كامل جابر: العملية البرية في جنوب لبنان.. إلى أين ستصل الدبابات الإسرائيلية؟

إذا اضطرت إسرائيل إلى تثبيت خطتها بالمنطقة العازلة يمكن أن تلجأ إلى اجتياح بري (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)
إذا اضطرت إسرائيل إلى تثبيت خطتها بالمنطقة العازلة يمكن أن تلجأ إلى اجتياح بري (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)


استدعاء نحو 100 ألف جندي إسرائيلي احتياط على وقع اشتداد الحرب في جبهة الشمال

ملخص

في الأيام الماضية كانت هناك قناعة لدى الجميع بأن عملية إسرائيلية برية ستنفذ جنوب لبنان خلال ساعات وربما أيام، من دون أن تتضح تفاصيلها وإلى أين يمكن أن تصل.

على وقع الغارات المستمرة على جنوب لبنان، وبقاعه شرقاً، والضاحية الجنوبية لبيروت، أفادت الإذاعة الإسرائيلية الرسمية بأن قوات برية إسرائيلية دخلت الجنوب اللبناني وتحديداً لناحية بلدتي كفركلا والقوزح، فيما أفادت وكالة "رويترز" بأن الجيش اللبناني انسحب من سبعة مواقع عمليات أمامية في الأقل على الحدود، تقع في بلدات عيتا الشعب والقوزح ودبل ورامية وعين إبل ورميش.

مشهدية رسخت قناعة الجميع بأن عملية إسرائيلية برية قد بدأت جنوب لبنان وستتطور خلال ساعات وربما أيام، من دون أن تتضح تفاصيلها بعد وإلى أين يمكن أن تصل.

لن يختلف اثنان حول إذا ما كانت إسرائيل قد حضرت نفسها للهجوم على لبنان، قبل إطلاق "حزب الله" مجموعة من الصواريخ باتجاهها وبعد إطلاقها، فقد أجمعت تصريحات القادة الإسرائيليين على عبارة "كل الخيارات مطروحة في شأن هجوم بري في لبنان"، ودعمت ذلك بإعلان قيادة الجيش الإسرائيلي، الأحد الماضي عن استدعاء نحو 100 ألف جندي احتياط، في إطار تكثيف استعداداته بمختلف القطاعات ضمن العملية العسكرية التي بدأها صباح السبت مع الولايات المتحدة ضد إيران.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان، إنه "أقام غرف عمليات متقدمة على الحدود مع لبنان وسوريا لمتابعة الأوضاع، وعزز وجوده العسكري على الحدود الشرقية ودفع بقوات التدخل السريع ورفع حال التأهب على الجبهات كافة، وعمل على تدعيم قواته في المنطقة الشمالية، بما في ذلك المواقع الحدودية ومنطقة التأمين بجنوب سوريا ولبنان، مع فتح غرف عمليات في التجمعات السكانية هناك ولضمان سرعة اتخاذ القرار وتعزيز أمن سكان الجليل والجولان"، وفق ما جاء في البيان.

وأضاف أن قيادة المنطقة الوسطى للجيش الإسرائيلي "عززت انتشارها وركزت جهودها على العمل الهجومي، إلى جانب تدعيم الحماية في التجمعات السكانية وعلى الحدود الشرقية وخط التماس".

لخلق منطقة عازلة؟

هذه التصريحات وسرعة الرد الإسرائيلي على صواريخ الحزب بقصف ضاحية بيروت الجنوبية بناءً على أهداف محددة سابقاً، ثم توجيه إنذار لسكان نحو 53 بلدة وقرية جنوبية تقع عند الحافة الأمامية من الحدود المشتركة مع لبنان وفي الخط الخلفي الأول بضرورة إخلاء منازلهم والابتعاد عنها نحو 1000 متر، جعلت المحللين اللبنانيين من إعلاميين وسياسيين وعسكريين يقرأونها في أن إسرائيل ماضية في خلق منطقة عازلة بين لبنان والمستوطنات الإسرائيلية، مهدت لها منذ ما قبل حرب الـ66 يوماً بين الـ23 من سبتمبر (أيلول) 2024 والـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) منه، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار برعاية أميركية وفرنسية، وما أتبعته إسرائيل بفترة تخللتها عمليات اغتيال وقصف وتدمير، طاولت عشرات البلدات الجنوبية والبقاعية وحتى العاصمة بيروت طوال 15 شهراً.

وليل أمس، أوردت وسائل إعلام إسرائيلية أنه تمت الموافقة على خطة شاملة ومفصلة للعمليات في لبنان على مدى أيام طويلة عند الضرورة، ثم وجه الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً إلى سكان لبنان وتحديداً في 29 بلدة حدودية، مما دفع بغالبية سكان هذه البلدات لإخلائها فوراً.

وجاء في بيان الإنذار "من أجل سلامتكم عليكم إخلاء منازلكم فوراً والانتقال شمالاً إلى ما وراء خط القرى المحددة في الخريطة ومحيطها".

وإذا ما عدنا إلى موقع هذه البلدات المنذرة بالإخلاء، وهي الظهيرة وطيبة والناقورة والجبين ومطمورة وعديسة وبيت ليف وبليدا وبني حيان وبنت جبيل وحولا وحنين وطير حرفا ويارون ويارين وكفر كلا ومحيبيب وميس الجبل ومروحين ومارون الراس ومركبا وعيناثا وعيتا الشعب وعيترون وعلما الشعب ورب ثلاثين ورامية وشيحين وطلوسة والخيام، فنجد أنها جميعها تقع عند الخط الأمامي من الحدود، وتعرضت لتدمير منهجي أطاح بنحو 80 و90 في المئة من أبنيتها السكنية والتجارية والإدارية والبنى التحتية فيها، ولم يعد إليها منذ قرار وقف إطلاق النار ومن ثم الهدنة إلا عدد قليل من سكانها، بعدما أعاق الإسرائيليون هذه العودة بالتهديد والوعيد، ومنعوا الراغبين بالعودة من إعادة تعمير ما تهدم بوسائل شتى، منها الاستهداف المدفعي أو الجوي، أو من خلال التسلل إليها وتفخيخ البيوت قبل نسفها، ناهيك بقصف الجرافات والحفارات التي كانت تحاول إزالة الركام تمهيداً لإعادة التعمير.

فيما استفاق لبنان صباح الثلاثاء على إنذار جديد بإخلاء 50 قرية وبلدة غالبيتها في قضاء النبطية، وبذلك يرتفع عدد القرى والبلدات التي طالب الجيش الإسرائيلي بإخلائها إلى 122، منذ بدء جولة الحرب الجديدة.

استعداد إسرائيلي مسبق

وفي السياق أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أنه "بناء على تقييم الوضع: قوات الجيش الإسرائيلي شرعت في عملية للدفاع الأمامي عن بلدات الشمال"، وأضاف أدرعي "بالتوازي مع نشاط الجيش الإسرائيلي في إطار عملية زئير الأسد تعمل قوات الفرقة 91 في هذه الأثناء في منطقة جنوب لبنان وتتمركز في عدد من النقاط الاستراتيجية في المنطقة، وذلك في إطار تعزيز منظومة الدفاع الأمامي".

رداً على سؤال حول نية إسرائيل في القيام باجتياح بري لجنوب لبنان، وتحديداً جنوب الليطاني، يعلق العميد المتقاعد في الجيش اللبناني حسن بشروش، الذي شغل موقع رئيس الفريق اللبناني لترسيم الحدود ورئيس اللجنة الثلاثية التقنية لترسيم الحدود بين 2006 و2017 بالقول "إسرائيل لا يكذب عنها شيء، وهذا نلاحظه من رد الفعل الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في أعقاب إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، إذ قامت طائراته بقصف ضاحية بيروت الجنوبية قبل توجيه أدنى إنذار، وهذا يدل على استعداد مسبق وتخطيط لعمل عسكري كبير قبل انطلاق الصواريخ، واضح أن الأميركيين والإسرائيليين حضروا ضمن خطة مدروسة منذ أمد بعيد على نحو تلك التي أعدت تجاه إيران، وكان الأمر يحتاج إلى مجرد فرصة أو حجة".

لبنان يحظر نشاطات "حزب الله" الأمنية والعسكرية "فورا"

وأضاف العميد بشروش "رأينا كيف منعت إسرائيل إعادة التعمير في القرى التي هدموها على طول الخط الأمامي من الحدود، وهذا كان يوحي منذ بدء إسرائيل بتنفيذ مشروعها التدميري بنيتها في تحقيق حزام حدودي خال من السكان. قبل إطلاق الصواريخ بدأت إسرائيل تنشر أخباراً عن حشود لجيشها عند الحدود الشمالية، وتحدثت عن 100 ألف جندي بعدما استدعت جنود احتياط ثم أوردت كثيراً من الأخبار التي تهدد بين الاجتياح والاقتحام وبين الإعلان عن عمل عسكري لتنظيف مناطق جنوب الليطاني والقضاء على قدرات الحزب وتنفيذ خطة مسبقة، وترافق ذلك مع تحرك آليات برية قرب عديسة والخيام، كل ذلك جرى التخطيط له مسبقاً".

وبتقدير العميد بشروش أن المنطقة ذاهبة إلى وضع صعب وضبابي، من إيران إلى لبنان، وفق تخطيط معين جرى التحضير له، والواضح أن الأميركيين والإسرائيليين ماضون في مشروعهم المعد لمنطقة الشرق الأوسط لتعزيز مصالحهما الاقتصادية والتوسعية بحروب عسكرية، وما يحمل من تحد للصين وروسيا والسيطرة من خلال الحرب على إيران على منافذ المنطقة.

القصة ليست نظيفة

يشير العميد بشروش إلى أن "الـ53 بلدة وقرية التي شملتها إنذارات الإخلاء الإسرائيلية هي تلك القرى التي تقع عند الحافة الأمامية وفي الخط الثاني من الحدود، وهي بمعظمها تقع جنوب نهر الليطاني، وإسرائيل بذلك تدفع سكان هذه القرى إلى إخلائها التام ثم تلجأ لاحقاً إلى منعهم من العودة إليها. هي تمارس عليهم حرباً نفسية تحقق مرادها من خطط معدة سلفاً، أما ما حصل من استهدافات وغارات فتطبيق لبنك من المعلومات المعدة سلفاً، وتقوم إسرائيل بكثير من الأحيان بتنفيذ أجندتها المقررة من دون إنذار مسبق، وبشكل تسارعي غير منطقي، وليس هناك من يردع أو يحاسب".

ويوضح العميد بشروش أن "خط القرى التي يدعو الجيش الإسرائيلي سكانها إلى إخلائها، تشكل خطاً حدودياً يمتد من القطاع الشرقي من الخيام وكفركلا في قضاء مرجعيون مروراً بقطاع الوسط وقضاء بنت جبيل، وصولاً إلى الناقورة في القطاع الغربي بقضاء صور، ثم الخط الثاني الذي يشكل الجزء الرئيس من جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى منطقة النبطية. وبحسب الادعاء الإسرائيلي فإن هذه القرى الواقعة جنوب النهر وشماله تشكل خطراً على سكان المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، لذلك يسعى المشروع الإسرائيلي من خلال إخلاء هذه القرى والبلدات ومنع إعادة التعمير وتدمير ما تبقى من أبنية وبنى تحتية في الخط الذي بدأوا به منذ 2023 وصولاً إلى اليوم، إلى تنفيذ مشروعهم الواضح"، وتابع "صحيح أنهم يهددون بالتقدم البري لكنهم يسعون من وراء ذلك إلى إخافة سكان هذه القرى ومنعهم من العودة. انتهت الحرب في نوفمبر 2024 وتلتها مهلة هدنة شهرين متتاليين ثم مدة عام كامل منعوا في خلالها أياً كان من بناء بيت واحد في هذه البلدات الحدودية، بل راحوا يدمرون ما تبقى من بيوت غير مهدمة تباعاً، وكانت تشير الأخبار المتواترة في كل يوم إلى الفعل الإسرائيلي التدميري المتلاحق بنسف البيوت وتدميرها. هم يحققون منطقة عازلة أمنية تمهيداً لمشاريع مستقبلية، إذ كثيراً ما جرى الحديث عن منطقة اقتصادية حرة خالية من السكن".

إسرائيل تخطط وتنتظر

يقول الباحث السياسي والأستاذ المحاضر في الجامعات اللبنانية نسيب حطيط إن "إسرائيل تنتظر فرصة أو ذريعة حتى لو كانت من صنعها، كي تنفذ ما تخطط لها بادعاء أنها قامت بما قامت به رداً على شيء حصل، وهذا جرى عام 1982 وقبلها 1968 خلال قصف مطار بيروت وفي كثير من الحروب التي نفذتها على لبنان، هي تخطط وتنتظر، وإذا ما تحرك الطرف الخصم تخترع حجة بنفسها لتنفيذ مآربها".

ويضيف الباحث حطيط "بما أن نية تل أبيب قائمة فقد أعلنت أنها استقدمت إلى الحدود مع لبنان 100 ألف جندي احتياط، هذا يعني بالاستقراء والتحليل أن 100 ألف جندي، مع ما يحيط غزة من هدنة قائمة ووقف لإطلاق النار، وأن الجبهة الثانية السورية هي خارج النقاش وبات الجنوب السوري لإسرائيل وهي فيه تسرح وتمرح، وكذلك الأردن ومصر، فكل الجبهات البرية المحيطة بإسرائيل مقفلة، ولم يبق جبهة برية مشرعة سوى جبهة لبنان، وإيران لا علاقة مباشرة لها بالجبهة البرية، فـ100 ألف جندي احتياط لمن؟ لذا هنا سيقول الحزب إن الدور سيعود عليه بعد الانتهاء من إيران، وإذا ما تم القضاء على النظام الإيراني، فلا بد من الاجتثاث الكامل للحزب ووجوده في لبنان".

ويوضح الباحث حطيط أن "الجيش اللبناني ولاعتبارات وطنية بين ضباطه وجنوده، واعتبارات موضوعية وواقعية، لا يرغب ولا يستطيع اجتثات القوة المسلحة للحزب في لبنان، فتلجأ إسرائيل إلى إعادة تنفيذ السيناريو الذي قامت به في اجتياح عام 1982 تجاه المقاتلين الفلسطينيين الذين جرى نفيهم إلى خارج لبنان".

احتلال بلا جنود

ويشير الباحث حطيط إلى أن "لدى إسرائيل مشكلة، وهي أنها لا تريد الغوص في موضوع الاحتلال المباشر للأرض ونشر جنود ومدرعات ومواقع، لأنها وبعد تجربتها مع اللبنانيين ستتعرض لما تعرضت له سابقاً، فتذهب باتجاه الاحتلال من دون جنود، وتحقيق سياسة الأرض المحروقة، أي ممنوع على سكان المنطقة الحدودية العودة إليها، وبما أنها قضمت ما بين 14 و20 قرية حدودية تسعى إلى قضم 30 قرية جديدة بغية توسعة المنطقة العازلة كي تصل إلى جنوب الليطاني أو في الأقل إلى الخط الواقع بين حدود مستعمرة مسكاف عام نحو الخردلي قرب الليطاني، فتأخذ خطاً موازياً له وصولاً إلى البحر قرب الناقورة، وتصبح هذه المنطقة معزولة خالية من السكان، أو منطقة فصل بين أي وجود مدني أو عسكري لبناني وبين حدود فلسطين المحتلة".

ويضيف حطيط "إذا اضطرت إسرائيل إلى تثبيت خطتها بالمنطقة العازلة يمكن أن تلجأ إلى اجتياح بري محدود، للتثبيت وليس للإقامة والسيطرة المباشرة، ولهذا نرى الإنذار بالإخلاء، وإخلاء القرى من ناسها لإعادة سيناريو الـ14 قرية التي لم تستطع أن تدمرها، فدمرتها في فترة الهدنة بعد انسحاب عناصر الحزب من القرى الأمامية، لذلك تسعى الآن إلى إخلائها من السكان في ظل عدم الوجود الميداني البري لعناصر الحزب في هذه القرى، وعندها ستكرر هذا الأمر".

ورأى الباحث حطيط في "قرار الحكومة اللبنانية كمن يسعى إلى التقاط فرصة أو لحظة في جعل القوة المسلحة للحزب خارجة على القانون وغير شرعية، إنه كمن يقدم التبرير لإسرائيل في ما تنفذه من اغتيالات لعناصر الحزب وهذا خطر جداً".

الغارات الإسرائيلية طالت عشرات القرى في جنوب لبنان خلال ساعات (ا ف ب)
الغارات الإسرائيلية طالت عشرات القرى في جنوب لبنان خلال ساعات (ا ف ب)


عشرات آلاف الجنوبيين غادروا مناطقهم بعد إنذارات إسرائيلية (ا ف ب)
عشرات آلاف الجنوبيين غادروا مناطقهم بعد إنذارات إسرائيلية (ا ف ب)


تسود خاوف في لبنان من تنفيذ إسرائيل عملية برية كبيرة (ا ف ب)
تسود خاوف في لبنان من تنفيذ إسرائيل عملية برية كبيرة (ا ف ب)


تعليقات: