
الشاعرة هدى صادق: هؤلاء الذين يقفون في ليل الخيام ليسوا مجرد مقاتلين عابرين.. إنهم ملائكة هذه الأرض وحرّاس تراب الجنوب
حين نتحدّث عن الليل في الخيام فنحن لا نصف مكانًا فقط بل حالة كاملة من الوجود
الخيام في تلك الساعات ليست مدينة عادية
تصبح أرضًا بين شيئين بين صمتٍ ثقيل يسبق العاصفة، وبين نارٍ يمكن أن تشتعل في أي لحظة
الليل حالك
لا ضوء أعمدة كهرباء، ولا نوافذ بيوت ولا حتى القمر قادر على أن يشقّ الغيوم الثقيلة
المطر ينزل ببطءٍ أولًا ثم يتحوّل إلى خيوط باردة تضرب الأرض والتراب والصخور
الريح تمرّ بين التلال كأنها أنفاس قديمة للمعركة
نحن نجلس خلف تلّة صغيرة أو جذع شجرة صامدة وسط الوادي
الأرض مبتلّة والطين يلتصق بالملابس، لكن أحدًا لا يهتم
في أيدينا الكلاشينكوف
السلاح الذي يصبح في تلك اللحظة امتدادًا للجسد لا مجرّد قطعة حديد
إلى جانبنا الجعب المليئة بالمخازن
كل مخزن هو احتمال حياة واحتمال موت
نحن سبعة أو ثمانية بالكثير
مجموعة صغيرة بالكاد تُرى في ظلام الوادي
أحد الإخوة يحمل رشاش BKC مثبتًا على الأرض ماسورته موجّهة نحو الطريق الذي قد يظهر منه الجنود
إلى جانبه رامي B7 يمسك القاذف وكأنه يحمل قرارًا ثقيلا قذيفة واحدة منه يمكن أن تغيّر مسار الاشتباك
أما البقية فكلّهم بالكلاشين
عيونهم على الطريق وأصابعهم قريبة من الزناد دون أن تضغط
أمامنا، في الجهة الأخرى من الوادي تتحرّك وحدة إسرائيلية كاملة بعتادها
دبابات ميركافا ثقيلة رشاشات مركّبة أجهزة رؤية ليلية وطائرات مسيّرة تدور في السماء مثل عيونٍ لا تنام
وفوق ذلك كله الطيران الحربي صوته لا يغادر السماء
المدفعية تضرب بلا انقطاع كل تلّة في الخيام تُقصف
كل وادٍ، كل حجر كل مساحة يمكن أن يختبئ فيها إنسان
الأرض ترتجف أحيانًا تحتنا كأنها تتنفس بصعوبة
ومع ذلك يبقى الإنسان ثابتًا
ليس لأن الخوف غير موجود
الخوف حاضر واضح صادق
لكن خلفه يقف شيء أعمق
إحساس بأنك أصبحت جزءًا من هذه الأرض التي تحتمي بها
أحيانًا يلتفت أحدنا إلى الآخر دون كلام
مجرد نظرة قصيرة تكفي
قبل لحظات كان أحد الإخوة يتحدث بهدوء
ثم تسقط قذيفة قريبة ويصمت صوته فجأة
لا وقت للصراخ
ولا وقت للحزن
الحزن ينتظر ما بعد المعركة
نبقى في أماكننا نراقب الطريق
نهمس في قلوبنا بالدعاء نفسه
يا رب دعهم يقتربون أكثر
دعهم يصلون إلى نقطة المقتل
وحين تقترب الظلال
وحين يصبح وقع الأقدام واضحًا بين الحجارة
يخرج الصوت الذي يكسر الصمت أخيرًا
يا صاحب الزمان
في تلك اللحظة يبدأ كل شيء
رامي الـ B7 يطلق القذيفة الأولى فتشقّ الظلام مثل برقٍ قريب
ثم ينفجر صوت BKC، وتبدأ الكلاشينات بالرمي من كل الجهات
يتحوّل الوادي فجأة إلى عاصفة من الرصاص والصدى
تختلط صرخات الجنود مع هدير الدبابات مع أزيز الطائرات المسيّرة مع شخرة الصواريخ وهي تهبط من السماء
هل سمعت يومًا صوت صاروخ قبل أن يصيب الأرض
إنه صوت يشبه الهواء وهو يتمزّق
تخيّل ذلك الصوت
مع هدير الطيران الحربي فوقك
مع انفجار القذائف حولك
مع صدى الرصاص في الجبال
مع ارتجاف الأرض تحت الدبابات
كل ذلك يحدث في اللحظة نفسها
وفي وسط هذا الجنون الكامل
يحدث شيء غريب في داخل الإنسان
يهدأ
يصبح كل شيء واضحًا بشكل غير متوقّع
تعرف فقط لماذا أنت هنا
ربما ينجو بعضنا حتى الصباح
وربما يفطر على التمر والماء في موقعه بلا سحور ولا نوم
لكن المعنى الذي يبقى ثابتًا في قلوبنا بسيط جدًا
أن تبقى هذه الأرض كما هي
وأن لا يتقدّم العدو
ولو شبرًا واحدًا
فهكذا هي الخيام
أرضٌ لا تسلّم ترابها للعدو
أرضٌ لا ترحمه إذا حاول أن يقترب
وهؤلاء الذين يقفون في ليلها
ليسوا مجرد مقاتلين عابرين
إنهم ملائكة هذه الأرض
حرّاس تراب الجنوب
رجالٌ تعلّموا أن يمشوا نحو النار بثبات
وأن ينظروا إلى الموت دون أن يهابوه
لأنهم يعرفون شيئًا واحدًا فقط
أن هذه الأرض
لا تُترك
بقلمى إبنة الخيام هدى صادق
الخيام | khiyam.com
تعليقات: