إنّ عمليّاته البرّيّة الجديدة ترمي إلى تحقيق "هدفٍ إضافيٍّ" في جنوب لبنان، من دون أن يحدّده، الأمر الذي يعزّز الانطباع بأنّ المؤسّسة السّياسيّة والعسكريّة في إسرائيل تتّجهان إلى تثبيت موطئ قدمٍ طويل الأمد داخل القرى الحدوديّة اللّبنانيّة، لا إلى تنفيذ غاراتٍ محدودةٍ فحسب.

إسرائيل عازمةٌ على الاحتلال

وزاد من دلالات هذا المنحى ما أعلنه مؤخرًا رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، إيال زامير، حين وصف جبهة لبنان بأنّها "جبهةٌ مركزيّةٌ أخرى إلى جانب جبهة إيران"، في إشارةٍ تعكس بوضوحٍ ربط تل أبيب بين المعركة في الجنوب اللّبنانيّ والمواجهة الإقليميّة الأوسع.

وبحسب تغطياتٍ دوليّةٍ متقاطعة، فإنّ إسرائيل تدير عمليّتها في لبنان ضمن استراتيجيّةٍ من مرحلتين، تقوم الأولى على احتلال أراضٍ جنوب اللّيطاني، وتقوم الثّانية على إنشاء منطقة مراقبةٍ وهيمنةٍ ناريّةٍ تحول دون عودة الوضع الحدوديّ إلى ما كان عليه.

ويأتي هذا كلّه في ظلّ تصعيدٍ جوّيٍّ متواصلٍ، إذ كثّفت إسرائيل، اليوم الأربعاء، ضرباتها على بيروت والجنوب، واستهدفت جسرين فوق نهر اللّيطاني، بعد سلسلة ضرباتٍ سابقةٍ طالت جسورًا وممرّاتٍ حيويّةً، قالت إنّها تستخدم لقطع خطوط الإمداد.

لكنّ هذا المسار فاقم المخاوف من عزل الجنوب عن باقي المناطق اللّبنانيّة، ومن تدهور الوضع الإنسانيّ مع استمرار النّزوح الواسع. ووفقًا لـ"رويترز"، أسفرت الحرب المتجدّدة منذ 2 آذار عن أكثر من 900 قتيلٍ في لبنان، ونزوح نحو مليون شخص، فيما حذّرت تقارير أخرى من أنّ توسيع العمليّة البرّيّة قد يفتح الباب أمام احتلالٍ طويلٍ، أو فرض تسويةٍ سياسيّةٍ تحت ضغط النّار.

"السّيطرة على الخطّ الأوّل"

وبذلك، لا تبدو الإشارة إلى "السّيطرة على قرى الخطّ الأوّل" مجرّد تفصيلٍ عسكريٍّ عابر، بل مؤشّرًا إلى انتقال إسرائيل نحو مقاربةٍ أكثر وضوحًا في الجنوب اللّبنانيّ، قوامها تثبيت احتلالٍ ميدانيٍّ لقرًى حدوديّةٍ، وتوسيع منطقة العزل بالقوّة.

وإذا استمرّ هذا المسار، فإنّ الجنوب اللّبنانيّ يكون قد دخل فعلًا مرحلةً أشدّ خطورةً، تتجاوز الاشتباكات الحدوديّة التّقليديّة إلى محاولة فرض واقعٍ جديدٍ على الأرض، بالقوّة العسكريّة المباشرة.


تعليقات: