مي عبدالله: كيف تُدار الحرب بلا حرب؟


(قراءة توعوية سياسية)

لم تعد الحروب تبدأ بالقنابل فقط، بل تبدأ اليوم بالخبر والمنشور والفيديو على السوشيال ميديا. فجأة تمتلئ الصفحات بكلام عن "الضربة القريبة"، و"الرد خلال ساعات"، و"المنطقة على شفير الانفجار".

يعيش الناس أجواء الحرب وهم في بيوتهم، قبل أن تقع أي حرب فعلية. هنا لا تكون المعركة في السماء أو على الأرض، بل في العقول والأعصاب.

في هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف كسر الجيوش فقط، بل إرهاق الناس نفسيًا: تخويفهم، جعلهم يتوقعون الأسوأ دائمًا، وإقناعهم أن الخطر قريب مهما حدث. عندما يخاف الإنسان، يقلّ تفكيره، ويصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي خبر، وأكثر قابلية لتقبّل أي قرار باسم "الظرف الخطير".

تُدار هذه الحرب بلا حرب عبر أدوات بسيطة لكنها مؤثرة:

سيل أخبار لا ينتهي، عناوين مخيفة، صور صواريخ وطائرات، وتسريبات بلا مصدر واضح. عبارات مثل: "الليلة"، "خلال ساعات"، "الرد قادم" تُستخدم لإبقاء الناس في حالة توتر دائم. المشكلة ليست في معرفة الخبر، بل في طريقة تقديمه، حيث يتحول من معلومة إلى وسيلة تخويف.

سياسيًا، هذا الأسلوب يفيد من يريد شدّ الناس خلفه أو تبرير خطواته. اقتصاديًا، يفيد شركات السلاح وكل ما يرتبط بالحرب والأمن. إعلاميًا، يفيد الصفحات التي تعيش على التفاعل والمشاهدات، لأن الخوف يجلب التعليقات والمشاركات أكثر من الهدوء. وهكذا يصبح القلق نفسه مادة تُستعمل وتُستثمر.

أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط احتمال الحرب، بل ما تفعله فكرة الحرب بحياة الناس اليومية: توتر دائم، عصبية، نوم متقطع، وانشغال مستمر بمتابعة الأخبار. مع الوقت، يعتاد الإنسان على العيش تحت الضغط، ويصعب عليه التمييز بين خبر حقيقي وتحليل مبالغ فيه أو تهويل مقصود.

لم يعد السؤال المهم: هل ستقع الحرب؟

بل السؤال الأهم: ماذا تفعل بنا أخبار الحرب ونحن نراها كل يوم؟

في زمن تُدار فيه المعارك عبر الإعلام والسوشيال ميديا، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول. التوعية لا تعني إنكار الخطر، بل فهمه من دون تهويل، ومتابعة الأخبار من دون الوقوع في فخ الخوف. لأن الحرب حين تُدار بلا حرب، تبدأ أولًا في الرأس لا في الميدان.

ومن موقعي في الإرشاد النفسي والتربوي، أرى أن أخطر ما تفعله أجواء الحرب ليس القصف، بل القلق المستمر الذي يربك التفكير…. لذلك، قد يكون من المفيد أن نتوقف لحظة، لا لنهرب من الواقع، بل لنحمي وعينا منه. فحماية الوعي ليست موقفًا سياسيًا، بل حق إنساني بسيط.

دليل عملي: كيف تحمي وعيك من حرب الإدراك؟

1- لا تصدّق كل ما تقرأه فورًا.

ليس كل منشور خبرًا، وليس كل خبر صحيحًا. اسأل دائمًا: من نشره؟ ولماذا الآن؟

2- انتبه للغة التخويف.

كل خبر فيه: "الليلة"، "الضربة الحتمية"، "انتهى الوقت" غالبًا يريد شدّ أعصابك أكثر مما يريد إخبارك.

3- فرّق بين الخبر والتحليل.

الخبر يقول: ماذا حدث.

التحليل يقول: ماذا يمكن أن يحدث.

الخلط بينهما يجعلك تعيش في سيناريو لم يقع بعد.

4- لا تجعل السوشيال ميديا مصدر معلوماتك الوحيد.

السوشيال ميديا تضخّم وتبالغ، لأنها تبحث عن التفاعل لا عن الطمأنينة.

5- اسأل نفسك: من المستفيد من خوفي؟

سياسي؟ إعلامي؟ تجاري؟

هذا السؤال وحده يخفف نصف التلاعب.

6- عِش حياتك رغم الأخبار.

العمل، العائلة، الروتين اليومي ليست هروبًا من الواقع، بل حماية لك من أن يتحول الخوف إلى أسلوب حياة.

خلاصة الكلام ، في زمن تُدار فيه الحروب بالمنشورات والعناوين، حماية العقل أهم من متابعة كل خبر، والوعي هو أول أشكال الدفاع عن النفس.

***

#الوعي

#حرب_الإدراك

#كيف_تُدار_الحروب

#إدارة_الخوف

#الإرشاد_النفسي

#السوشيال_ميديا

#مي_حسين_عبدالله

تعليقات: