
للمرّة الثانية على التوالي، يتحوّل كورنيش بيروت البحري إلى ملاذٍ مفتوح للنازحين الذين قصدوه من كلّ حدبٍ وصوب، هربًا من ليلٍ أثقلته الغارات والخوف. هنا، يصبح الإسفلت أكثر رأفةً من معظم أصحاب البيوت والفنادق الذين يرفعون أسعار الإيجارات إلى مستوياتٍ جنونيّة مع كلّ موجة نزوح. واقعٌ لم يعد مستجدًّا، بل صار جزءًا من ذاكرة جماعيّة تختبرها المدينة في كلّ تصعيد، حتّى بات بعض الناس يحفظون السيناريو عن ظهر قلب: نزوحٌ مفاجئ، أسعارٌ مضاعفة، أبوابٌ موصدة، وأرصفةٌ تتحوّل إلى غرف نومٍ موقّتة.
كثيرون لا يسألون عن الأسعار، يعرفون الجواب سلفًا. يتجنّبون الإحراج، ويتفادون خيبةً جديدة ربّما لا يحتملها قلبٌ مثقلٌ بالخوف. يمضون مباشرةً نحو البحر، إلى مساحةٍ عامّة لا تسأل عن هويّاتهم ولا عن قدراتهم على الدفع.
في جولةٍ قصيرة على الكورنيش، يبدو التناقض اللبنانيّ فاقعًا من دون أيّ ”فلتر“. هناك من يمارس رياضته الصباحيّة مستمتعًا بأشعة الشمس الساطعة والطقس الدافئ، يركض بخفّةٍ على وقع موسيقى تنساب في أذنيه، يلتقط صورًا للشروق وينشرها على وسائل التواصل. وعلى مقربةٍ منه، عائلاتٌ أنهكها صقيع الليل بمحاذاة البحر، تفترش الأرض أو تبقى داخل سياراتٍ ضاقت بأجسادٍ كثيرة، تخبّئ وجوهها من شمس الصباح التي أيقظتها باكرًا من تعبها، بعد ساعاتٍ من نومٍ متقطّع لا يشبه النوم.
تحت سماء واحدة
تجلس أمٌّ قرب الرصيف، تحاول أن ترتّب شعر طفلتها بأصابع مرتجفة من البرد. يلحق طفلٌ صغير بدرّاجةٍ هوائيّة تعبر أمامه، قبل أن تعيده نظرة والده الحازمة إلى جانب السيّارة. يختلط صوت ضحكات العدّائين بصوت سعال مسنٍّ قضى ليلته جالسًا في المقعد الأماميّ، كي يترك مساحةً أوسع لأحفاده في الخلف.
المشهد ذاته ينسحب على المقاهي المجاورة. شبّانٌ يضعون حواسيبهم المحمولة في أحضانهم، وسمّاعاتٍ لاسلكيّة في آذانهم، يحتسون قهوتهم الدافئة في سكينةٍ تامّة، يتحدّثون عن اجتماعاتٍ ومشاريع ومواعيد. وفي المقابل، عائلاتٌ نازحة تستأذن أصحاب المقاهي والمطاعم في استخدام المرحاض، أو تشتري زجاجة ماء أو قطعة حلوى تجنّبًا للإحراج، وكأنّها تحاول أن تبرّر وجودها في مساحةٍ يفترض أن تكون عامّة ومشتركة.
”أنا أستاذ مدرسة“، يقول رجل سبعينيّ لـ ”مناطق نت“، نزح من منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبيّة. يقدّم صفته المهنيّة قبل أيّ شيء، كأنّه يضع بطاقة تعريفٍ غير مرئيّة تسبقه، خشية أن يُختزل بمظهره المتعب. يشيح بنظره نحو البحر ويتحدّث عن الليلة التي قضوها في السيارة، ”بيتهم الجديد“، على قارعة الطريق، مع أولاده وأحفاده. ”نحن كذا عيلة وكذا سيارة“، يقول، مشيرًا بيده إلى صفّ سيّارات مركونة في محاذاة الرصيف.
فقط خرجنا
يصف الصقيع الذي نخر عظام أولاد ابنته، أحفاده، بملابسهم الخفيفة، وكيف حاولوا تدفئتهم بما تيسّر من ستراتٍ وأغطيةٍ كانت في صندوقة السيّارة. ”لم نخرج معنا شيء… فقط خرجنا“، يضيف، في جملة تختصر ارتباك اللحظة الأولى للنزوح، حين لا يكون أمام الإنسان سوى النجاة.
تتدخّل زوجته لتروي كيف قصدوا مبنىً مجاورًا بحثًا عن غرفةٍ للإيجار. ”ردّ المالك ببرودٍ نافيًا وجود أيّ غرفة شاغرة“، تقول، وتصمت قليلًا قبل أن تضيف: ”قرعتُ الأبواب، ولم يكن أحد في الداخل“. بين البرود والصمت، تتراكم خيباتٌ صغيرة فوق خوفٍ أكبر، ويتحوّل البحث عن غرفةٍ إلى اختبارٍ قاسٍ للكرامة.
لا تقتصر الصورة على عائلةٍ واحدة. مئات العائلات تواجه المصير نفسه: انتظارٌ مفتوح على المجهول، حقائب صغيرة لا تحتوي إلّا على ما هو ضروريّ، وأطفالٌ يسألون عن موعد العودة إلى البيت. بعضهم يحاول التواصل مع أقارب في مناطق أبعد، وبعضهم ينتظر خبرًا يبدّد القلق، أو هدنةً تعيدهم إلى منازلهم، ولو كانت متصدّعة.
مدينة بإيقاعها المعتاد
في المقابل، تمضي المدينة بإيقاعها المعتاد. تمرّ سياراتٌ فارهة بمحاذاة سياراتٍ تحوّلت إلى غرف نوم. يتوقّف عدّاء ليلتقط صورةً للبحر، فيما تحاول أمٌّ إقناع طفلها بأنّ السيّارة ”مغامرة قصيرة“ وليست نزوحًا جديدًا . يتجاور الركض والارتجاف، القهوة الدافئة والسيّارات الباردة، ألحان فيروز، وأنين ليلةٍ لم تنتهِ بعد.
هكذا، يصبح الكورنيش البحريّ أكثر من مساحةٍ عامّة. يصير مرآةً مكبّرة للتناقض اللبنانيّ: قدرة مذهلة على الاستمرار وكأنّ شيئًا لم يكن، في مقابل عجزٍ مؤلم عن احتضان بعضنا بعضًا في لحظات الانكسار.
وبينما ينتظر النازحون أفقًا لم يتّضح خيطه بعد، يبقى البحر شاهدًا صامتًا على موجات نزوحٍ تتكرّر، وعلى مدينةٍ تتعلّم في كلّ مرّة كيف تتعايش مع المأساة… من دون أن تعتادها تمامًا.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: