
ابن زايد يراهن على علاقته بإسرائيل للوقوف في وجه السعودية (أ ف ب)
هجوم إماراتي لافت على الوهابية يشعل مواجهة سياسية مع السعودية، ويكشف تحوّل الخلاف من تنافس على النفوذ إلى صراع على الهوية والدور الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية.
لم تفوّت الإمارات مناسبة لإظهار عدائها لكلّ ما يمتّ بصلة من قريب أو بعيد، إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، حتى لَيمكن القول، بلا مجازفة، إنها الدولة الأكثر عداء للجماعة على وجه الأرض. لكن لم يكن معروفاً أو مألوفاً اتّخاذ أبو ظبي موقفاً كهذا ضدّ الوهابية، التي من «فضائلها» أنها أتاحت للإمارات القيام بدور «الاستراحة» للغربيين الذين عملوا في قطاع النفط السعودي لعشرات السنين. ولذلك، فإن الهجوم الذي أطلقه مستشار رئيس الإمارات، عبد الخالق عبد الله، على «إكس»، على الوهابية التي اتّهمها «ببثّ خطاب التحريض والتشدّد»، معتبراً أن «الوهابي وهابي في الجوهر، حتى وإن تغيّر في المظهر»، وأن «عودة الوهابية وتحالفها مع تيّار ظلامي تعني عودة داعش والإرهاب وإطلاق قوى الفوضى من عقالها من جديد»، يفتح الباب على مرحلة جديدة أكثر عنفاً في الصراع، قد تعني إحراق المراكب مع المملكة.
والهجوم هذا، يضرب عصفورَين بحجر واحد، وذلك عبر اتّهام النظام السعودي بالتحالف مع «الإخوان»، من جهة - ولا سيما في ضوء ما يحكى عن تحالف يتبلور ويضمّ السعودية وباكستان وتركيا وقطر، ضدّ الإمارات وإسرائيل -، وإعادة تسليط الضوء على الهوية الدينية للمملكة، والتي وضع وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، نصب عينيه التخلّص منها وفتح المملكة مجتمعياً، من جهة ثانية. أمّا السبب في التصعيد المستجدّ، فهو محاولة أبو ظبي الردّ على ما خسرته في اليمن، والذي لا تعتبره آخر المطاف، فضلاً عن أنها لم تسلّم بنهائية هزيمتها هناك. فالإمارات جزء من مشروع أكبر منها، لكنها تمثّل رأس حربة فيه؛ وهي تدرك أن ما يمكن أن تقوم به السعودية ضدّها يبقى محدوداً، وأنه من غير المسموح للرياض تهديد نظامها، وبالتالي فإن الخسارة في ساحة معيّنة، تصبح حافزاً للتعويض فيها أو في ساحة أخرى.
الهجوم على الوهابية يكشف حساسية مستجدة في المملكة إزاء طرح من هذا الوزن
الردود السعودية التي تولّتها شخصيات غير رسمية بارزة على وسائل التواصل الاجتماعي، جاءت غاضبة، وتركّزت في المجمل على إنكار وجود مذهب وهابي يُتعبّد به، وعلى أن الهجوم الإماراتي إنما هو هجوم سياسي تُراد به الشيطنة. وكشفت تلك الردود حساسية مستجدّة في المملكة إزاء طرح من هذا الوزن، لا سيما في مرحلة انتقالية تعيشها البلاد على الصعد كافة، وعلى رأسها صعيدا الحُكم والتحوّل المجتمعي المراد أن يكون الخلفية التي يقيم العهد الجديد شرعيته عليها. فالمشروع السعودي يقوم على انتزاع أو استعادة الكثير من الأدوار التي ذهبت إلى الإمارات وغيرها في مرحلة من المراحل، كانت الرياض فيها تقيم توازناً بين حاجتها إلى الانفتاح على الغرب كحليف سياسي، وبين مقتضيات المحافظة على هوية دينية مثّلت واحداً من أقانيم شرعية الحكم المتوارث منذ أن وُجدت السعودية. كما إن المملكة تريد أن تكون هي مركز الثقل الإقليمي الأساسي، على كلّ صعيد، لكن مساعيها إلى إقامة بنية مناسبة لهذا الدور، ما تزال متعثّرة حتى الآن. فالمشاريع العمرانية الكبرى في المملكة «تفركشت» لأسباب مالية، ومشروع التحوّل المجتمعي ما يزال في بدايته، ولا يُعرف بعد ما إن كان سيُكتب له النجاح أم لا، خصوصاً نظراً إلى التاريخ المتزمّت الطويل للمملكة، وإن مثّلت أجواء الترفيه التي تستهوي الشرائح الشابة - التي هي غالبية كبيرة في المملكة - واحداً من العناصر التي يمكن أن تساعد في النجاح.
الواقع أن القمع السياسي والثقافي المفرط منذ تأسيس المملكة، وجد متنفّساً له في اتّجاهَين، أولهما التفلّت من كلّ القيود الاجتماعية عند الخروج من المملكة، أو في السرّ في داخلها، وثانيهما الانتماء إلى المجموعات الإرهابية. الآن، ما يزال القمع السياسي موجوداً، إلّا أن المجتمعي أخذ مساراً معاكساً تماماً، بحيث صار المباح أكبر ممّا يمكن المملكة أن تهضمه دفعة واحدة، وهذا ما يخلق تطرّفاً مكبوتاً آخر، ضدّ التفلّت المجتمعي هذه المرّة. في الحرب الحالية، لا تملك السعودية الكثير من الأسلحة، وإن كان فارق الحجم وحده يضمن لها أن لا تنسحق فيها، في حين أن الخيارات الأكثر عقلانية في ما يخصّ قضايا العرب، مقارنة بخيارات الإمارات المتماهية مع المصلحة الإسرائيلية إلى أبعد الحدود، يمكن أن تعين المملكة على تحقيق مكاسب إضافية، كذلك الذي حقّقته في اليمن. ولعلّ ما يعين الرياض في مهمّتها تلك، وضعها ما صار يمكن تسميته «ثوابت» للانخراط العلني في مسارات من مثل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإن كانت هذه الثوابت تتّصل بإمكانية تسويقها مسارات من النوع المذكور لداخلها المختلف عن الداخل الإماراتي، أكثر ممّا تتّصل بأيّ اعتبار آخر.
ما كان لافتاً بالتزامن مع تصاعد الحرب الكلامية السعودية - الإماراتية، إرجاء زيارة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، زيارته التي كانت مقرَّرة، أمس، إلى أبو ظبي، والاستعاضة عنها بمكالمة بينه وبين نظيره الإماراتي، محمد بن زايد. إذ أصدرت الرئاسة التركية بياناً على «إكس»، عزت فيه التأجيل إلى عارض صحي ألمّ بابن زايد، إلّا أنها حذفته لاحقاً، بينما لم يصدر أيّ توضيح رسمي بشأن صحة الرئيس الإماراتي عن أبو ظبي.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: