كامل جابر: “صنع في جنوب لبنان”.. مبادرة نسائية من رحم الحرب والمعاناة

رنا تعمل في تدوير الصلصال (اندبندنت عربية)​​​​​​​
رنا تعمل في تدوير الصلصال (اندبندنت عربية)​​​​​​​


رنا تصنع أواني من الصلصال وأماني تسوق إنتاجها من الكروشيه على مواقع التواصل ومعرض في صيدا بعنوان "صنع في الجنوب"

ملخص

بعد انتهائها من تشكيل الطين الطري وتدويره توسم رنا أعمالها بعبارة "صنع في جنوب لبنان" وتقول "أحببت أن أميز أعمالي بتدوين اسم جنوب لبنان عليها، وكي أقول إن هذا الإبداع هو من فعل أبناء الجنوب على رغم الحرب والخسارات التي لحقت ببيوتهم وأرزاقهم ومصالحهم وثروتهم الزراعية والحيوانية".

أطاحت الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 بكثير من المصالح والمؤسسات الاقتصادية ومصادر الدخل، وصولاً إلى الإنتاج الزراعي الذي كان يشكل العمود الفقري للقرى الجنوبية، ولا سيما تلك القريبة من الحدود. وخسر سكان أكثر من 23 قرية وبلدة حدودية مصادر عيشهم بالكامل بعدما حولت نيران الحرب قراهم إلى ركام حتى فاقت نسبة التدمير فيها الـ80 في المئة وربما أكثر.

هذا التراجع في المداخيل والإنتاج انعكس كذلك على بلدات الداخل جنوب نهر الليطاني الخاضع لحيثيات القرار الأممي 1701 وشماله، لذلك انطلقت مبادرات نسائية حولت غرف بيوتهن وباحاتها إلى معامل للإنتاج المحلي على مستويات مختلفة، غذائية وحرفية وما يتعلق بالمؤونة البيتية، وأطلقن صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق منتوجاتهن تحت عنوان "صنع في جنوب لبنان".

في مدينة النبطية عاصمة المحافظة والقضاء، لا يمر شهر منذ توقف حرب الـ66 يوماً بين الـ23 من سبتمبر (أيلول) 2024 والـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه تاريخ إعلان وقف إطلاق النار، إلا وتقام سوق لعرض المنتوجات النسائية في باحات عدد من الجمعيات الثقافية أو المراكز التجارية أو حتى في طرقات الحي القديم المعروف بحي السراي، وتضم بين أجنحتها منتوجات غذائية وأشغال يدوية مختلفة وصناعات بيتية وزراعات نباتية، تنظمها جمعية "تقدم المرأة في النبطية" أو جمعية "جبل عامل"، والغاية منها "دعم المرأة في حركة الإنتاج وتمكينها من الاعتماد على نفسها وتأمين مساحات إبداع لها"، بحسب توصيف جمعية "تقدم المرأة".

ملكت الدنيا بين يديّ

بعد توقف هذه الحرب "الكبيرة" عادت المهندسة رنا طالب مع أولادها الثلاثة لبلدتها معركة في قضاء صور جنوب نهر الليطاني، وقررت أن تخوض تجربة الإنتاج الحرفي اليدوي دعماً لنفسها وأسرتها، فتعلمت كيفية صناعة أباريق وأوانٍ من الصلصال (الفخار) المحلي وكذلك من عجائن طينية مستوردة لصناعة السيراميك، فاتخذت من شقة تعود لشقيقها معملاً في البلدة، وبدأت تنفذ حلمها الإبداعي والإنتاجي.

تقول رنا "تخوض المرأة الجنوبية تحديات، في طليعتها الحرب الإسرائيلية التي لا تتوقف منذ أعوام وأعوام، والصعوبات الجمة إضافة إلى عدم الاستقرار، لذلك لجأتُ إلى الإنتاج البيتي المنظم كإعداد المؤونة البيتية أو أشغال حرفية مثل ’الكروشيه‘ والأعمال الخشبية والطينية. أظن أن صناعة الفخار من قبل النساء جديدة على إنتاج المرأة في جنوب لبنان، إذ كانت تهتم بشؤون أخرى كالزراعة مثلاً، وأتمنى لهذه الحرفة الانتشار لما تحويه من جمال وترتيب وتحققه من راحة نفسية للعاملين فيها، إذ يرون أمام أعينهم كيف يصنعون فناجين وأدوات وأشكال أنيقة، بخاصة أنها تصدر من هنا في الجنوب، وهذه بالنسبة إلي إنجاز كبير يشعرني بأنني ملكت الدنيا بين يديّ".

اشترت رنا العدة المتواضعة اللازمة لتدوير الصلصال وعجائن الطين، ساعدها في ذلك زوجها المسافر إلى أفريقيا للعمل هناك، ولم تكتفِ بتصنيع الأشغال اليدوية بل راحت تنقل هذه الحرفة لكل ساعٍ إلى التدرب عليها، خصوصاً النساء. "بدأت أنتج كميات كبيرة بعدما بات اسمي معروفاً لدى كثرٍ وبعدما أنشأت صفحة للتسويق على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنفذ كثيراً من الأشياء والأشغال بناء على الطلب والمواصفات".

بعيداً من أخبار الحرب

لدى رنا ثلاثة أطفال، كبيرتهم تبلغ الـ13، والصغيرة ست سنوات وأوسطهما صبي يبلغ الـ10 من العمر.

تقول "أولادي كانوا السبب في التعرف إلى هذه الحرفة، بخاصة ابني إذ كان كثير الحركة لا يهدأ، فوجد في تصنيع الأشغال ملاذه وبات يساعدني أو يصنع بنفسه كثيراً من الأشكال الطينية. أعتقد بأن الشغل بالطين يبعث في النفس شيئاً من الراحة، بخاصة أن العامل فيه لا يخضع لقوانين محددة، بل يتيح لليدين تنفيذ ما يدور بالفكر، وفيه شيء من الحرية. لذلك عندما لجأت إلى حرفة الطين امتنعت عن الاستماع إلى الأخبار وصرت أفرغ وقتي النفيس لهذا الأمر، فأنفصل عما حولي من أخبار حزينة في مجملها وعن التوتر، يكفي أنك متى جلت جنوباً لا حديث بين الناس إلا الحرب، هنا حدثت غارة، هناك مسيّرة اغتالت أحداً، والناس لا تزال مأخوذة بحرب لم تنتهِ بعد، وتخاف من حصولها مجدداً ومن النزوح ومراراته".

قررت رنا ألا تستمع إلى أخبار الحرب "لأنها أخبار مقلقة، ومن مصلحة أولادي الابتعاد من أجواء الحرب بعدما عانوا كثيراً، واليوم بعد كل الذي مر بنا من أجواء الحرب أراهم كيف يتوترون بسرعة ويخافون. وعندما أكون في المعمل وأشتغل بالطين، حتى طنين الطائرات المسيّرة التي تشكل رعباً للناس العاديين عودت نفسي على عدم سماعه، أسمع الناس كيف يشكون من أصواتها لكنني لم أعُد أسمعها، ربما أقلق أكثر من سماع صوت الطيران الحربي لأن غاراته مدمرة، إنما تبقى أهدافه محددة، لكن بالمجمل وجدت أن العمل في صناعة الفخار خفف عني كثيراً من أوجاع الحرب وتداعياتها النفسية".

تشير رنا إلى أن "المرأة الجنوبية انتظمت منذ زمن بعيد في حركة الإنتاج وتعزيز مداميك البيت والأسرة، ففي محيطي نساء كثيرات يعملن في مجالات عدة، في التدريس والتعليم وفي صناعة المؤونة والمواد الغذائية وفي إعداد خبز الصاج وفي الحرف اليدوية، بل إن الغالبية الساحقة من النساء هن من العاملات في شؤون مختلفة، فمتطلبات الحياة، ولا سيما في أجواء الحرب الدائمة، جعلت المسؤوليات على عاتق المرأة كبيرة جداً، ولم يعُد الرجل قادراً وحده على تأمين ظروف عيش ملائمة لعائلته، بخاصة بعد الأزمة الاقتصادية الخانقة".

وبعد انتهائها من تشكيل الطين الطري وتدويره، توسم رنا أعمالها بعبارة "صنع في جنوب لبنان" وتقول "أحببت أن أميز أعمالي بتدوين اسم جنوب لبنان عليها، وكي أقول إن هذا الإبداع هو من فعل أبناء الجنوب على رغم الحرب والخسارات التي لحقت ببيوتهم وأرزاقهم ومصالحهم وثروتهم الزراعية والحيوانية. إن الإبداع والإصرار على الإنتاج والعطاء يمثلان الصورة الحقيقية لأبناء الجنوب، إذ يصنعون من الضعف قوة. هناك صديقة لي مقيمة في الكويت، أوصتني بأن أصنع فخارة لها وأدمغها بعبارة صنع في جنوب لبنان".

وتتذكر رنا "منذ ولدت لم تتوقف الحرب، تأتينا بصور كثيرة ومتقطعة، لكنها لم تتوقف، ومنذ أعوام كثيرة ما زلنا ننزح ونهجر وتدمر بيوتنا وقرانا وتحرق أرزاقنا ومزروعاتنا ويقتل أحبابنا وأقرباؤنا، وعلى رغم كل ذلك ننهض من جديد ونعود للحياة".

من "الكروشيه" قوة

في النبطية وقرب أبنية دمرتها الغارات الإسرائيلية خلال حرب الـ66 يوماً أو قبلها، تعرض أماني سلمان إنتاجها من حرفة "الـكروشيه" (حياكة الخيطان الملونة) التي تنفذ بالصنارة فضلاً عن مكرمات (هي أربطة تنفذ باليدين)، وأنشأت لصناعتها اليدوية صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق أعمالها.

تقول أماني "بدأت بالحياكة منذ نحو ثلاثة أعوام، إنما على نطاق ضيق، لكن في أعقاب الحرب وجدت نفسي ألجأ إلى هذا الميدان بحركة إنتاج دائمة. أنفذ أعمالاً بناء على الطلب بعدما بات لي زبائن في مختلف المناطق اللبنانية من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، وأنفذ تصاميم معينة يختارونها، مع الألوان الملائمة والخيطان. إضافة إلى ذلك، أقيم دورات تدريب، وما يلفت اهتمامي ويعجبني أن الأولاد الصغار، بخاصة الفتيات، من عمر ثماني سنوات وما فوق، يأتون للتعلم على حياكة ’الكروشيه‘، ما من شأنه إبعادهم من توتر الحرب والأجهزة الإلكترونية والـ’سوشيال ميديا‘، والاستفادة من أوقاتهم بإبداعات جميلة وتنفيس طاقات لديهم".

وترى أماني أن "حرفة ’الكروشيه‘ استعادت وهجها والطلب عليها وتوسعت أسواقها من جديد، وغدت موضة متداولة بصورة يومية، حتى في دور الأزياء العالمية، إذ أدخلت في كثير من الأبواب". وتسوّق أماني إنتاجها من "الكروشيه" على صفحات على مواقع "فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب" و"تيك توك" وتشير إلى أن أسعار إنتاجها "قابلة للنقاش، المهم أولاً أن تعجب القطعة المنفذة مشاهديها وإمكاناتهم، هناك كلف كثيرة لكن أغلى الأشياء التي تحتاج إلى وقت أكثر وأعمال دقيقة، فاللعبة الصغيرة من ’الكروشيه‘ أغلى من الكبيرة، نظراً إلى الدقة واستخدام خيوط صغيرة في التنفيذ وما تحتاج إليه من وقت. لكن بصورة عامة ’الكروشيه‘ في أسواقنا المحلية لن يأخذ حقه الطبيعي من أثمان، مقارنة بتعبه وامتهانه ووقته، وربما نبيع أحياناً بسعر الكلفة".

ولو دمرت الحرب بيتي

تؤكد أماني أن "الحرب تركت أثرها في إنتاجي الخاص من "الكروشيه"، وفي بدايات الحرب توقفت مبيعاتي ومعرضي، لكني بقيت مصرة على الإنتاج والتحدي. لقد دمرت الحرب بيتي القريب من هنا بالكامل، ولولا اللجوء إلى ’الكروشيه‘ كمتنفس للإبداع والإنتاج لكنت انهرت، لقد أخرجت مني الطاقة السلبية وأنصح جميع السيدات بتعلمها، فهي مفيدة على جميع المستويات، النفسية قبل الإنتاجية، وبرهنت مثل هذه الحرف وابتكار مصادر إنتاج بديلة عن تلك التي خسرها الجنوبيون خلال الحرب، وفي طليعتهم المرأة، أن أبناء الجنوب معطاؤون وقادرون على حل أزماتهم، بخاصة جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عليهم وهم جاهزون دائماً للخروج من أجواء الحرب هذه".

لدى أماني زبائن "من هنا، من جنوب لبنان ومن زحلة والبقاع (شرق) ومن الأشرفية (بيروت) ومن مختلف مناطق لبنان. وبعد مشاركتي في معرض حرفي الصيف الماضي في بلدة دير القمر (الشوف)، خرجت بإحساس أكيد أن العمل في الجنوب، تحديداً النبطية يعطي هذه الحرفة مزيداً من المعاني السامية، في أنك من قلب الحرب تصنع المعجزات، وتحول الخوف والقلق إلى إبداع وإلى صناعة ممهورة بأنها صناعة جنوب لبنان. كنت سابقاً أفكر لو أن حرفتي هذه خارج الجنوب الذي يتعرض دائماً للحرب وأخبارها لربما يكون إنتاجي أفضل وسوقي متسعة، لكنني اليوم بتُّ مقتنعة أكثر بأن الإنتاج هنا له نكهة مميزة ولو أن الحرب دمرت بيتي".

ابنتي علمتني "الكروشيه"

لدى أماني ثلاثة أبناء، أكبرهم يبلغ الـ18، وصغيرتهم في الرابعة من عمرها "والكبيرة الوسطى تشتغل ’كروشيه‘ وتنفذ أعمالاً جميلة جداً، وهي أصلاً التي علمتني هذه الحرفة، بعدما تعلمتها من جارتنا التي كانت تمتهن حياكتها وتعلقت ابنتي فيها، ومنها شكلت حافزاً لي وطلبت منها أن تعلمني. بدأ ذلك عام 2017، علمتني أولاً حياكة السنسال من الخيطان، وصرت أتفنن بعدها. كانت أمي وشقيقتي تحيكان الصوف بالخيطان، حاولت تعلمها لكنها لم تعجبني، ووجدت في حياكة ’الكروشيه‘ شغفي، خصوصاً أن ميدانها بات واسعاً وصار عالم الخيطان لا يوصف والحبكات كذلك. أما بضاعة الخيطان ولوازم الحرفة فأستوردها من تركيا، وهنا أو في بيروت توجد متاجر إن احتجت إلى موادها".

تحاول أماني تجاوز تداعيات الحرب التي هدمت بيتها والخروج من آثارها النفسية، لكن "العمل الطويل في الحياكة سبب لي آلاماً في الأصابع واليد. ويقول الطبيب يجب أن أتوقف، لكني لن أستطيع فحياتي أخذت هذا المنحى الذي أحبه ويحبه أولادي. هم اليوم لا يخافون من الحرب، لكن الصغيرة تسألني دائماً عن بيتنا الذي لم يعُد موجوداً، وأردد أمامها أننا سنبنيه من جديد".

المرأة شريكة أساسية

يجهد المهندس حسان قمبر في إقامة المعارض الحرفية والصناعية في مناطق الجنوب، متنقلاً بين صيدا والنبطية، وأقام معرضه الأخير في مدينة صيدا تحت عنوان "صنع في الجنوب".

ويؤكد قمبر أن "للمرأة الجنوبية دوراً فاعلاً في حركة الإنتاج الغذائية والحرفية، ولها مشاركات واسعة في معارضنا ونحن نصر على تشجيعها ودعمها، لذلك نميزها في أي معرض ونساعدها، وهي أثبتت إمكاناتها العالية في الإصرار على الإنتاج والوقوف إلى جانب الرجل وعائلتها. وتتوزع إبداعاتها بين صناعة المواد الغذائية والمؤونة البيتية والحرف اليدوية وحتى في إدارة المؤسسات التجارية والصناعية، ونراها اليوم شريكة أساسية في حلقة الإنتاج الأسرية وفي تحقيق حياة أفضل لأبنائها".

ويرى أن "الحرب تركت آثارها الموجعة والحزينة على المرأة الجنوبية، لكنها جعلتها أقوى على الثبات وإعادة لملمة الخراب في سبيل البناء، ولربما نراها اليوم تنتظم أكثر في حركة الإنتاج كي تخفف عن زوجها وعائلتها ما فقدوه جراء هذه الحرب المدمرة، على حساب وجعها وألم الفقدان، فثمة آلاف الشبان والأطفال ضحايا هذه الحرب والمرأة الجنوبية هي الأم والأخت والزوجة وتحمّلن كل هذه الأعباء".

أماني أثناء حياكتها الكروشيه (اندبندنت عربية)
أماني أثناء حياكتها الكروشيه (اندبندنت عربية)


جانب من منتجات نساء جنوب لبنان (اندبندنت عربية)
جانب من منتجات نساء جنوب لبنان (اندبندنت عربية)


تعليقات: