
اطل علينا شهر رمضان المبارك حاملاً معه نسائم الخير والبركة، فهو محطة سنوية للتزود الروحي، وشحن الإيمان، ومراجعة الذات لكل مؤمن ومؤمنة. إنه شهر التكافل الذي تُقال فيه العثرات، وتُسند فيه مؤسسات المجتمع الأهلي لتقوم بدورها في رعاية المحتاجين.
غير أننا، وعاماً بعد عام، نجد أنفسنا نبتعد عن حقيقة هذا الشهر المتمثلة في البساطة، والتقوى، والتدبر، وصلة الأرحام. وبدلاً من ذلك، غرقنا في بحر من السطحيات والشكليات التي تبتعد بنا تماماً عن الحكمة المتوخاة من الصيام.
لقد تحول رمضان في وعي الكثيرين إلى مرادفٍ للاستهلاك المفرط والهدر؛ فأصبح شهر الإسراف في المآكل والمشارب، وموسماً للبرامج التلفزيونية التي تسرق وقت العبادة، وانحدرت "السهرات الرمضانية" لتصبح انغماساً في الملذات. وفي مفارقة حزينة، نرى الشحاذين يملأون الطرقات، بينما تُستغل قدسية الشهر لرفع الأسعار واحتكار السلع، لتجد العائلات نفسها مضطرة لرمي فائض طعامها في النفايات بعد تلفه نتيجة غياب الخدمات الأساسية كالتبريد والكهرباء.
أما المظاهر الدعائية، فقد تحولت إلى ساحة للتنافس غير المنضبط؛ حيث تتسابق الجمعيات الدينية والاجتماعية في حجز جدران الشوارع باللافتات والأعلام دون ترخيص، والمؤسف حقاً هو ترك هذه الشعارات لتمزقها الرياح والأمطار بعد انقضاء الشهر، لتتحول العبارات الرصينة، التي قد يحمل بعضها آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، إلى مناظر مشوهة لا تليق بقدسيتها.
ختاماً، من المحزن أن تتحول "الإفطارات الرمضانية" من منصات للتراحم والتسامح إلى منابر للمناكفات السياسية وتصعيد السجالات، متناسين صلة هذا الشهر بعظمة نزول القرآن الكريم.
فلنتوقف عن الإساءة لهذا الشهر الفضيل، ولنعد إليه هيبته وقيمته الروحية، خشية أن تترسخ هذه الصورة المشوهة في أذهان الأجيال القادمة كبديل لجوهر الهدى والإيمان.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: