
هل يمكن فهم التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران فقط من زاوية البرنامج النووي؟
أم أن الجغرافيا نفسها تخفي سببًا أعمق لهذا الصراع؟
قراءة جيوسياسية في موقع إيران داخل شبكة الممرات التجارية التي أصبحت أحد ميادين المنافسة العالمية بين القوى الكبرى.
كيف تحولت إيران إلى العقدة المركزية في حرب الممرات بين الصين والولايات المتحدة الاميركية؟
بقلم: مي حسين عبدالله
في الجغرافيا السياسية، هناك دول تصنع الأحداث، وهناك دول تصنع الطرق التي تعبرها الأحداث. وإيران، بحكم موقعها بين آسيا الوسطى والخليج والشرق الأوسط، تنتمي إلى الفئة الثانية. فهذه الدولة لا تشكل مجرد لاعب إقليمي في الشرق الأوسط، بل عقدة جغرافية تتقاطع عندها طرق التجارة والطاقة التي أصبحت اليوم محورًا للتنافس العالمي بين القوى الكبرى.
خلال العقود الماضية، ارتبط التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أساسًا بملف البرنامج النووي الإيراني وبالانعكاسات الأمنية لهذا الملف على توازنات الشرق الأوسط. غير أن قراءة جيوسياسية أوسع تكشف أن موقع إيران نفسه يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى هذا الصراع. فهذه الدولة تقع عند نقطة تقاطع بين آسيا الوسطى والخليج والقوقاز وتركيا، ما يجعلها جسرًا بريًا محتملًا بين شرق آسيا وأوروبا.
فالجغرافيا الإيرانية ليست جديدة في أهميتها، لكن معناها الاستراتيجي يتغير مع كل مرحلة تاريخية. واليوم، مع صعود مشاريع الممرات التجارية العابرة للقارات، يعود هذا الموقع ليحتل مكانًا متقدمًا في حسابات التنافس بين القوى الكبرى.
مع صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية، بدأت هذه الجغرافيا تكتسب أهمية أكبر. فقد أطلقت بكين مشروعها الضخم المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع يهدف إلى بناء شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وفي قلب هذه الشبكة تظهر إيران كواحدة من أهم العقد البرية التي يمكن أن تمر عبرها طرق التجارة القادمة من آسيا الوسطى نحو الشرق الأوسط والبحر المتوسط.
فالممرات البرية التي تربط الصين بآسيا الوسطى يمكن أن تتجه جنوبًا نحو إيران، ومنها إلى تركيا وأوروبا، أو نحو الخليج العربي وموانئه. بهذا المعنى، تتحول إيران إلى نقطة عبور استراتيجية بين عدة فضاءات جغرافية في آن واحد: آسيا الوسطى، الخليج، القوقاز، والشرق الأوسط.
وقد اكتسب هذا البعد أهمية إضافية مع توقيع اتفاق تعاون استراتيجي طويل الأمد بين الصين وإيران عام 2021، وهو اتفاق يعكس إدراك بكين لأهمية هذا الموقع في شبكتها الاقتصادية العابرة للقارات. فالصين لا تنظر إلى إيران فقط كسوق أو شريك اقتصادي، بل كجزء من البنية الجغرافية التي يمكن أن تربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى صعود الصين باعتباره التحدي الاستراتيجي الأكبر للنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة. ومع انتقال التنافس بين القوى الكبرى إلى مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، أصبحت السيطرة على الموانئ والممرات التجارية وخطوط الطاقة جزءًا أساسيًا من هذا الصراع.
من هذه الزاوية، لا يبدو التوتر بين واشنطن وطهران مرتبطًا فقط بالبرنامج النووي أو بالتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، بل أيضًا بالموقع الجغرافي الذي قد يحول إيران إلى عقدة مهمة في شبكة طرق التجارة التي تسعى الصين إلى بنائها عبر القارات.
وتكشف التوترات التي تظهر أحيانًا على امتداد هذه الممرات عن هشاشة البيئة الجيوسياسية التي تمر عبرها. فالتصعيد الذي شهدته الحدود بين باكستان وأفغانستان في الآونة الأخيرة يسلّط الضوء على حساسية بعض المناطق الواقعة على مقربة من المسارات التي تعتمد عليها الصين في ربط آسيا بالشرق الأوسط. وفي فضاء جغرافي تتقاطع فيه مشاريع الطرق مع تعقيدات الحدود والجماعات المسلحة، يمكن لأي اضطراب محلي أن يكتسب أبعادًا تتجاوز نطاقه المباشر.
لهذا السبب، لم تعد الجغرافيا مجرد خلفية للأحداث الدولية، بل أصبحت جزءًا من أدوات الصراع نفسها. فالمنافسة بين القوى الكبرى لم تعد تُدار فقط عبر التفوق العسكري، بل عبر القدرة على التحكم في الطرق التي تعبرها التجارة والطاقة بين القارات.
من هذه الزاوية، تبدو إيران أكثر من مجرد دولة تواجه ضغوطًا سياسية أو اقتصادية. إنها عقدة جيوسياسية تقع عند تقاطع طرق التجارة الكبرى في عالم يشهد تحولًا متزايدًا نحو صراع صامت على الممرات.
وقد يكون الملف النووي هو العنوان الأكثر حضورًا في الخطاب السياسي، لكن الجغرافيا تظل العامل الأعمق الذي يفسر لماذا تحولت هذه الدولة إلى نقطة ارتكاز في واحدة من أهم معادلات التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.
ففي عالم تتشكل موازين قوته حول الموانئ والمضائق والممرات البرية، قد لا يكون السؤال فقط من يمتلك القوة العسكرية، بل من يملك مفاتيح الطرق التي تعبرها التجارة بين القارات.
#إيران
#الجغرافيا_السياسية
#طريق_الحرير
#الصراع_الدولي
#السياسة_الدولية
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: