
ليست الوحدة العربية صدى خطابةٍ عابرة، ولا فكرةً مثالية تُزيّن الصفحات، بل هي نبضٌ يتجدّد كلما اهتزّت أرضٌ عربية تحت وطأة اعتداء، وكلما ارتفع سؤال الكرامة في وجه العواصف. إنها الوعي العميق بأن السيادة لا تُختزل في حدودٍ مرسومة، بل تُصان بإرادةٍ جماعية ترى في أمن كل دولةٍ عربية جزءًا لا يتجزأ من أمن الجميع.
العرب، بتاريخهم المتصل ولسانهم الذي صاغ الشعر والفكر، ليسوا كياناتٍ منفصلة تتجاور، بل نسيجًا حيًّا إذا مُسّ طرفه اضطرب كله. وحين يقع أي عدوان، وخصوصًا في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي الذي ترك أثره في الضمير الجمعي، فإن المسألة لا تُقرأ بمنطق الانفعال، بل بمنطق المبدأ: حق الشعوب في الأمن، وحق الدول في السيادة، وضرورة الاحتكام إلى القانون الدولي والشرعية الأممية.
الوحدة في هذا السياق ليست دعوةً إلى التصعيد، بل إلى موقفٍ مسؤولٍ متوازن، يرفض الاحتلال والاعتداء، ويتمسك في الوقت ذاته بمرجعية القانون والحلول السياسية العادلة. فالقوة التي تنفلت من الضابط القانوني تُغرق المنطقة في دوامةٍ لا تنتهي، أما القوة المنسّقة، المستندة إلى الشرعية، فتتحوّل إلى عنصر استقرار وردعٍ مشروع يفتح أبواب السلام بدل أن يغلقها.
وفي عمق الرؤية، الوحدة ليست ذوبانًا للهويات، بل تكاملًا راقيًا يحفظها ويعزّزها. لكل دولة عربية خصوصيتها، لكن اجتماع الإرادات يمنحها وزنًا مضاعفًا: موقفًا دبلوماسيًا أكثر حضورًا، صوتًا سياسيًا أشدّ تأثيرًا، واقتصادًا قادرًا على الصمود أمام الضغوط. فالنهضة لا تولد في بيئةٍ من الانقسام، بل في فضاءٍ من الثقة والتنسيق والتخطيط المشترك.
العالم المعاصر تحكمه التكتلات الكبرى، ومن يبقَ متفرقًا يتضاءل أثره. أما حين تتوحّد الكلمة العربية في مواجهة أي عدوان، فإنها لا تعلن صراعًا مفتوحًا، بل تؤكد أن أمن المنطقة يجب أن يقوم على العدالة والاعتراف بالحقوق المشروعة، لا على فرض الأمر الواقع بالقوة. الوحدة هنا تُعيد التوازن إلى المعادلة، وتُذكّر بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على الإلغاء، بل على احترام الإنسان وكرامته.
والوحدة، إذا ما أُحسن بناؤها، تتجاوز بعدها السياسي لتصبح مشروعًا حضاريًا شاملًا: تنسيقٌ دبلوماسي فاعل، تكاملٌ اقتصادي يفتح الأسواق ويعزز التنمية، استثمارٌ في التعليم والتكنولوجيا، وبناءٌ لمؤسساتٍ مشتركة تُدير الخلاف بعقلانية وتُطفئ شرارة التوتر قبل أن تستعر. عندها تتحول الوحدة إلى رافعة ازدهارٍ حقيقي، لا مجرد ردّ فعلٍ على أزمة طارئة.
وفي بعدها الأخلاقي، تستمد الوحدة العربية نورها من قيمٍ حضارية عميقة رسّخت مفاهيم العدل ونصرة الحق والسعي إلى الإصلاح. هذا النور ليس خطابًا وجدانيًا، بل قاعدة عملٍ واقعية تُترجم إلى سياساتٍ مسؤولة تُعلي شأن الإنسان وتحمي الاستقرار. فحين تكون الكرامة معيار القرار، يصبح السلام هدفًا قابلًا للتحقق، لا أمنية مؤجلة.
الوحدة العربية ليست شعار مواجهة، بل مشروع كرامةٍ جماعية. ليست دعوة صراع، بل رؤية سلامٍ عادلٍ متوازن، يرفض الاعتداء ويطالب بالحقوق ضمن إطارٍ قانوني واضح. وعندما تتلاقى الإرادات العربية على قاعدة التنسيق والتكامل واحترام السيادة، يصبح التضامن درعًا يحمي من العدوان، وجسرًا يعبر بالمنطقة إلى أفقٍ أرحب من الاستقرار والنمو.
وحين يدرك العرب أن قوتهم في اجتماعهم، وأن حضورهم الدولي يتعزز بتماسكهم، وأن مستقبلهم الاقتصادي مرهونٌ بتكاملهم، تتضح الصورة: أمةٌ تعرف حقها وتطالب به بوعي، تحمي أرضها بالقانون، وتبني نهضتها بالتعاون، وتسير نحو سلامٍ عادلٍ بثقةٍ لا تتزعزع.
راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني مختص في الذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات

الخيام | khiyam.com
تعليقات: