
مي حسين عبدالله: في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي أقل تبسيطًا وأكثر إرباكًا كيف يُدار عالم لم يعد يقبل أن يُختزل في مركز واحد أو رواية واحدة؟
هذا النص هو الجزء الثالث من مقالة واحدة كُتبت على ثلاثة محاور. جرى تقسيمها لتسهيل القراءة ومتابعة الفكرة، لا أكثر. فالمسألة المطروحة — من تآكل مركز القوة، إلى اختبار التحالفات، وصولًا إلى سؤال الفراغ — لا تُفهم إلا بوصفها مسارًا واحدًا متصلًا، لا مقالات منفصلة.
يُنشر هذا الجزء الآن لأن لحظته هي الآن، ولأن سؤال الفراغ لا يُطرح بعد اكتمال المشهد، بل أثناء تشكّله.
بقلم مي حسين عبدالله
لم يكن المقالان السابقان محاولة لتتبّع سياسات الولايات المتحدة بقدر ما كانا قراءة في ما يتآكل تحتها. في المقال الأول، بدا أن القوة الأميركية، رغم فائضها، لم تعد قادرة على فرض سلطتها كمرجعية كما في السابق؛ قوة حاضرة، لكنها مثقلة بتناقضاتها الداخلية، وبقيادة تتعامل مع العالم بمنطق الصفقة لا النظام. وفي المقال الثاني، اتّضح أن التحالفات التي قامت على المظلّة الأميركية لم تنهَر، لكنها دخلت مرحلة اختبار صامت: حلفاء لا ينسحبون، لكنهم يعيدون الحسابات، ويتحرّكون بحذر داخل قواعد لعبة لم تعد ثابتة.
من هذا التآكل المزدوج — في مركز القوة وفي هوامشها — يبرز السؤال الذي يشكّل جوهر هذا المقال.
لا يطرح هذا المقال سؤالًا تقليديًا عن تراجع أو صعود، بل سؤالًا أكثر إرباكًا: إذا كانت القوة المهيمنة لم تعد قادرة على الضبط، وإذا كانت التحالفات تحت الاختبار، فمن يملأ الفراغ؟ وهل الفراغ أصلًا قابل لأن يُملأ بالطريقة التي عرفها العالم منذ نهاية الحرب الباردة؟
لفهم هذا الفراغ، لا بد أولًا من تحديد طبيعته.
الولايات المتحدة لم تنسحب من النظام الدولي، ولم تفقد تفوقها العسكري أو الاقتصادي، لكنها فقدت قدرتها على ضبط الإيقاع. تقارير مراكز الأبحاث الأميركية نفسها، ولا سيما RAND Corporation، تشير إلى أن التفوق العسكري لم يعد يترجم تلقائيًا إلى نتائج سياسية مستقرة، وأن واشنطن باتت قادرة على التعطيل أكثر من البناء. هذا ما عبّر عنه وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس حين أقرّ بأن القوة العسكرية أداة سيئة لصناعة النظام. الفراغ هنا ليس عسكريًا، بل وظيفي: حضور لا يوازيه حسم، وقوة لا تنتج استقرارًا.
لماذا لا يُملأ الفراغ بالقوة؟ (إيران نموذجًا)
إذا كان الفراغ ناتجًا عن عجز في الضبط، يصبح السؤال التالي طبيعيًا: لماذا لا يُملأ بالقوة الصلبة؟
تُظهر إيران بوضوح حدود القوة في ملء الفراغ. فالدراسات الصادرة عن مؤسسة بروكينغز ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تؤكد أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع طهران ستفتح سلسلة ارتدادات إقليمية ودولية، من تعطّل الملاحة في مضيق هرمز إلى تهديد القواعد الأميركية في الخليج، وصولًا إلى صدمة طاقة عالمية. لذلك لم يكن اعتباطيًا أن يصرّح رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة السابق، مارك ميلي، بأن إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بضربة واحدة أو حملة قصيرة. في هذا السياق، لا تملأ القوة الفراغ، بل توسّعه وتدوّله.
في مقابل فشل القوة المباشرة، يظهر نمط مختلف تمامًا في التعامل مع الفراغ. فالصين على سبيل المثال لا تتعامل مع الفراغ بوصفه ساحة مواجهة، بل مسارًا طويل الأمد. تقارير البنك الدولي ومجلس العلاقات الخارجية تصف مبادرة «الحزام والطريق» بأنها إعادة تشكيل بطيئة لمسارات التجارة والطاقة وسلاسل التوريد. الصين لا تطرح نفسها بديلًا سياسيًا مباشرًا، بل تبني شبكة مصالح تجعل تجاهلها مكلفًا. وكما قال الرئيس الصيني شي جين بينغ في أكثر من مناسبة، فإن بكين لا تسعى للهيمنة بل للاستقرار طويل الأمد. الفراغ يُملأ هنا بالزمن، لا بالضربة.
ومن البديهي أن الصين لا تتحرّك في فراغ منفرد، بل ضمن بيئة دولية آخذة في التغيّر.
في هذا المشهد، تظهر مجموعة البريكس BRICS كتعبير عن تحوّل بنيوي لا كنواة نظام بديل. دراسات تشاتام هاوس ومؤسسة كارنيغي تشير بوضوح إلى أن البريكس تلاقي مصالح اقتصادية لا وحدة استراتيجية أو أمنية. حتى التصريحات الرسمية الهندية تؤكد أن المجموعة منصة تعاون لا تحالفًا أيديولوجيًا. البريكس لا تملأ الفراغ، لكنها تكشف أن العالم لم يعد مستعدًا للعودة إلى قطبية واحدة.
إذا كانت البريكس تعكس حدود التكتّل، فإن روسيا تمثّل حدود الفعل الأحادي. فهي لاعب موازنة أكثر منها لاعب بناء. تحليلات مجلة Foreign Affairs تصف الاستراتيجية الروسية بأنها إدارة للأزمات وتعطيل للحسم، لا تقديم نموذج بديل متكامل. وقد لخص الرئيس فلاديمير بوتين هذا الواقع حين قال إن النظام الأحادي انتهى، لكن البديل لم يولد بعد. روسيا تستفيد من الفراغ، لكنها لا تغلقه.
اللاعبون على الهامش
وبين هذه المراكز الكبرى، يتشكّل مشهد أقل وضوحًا لكنه لا يقل أهمية. إلى جانب هذه المراكز الواضحة للثقل، تتحرّك قوى أخرى في هوامش الفراغ لا في مركزه: دول كبرى اقتصاديًا لكنها محدودة الإرادة السياسية، قوى صاعدة تفضّل المناورة على الالتزام، وأقاليم تتحوّل إلى ساحات تنافس أكثر منها مصادر قرار. هذه الأطراف ليست غائبة عن المشهد، لكنها لا تصنعه؛ تتكيّف معه، تستفيد من تشقّقاته، وتنتظر أن تتضح ملامحه قبل أن تختار موقعها النهائي.
الخاتمة
هكذا، يتبيّن أن السؤال عن الفراغ لا يقود إلى إجابة واحدة، بل إلى صورة مركّبة.
لا يبدو الفراغ في النظام الدولي مساحة مهجورة بقدر ما يبدو مشهدًا قيد التشكل. لم يعد ينتظر قوة واحدة لتملأه، ولم يعد قابلًا لأن يُختصر في قطب بديل أو مظلة جديدة. ما يملأ الفراغ اليوم هو تراكب الأدوار وحدودها: قوة تعجز عن الحسم، وأخرى تتقدم بصمت، وتحالفات تبحث عن هامش، ولاعبون يديرون الزمن بدل أن يسيطروا عليه.
العالم لا ينتقل من هيمنة إلى هيمنة، بل من مشهد واحد إلى مشهد مركّب، حيث لا تكتمل الصورة بقطعة واحدة، ولا يستطيع أي فاعل أن يدّعي امتلاكها كاملة. الفراغ لم يُغلق، لكنه لم يعد فارغًا أيضًا؛ صار مساحة تفاوض دائم بين قوى تدرك أن السيطرة الشاملة لم تعد ممكنة، وأن إدارة التوازن باتت أسبق من فرضه.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي أقل تبسيطًا وأكثر إرباكًا:
ليس من يملأ الفراغ؟
بل كيف يُدار عالم لم يعد يقبل أن يُختزل في مركز واحد أو رواية واحدة.
----------
المراجع :
* RAND Corporation
* Brookings Institution
* Foreign Affairs
* Chatham House
* World Bank
* Council on Foreign Relations (CFR)
* Center for Strategic and International Studies (CSIS)
* Carnegie Endowment for International Peace
* International Crisis Group
#النظام_الدولي#من_يملأ_الفراغ#التحالفات_تحت_الاختبار
#الولايات_المتحدة#الصين#البريكس#روسيا#إيران
#الجغرافيا_السياسية#تحليل_سياسي#النظام_العالمي#توازن_القوى
#مي_حسين_عبدالله
إقرأ أيضاً للكاتبة مي حسين عبدالله:
الولايات المتحدة بين زعامة الفرد وسلطة النظام (1)
الولايات المتحدة بين زعامة الفرد وسلطة النظام (2).. التحالفات تحت الاختبار
الولايات المتحدة الاميريكية بين زعامة الفرد وسلطة النظام (3).. من يملأ الفراغ؟
الخيام | khiyam.com
تعليقات: