
المنطقة محكومة بمنطق الثأر والعشائرية وتشكل بعض أحيائها ملاذاً لعصابات مسلحة (ريشار سمور)
بدا المشهد في حيّ السلم أقرب إلى أحد أفلام العصابات منه إلى حيّ سكني في الضاحية الجنوبية: تكسير سيارات، إطلاق نار كثيف، استخدام صاروخ من نوع B7، واستنفار مسلّح علني في الشوارع، ليظهر الحيّ كأنه "تكساس قديمة"، اشتعلت فيها حرب بين رعاة غنم لا قانون يضبطهم.
تاريخ الخلاف
لكن خلف مشهد الفوضى، تقف قصة قديمة تعود إلى نحو ثلاث سنوات، حين اندلع خلاف بين أولاد العم من آل شقير على قطعة أرض. وسرعان ما خرج الخلاف عن السيطرة وتحوّل إلى إطلاق نار أودى بحياة أمير هيثم شقير، العسكري في الجيش اللبناني.
وبحسب المعطيات، ففي 9 تموز 2022، أقدم المدعو رجيف شقير الملقب بـ"ناصر"، برفقة مجموعة مسلّحة ضمّت سمير إبراهيم شقير الملقب بـ"غاندي" ومحمد علي شقير، على قتل أمير شقير، شقيق رائد شقير الذي ظهر لاحقاً في فيديوهات الإشكال الأخير.
ورغم توقيف المجموعة المسلحة آنذاك، لم تتوقف المواجهة. إذ أقدم أقرباء رجيف شقير على التعرّض مجدداً لعائلة الضحية في محاولة لإجبارها على إسقاط الدعوى. ومع الوقت، تفرّعت القضية إلى دعاوى واتهامات متبادلة بين أبناء العم، وصلت حد اتهام والد الضحية بالتسبب بمقتل ابنه "عن طريق الخطأ" إثر رمي قنابل يدوية بشكل عشوائي.
حرب عصابات
هي، بكل المقاييس، حرب عصابات بين طرفين معروفين لدى القوى الأمنية، ومسلّحين حتى الأسنان، ولكلّ منهما سجلّه العدلي. إلا أن المفارقة الصادمة تمثّلت بالحكم القضائي الذي صدر لاحقاً، وقضى بسجن المتورطين ثلاث سنوات فقط، وهو ما اعتبره أهل الضحية تساهلاً فاضحاً. ومع خروج المدانين من السجن منذ فترة، لم يعد تهديد الثأر مجرد كلام، بل تحوّل إلى واقع.
يذكر أن رائد شقير وفور خروجه من السجن في تشرين الثاني الماضي، توجه إلى منطقة حي الجامعة في حي السلم - الحدث، وأطلق النار باتجاه أقاربه، وهو مشهد موثق بالفيديو.
هذا الواقع انفجر مجدداً اليوم، حين أقدم رائد شقير على اعتراض طريق زوجة سمير شقير، وعمد إلى تكسير سيارتها ورشّ مادة البنزين عليها في محاولة لإحراقها، ما أدى إلى استنفار مسلح واسع النطاق بين العائلتين في الطرقات.
الثأر العشائري
في السياق، أكّد مصدر أمني في حديث لـ"المدن" أن قوة من الجيش اللبناني توجّهت فور اندلاع الإشكال إلى المنطقة، وعملت على ضبط الوضع الأمني وملاحقة المتورطين.
غير أن هذه الحوادث ليست استثناءً في حيّ السلم. فالمنطقة، وفق المصادر، محكومة بمنطق الثأر والعشائرية، فيما تشكّل بعض أحيائها ملاذاً لعصابات مسلحة.
ويشير المصدر الأمني إلى أن القوى الأمنية نفّذت خلال السنوات الماضية عمليات عدة وأطاحت بعدد من رؤوس هذه العصابات، إلا أن الظاهرة لم تُستأصل، إذ "تفرّخ رؤوساً جديدة دائماً".
في المقابل، تنفي مصادر حزبية في المنطقة أي غطاء سياسي أو حزبي لهؤلاء الخارجين عن القانون، مؤكدة أن الدولة، ولا سيما أجهزتها الأمنية، تملك الصلاحية الكاملة لدخول حيّ السلم وتوقيف أي مطلوب.
وترى هذه المصادر أن أصل المشكلة لا يقتصر على الأمن، بل يتعدّاه إلى غياب الدولة إنمائياً، ما دفع عدداً كبيراً من الشباب إلى الانخراط في العصابات نتيجة الفقر وانعدام فرص العمل، من دون أن يكون ذلك تبريراً، بل توصيفاً لواقع يتكرر في مناطق لبنانية أخرى.
وتشدّد المصادر نفسها على أن مناطق مثل حيّ السلم تحتاج إلى خطة شاملة للدولة، أمنية وإنمائية واجتماعية، لإنهاء هذه الآفات الخطرة.
أما أهالي حيّ السلم، فيعبّر بعضهم لـ"المدن" عن شعور عميق بالغبن، معتبرين أن التقصير يطال منطقتهم من كل الجهات، من الدولة والأحزاب على حد سواء. فالدولة، بحسبهم، "تلاحق مجرمين وتترك آخرين، وحتى عندما تعتقل أحدهم، يأتي الحكم مخففاً، فيدير أعماله من داخل السجن، ثم يخرج ليكمل نشاطه كأن شيئاً لم يكن".
أما الأحزاب، فرغم عدم تغطيتها المباشرة للمجرمين، فهي – وفق الأهالي – تتجنّب الصدام معهم، لأن كلفة المواجهة مرتفعة على كل المستويات، فتُلقى المسؤولية كاملة على عاتق الدولة، مع الاكتفاء أحياناً بالتنسيق معهم لمنع انفجار الصدام.



الخيام | khiyam.com
تعليقات: