الشاعرة هدى صادق: عينان بلون السماء وسماءٌ بلا عدل


كان وجهه صغيرًا على اتساع الفاجعة

كأن السماء اختارت أن تضع زرقتها في عينيه ثم تستردها دفعةً واحدة

عينان صافيتان لا تعرفان خرائط الدم ولا نشرات الأخبار

ولا تفهمان كيف يمكن لصاروخٍ أن يخطئ الطريق إلى جبهةٍ فيصيب قلبًا بحجم قبضة يد كان يقف على عتبة العمر

لا يحمل في جيبه سوى حصى اللعب ولا في صدره سوى ضحكةٍ مؤجلة

أصابته النار قبل أن يتعلم كيف يخاف منها

واختطفته الحرب قبل أن ينطق اسمها

استشهد هو ووالده

كأن الموت قرر أن يختصر الحكاية

أن يطوي صفحة العائلة بيدٍ واحدة

ويترك الأم تواجه الريح وحدها

أيُّ ذنبٍ كان في ملامحه المستديرة

أيُّ تهديدٍ شكّلته أصابعه الصغيرة

أيُّ خطرٍ كانت تمثّله ضحكته على حدودٍ رسمها الكبار بالحديد والنار

في الجنوب لم يكن هناك سوى بيتٍ بسيط

وطفلٍ يركض خلف ظلّه

وأبٍ يحلم أن يكبر ابنه في أرضٍ لا تهتز تحت قدميه

لكن الأرض اهتزّت والسماء انشقّت

والسياسة أغمضت عينيها

في العواصم تتكدّس الكلمات كأثاثٍ قديم

بياناتٌ باردة شجبٌ رتيب إدانةٌ لا تُدفئ جثمانًا ولا تردُّ روحًا

السياسيون يتقنون فنّ الوقوف على الحياد حين يكون الدم بعيدًا عن مكاتبهم

ويتقنون حساب التوازنات حين يكون الميزان مائلًا على صدر طفل

يا صغير الجنوب لم تكن رقمًا في خبرٍ عاجل

ولا صورةً عابرة في شاشة هاتف

كنت وطنًا مصغّرًا

كنت مستقبلًا كان يمكن أن يغيّر كل شيء لو تُرك له الوقت

تخاذل الردّ ليس صمتًا فقط هو خذلانٌ يتسرّب إلى القلوب،

هو شعور بأن الأرواح تُوزن بموازين السياسة

وأن بعض الدم أرخص من أن يثير عاصفةً حقيقية

لكن وجهك سيبقى شاهدًا أكثر بلاغةً من خطبهم

أكثر صدقًا من مؤتمراتهم

سيبقى يسألهم في ليلهم الطويل

ماذا فعلتم حين احترق طفلي

أيّ موقفٍ حمى طفولتي

أيّ قرارٍ أعاد أبي إليّ

نمْ قرير العينين كما كنت

فقد أخذت معك براءةً لن تعود

وتركت لنا مرآةً لا نجرؤ على النظر فيها طويلًا

سلامٌ عليك يا من كان يجب أن يكبر

لكنّه كبر فجأةً في ذاكرة وطنٍ مثقلٍ بالخذلان

إبنة الخيام هدى صادق

تعليقات: