
الحاج صبحي القاعوري: يقف المودع اليوم أمام جهاز السحب الآلي كما يقف المتسوّل على باب الصدقة، لا لينال حقه، بل ليُمنح ما يشبه وجبة المساجين
لم يعد الحديث عن سرقة أموال المودعين في المصارف اللبنانية جديدًا أو مثيرًا للجدل؛ فقد باتت القصة معروفة للقاصي والداني، مكشوفة التفاصيل، واضحة الملامح. غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز السرقة التقليدية إلى ابتكار فن جديد من فنون النهب المنظّم، يُمارس بهدوء، وبغطاء إداري، وتحت أعين الدولة.
غالبية المودعين هم من المغتربين، تتراوح أعمارهم بين الستين والثمانين عامًا، وأموالهم ليست سوى تحويشة العمر، كما يصفها إخوتنا المصريون. هذه التحويشة ذهبت، بلا مواربة، إلى بطون أصحاب المصارف ومن يقف خلفهم، وعلى رأسهم مصرف لبنان.
يقف المودع اليوم أمام جهاز السحب الآلي كما يقف المتسوّل على باب الصدقة، لا لينال حقه، بل ليُمنح ما يشبه وجبة المساجين:
1200 “لولار” شهريًا، يُقسم قسرًا إلى 800 نقدًا، و400 دولار تُحجز على البطاقة المصرفية، ليُجبر على إنفاقها في الاستهلاك، لا الادخار، ولا الاختيار.
وعند سؤال أحد الموظفين عمّا إذا كان هذا الإجراء اختياريًا أم إجباريًا، يأتي الجواب البارد:
«هذه أوامر المصرف المركزي».
لا نعلم على وجه الدقة مدى صحة التعميم المنسوب إلى حاكم مصرف لبنان، والقاضي بإجبار المودعين على إنفاق 400 دولار شهريًا عبر البطاقات.
لكن، سواء صحّ التعميم أم لم يصح، فإن المؤكد أن هذه سرقة “علمية” ممنهجة تجري بعلم السلطة النقدية، وتحت مرأى ومسمع الحكومة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
من هو صاحب المصلحة؟
من المستفيد من إذلال المودعين والتحكم بلقمة عيشهم؟
هل هو حاكم مصرف لبنان؟
أم أصحاب المصارف؟
أم أن الجميع شركاء في الجريمة؟
لننظر إلى الأرقام، فهي لا تجامل:
عدد المودعين الخاضعين لهذا الإجراء يبلغ 927,363 مودعًا.
وإجبار كل مودع على إنفاق 400 دولار شهريًا يعني ضخّ ما يقارب:
370,945,200 دولار شهريًا قسرًا في السوق.
وإذا احتُسبت عمولة مصرفية بحدّها الأدنى 1%، فإن العائد الفوري يبلغ نحو:
37,094,520 دولارًا شهريًا.
السؤال الأخير، والأكثر فجاجة:
في حساب من تذهب هذه الملايين؟
ومن يحاسب من حوّل أموال المودعين من حقّ مشروع إلى أداة ابتزاز يومي؟
الحاج صبحي القاعوري
الخيام | khiyam.com
تعليقات: