
مي حسين عبدالله: هذا المقال يُعدّ قراءةً تمهيديةً في لحظةِ اختبار، ومحاولةً لفهم كيف تعمل الولايات المتحدة حين تُدفَع إلى حدودها القصوى
ليست الولاياتُ المتحدة اليوم أمام أزمةِ رئيسٍ فقط، بل أمام اختبارِ نظامٍ. اختبارٌ لقدرةِ أقدمِ ديمقراطيةٍ في العصر الحديث على احتواءِ نزعةِ « الزعامة الفردانية » أو ما يعرف بالأدبيات الأميركية بـ Strongman دون أن تنقلبَ على ذاتها أو تفقدَ روحَها التي بنت بها نفوذَها العالمي. هذا الاختبار لا يُقاس بالشِّعارات ولا بالضجيج الإعلامي، بل بكيفيّةِ تفاعلِ المؤسّسات، وبحدودِ السُّلطة حين تُدفَع إلى أقصاها.
في قلبِ هذا المشهد يقف دونالد ترامب، لا بوصفه استثناءً طارئًا، بل بوصفه تعبيرًا عن انقساماتٍ داخليةٍ عميقة في المجتمع الأميركي، وعن أزمةِ ثقةٍ تراكمت بين فئاتٍ واسعةٍ من المواطنين والنُّخب السياسية التقليدية. فترامب لم يظهر في فراغ سياسي أو اجتماعي، بل في بيئةٍ شعر فيها كثيرون بأنّ أصواتهم لم تعد مسموعة، وأنّ من يفترض أنهم يمثّلونهم في الكونغرس والبيت الأبيض يتحدّثون لغةً بعيدة عن واقعهم اليومي.
على مدى سنوات، راكمت قطاعات واسعة من الأميركيين شعورًا بأنّ النظام يعمل لصالح قلةٍ محدودة: نخب مالية، شركات كبرى، ومراكز قرار لا تعيش القلق نفسه الذي يعيشه العامل أو الموظف أو سكان المناطق الريفية والصناعية المتراجعة. ومع تراجع فرص العمل التقليدية، وارتفاع كلفة المعيشة، واتّساع الفجوة بين المدن الكبرى وبقية الولايات، بدأت الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية تتآكل تدريجيًا.
في هذا السياق، لم يُفرَض ترامب على نظامٍ سليم، بل صعد في لحظةٍ تراجع فيها الإيمانُ بفكرة التمثيل السياسي ذاتها؛ أي الإيمان بأنّ الانتخابات وحدها قادرة على إنتاج سياسات عادلة أو نخب تعبّر فعليًا عن الناس. ومع تصاعد القلق من المستقبل، والخوف من فقدان الاستقرار الاقتصادي والهوية الثقافية، بدا الخطاب الحادّ والمباشر الذي قدّمه ترامب، مهما كان صادمًا، أكثر طمأنةً لبعض الناخبين من لغةٍ سياسية تقليدية بدت لهم فارغة أو عاجزة عن تقديم حلول ملموسة.
الشعبُ الأميركي، بخلاف الصورة النمطية، ليس شعبًا ثوريًّا بالمعنى الكلاسيكي. لا يُسقِطُ رؤساءه في الشارع، ولا يرى في التظاهر أداةً لتغيير النظام. ثقافتُه السياسية تقوم على الاحتكام إلى القضاء، وصناديق الاقتراع، وتوازن المؤسّسات. ومع ذلك، فهو ليس شعبًا مُستسلِمًا. ما نشهده اليوم هو قَبولٌ مشروطٌ بالقُوّة لدى شريحةٍ تشعر بأنّها خُذِلَت اقتصاديًّا وثقافيًّا، وأنّ النظام الذي وعدها بالاستقرار لم يعد قادرًا على حمايتها. هذه الشريحة لا تطلب دِكتاتورًا، بل زعيمًا يواجه باسمها، ولو كان ذلك على حساب الأعراف.
من هنا نفهم مفارقةَ ترامب: هو لا يحكم أميركا كلَّها، بل يحكم انقسامَها. قاعدتُه الصُّلبة لا تمثّل أغلبيّة المجتمع، لكنها كافيةٌ لتعطيل التوافق، ولإبقاء البلاد في حالةِ استقطابٍ دائم. وهذا الاستقطابُ مصدرُ قوّته وحدودها في آنٍ معًا.
ينتمي ترامب إلى الحزب الجمهوري، غير أنّ هذا الانتماء لا يعني سيطرةَ الحزب عليه ولا خضوعَه له. الحزبُ الجمهوري نفسه يعيش انقسامًا بين تيّارٍ مؤسّساتيٍّ تقليديٍّ يرى في الدولة منظومةَ قواعد وتحالفات، وتيّارٍ شعبويٍّ يرى في الزعامة الشخصية وسيلةً لكسر ما يعتبره هيمنةَ النُّخب. كثيرٌ من الجمهوريين يدعمون ترامب حِسابيًّا لا عقائديًّا: هو مفيدٌ انتخابيًّا، لكنه مُقلِقٌ مؤسّساتيًّا.
ويقدّم التاريخُ الأميركي هنا سابقةً لا يمكن تجاهلُها. فالرئيسُ الجمهوري الوحيد الذي أُجبر على الاستقالة في التاريخ الحديث كان ريتشارد نيكسون عام 1974، بعد فضيحة «ووترغيت». نيكسون لم يُسقِطْه الشارع، ولم يُسقِطْه خصومُه وحدهم، بل تخلّى عنه حزبُه حين بات خطرُه على الدستور أكبرَ من فائدته السياسية. هذه الواقعةُ ليست تفصيلًا تاريخيًّا، بل دليلٌ على أنّ النظام الأميركي، حين يشعر بالتهديد، قادرٌ على التضحية برئيسٍ من داخل البيت الحاكم لحمايةِ القواعد.
الفارقُ الجوهري بين الولايات المتحدة وأنظمة الحكم الفردي يكمن في بنيتها الفيدرالية وفصلِ السلطات. الرئيسُ الأميركي ليس مركزَ الدولة، بل رأسُ السُّلطة التنفيذية ضمن شبكةٍ معقّدة من التوازنات. للولايات صلاحياتٌ واسعة، والقضاءُ مستقلٌّ نسبيًّا، والكونغرسُ ليس تابعًا للبيت الأبيض حتى عندما يكون من اللون السياسي نفسه. هذه البنية تجعل أي نزعة تفرد سلطوي — أو ما يمكن تسميته نزعة فرعونية بالمفهوم العربي للمصطلح — مكلفة وبطيئة ومحفوفة بالصدام، حين تقوم على شخصنة السلطة، واعتبار القوانين عائقًا لا إطارًا، والتعامل مع الدولة كملكية شخصية لا كمؤسسة عامة.
وهنا تبرز أهميّةُ ما جرى في ملفّ فنزويلا. فحين سعى ترامب إلى توسيع العمليات العسكرية دون تفويضٍ تشريعيٍّ واضح، لم يكتفِ الكونغرسُ بالتعبير عن القلق، بل انتقل إلى الفعل الدستوري.
ففي تصويتٍ حديث داخل مجلس الشيوخ الأميركي، أُقِرّ قرارٌ يقيّد أي عملٍ عسكريٍّ إضافي في فنزويلا من دون موافقةٍ صريحة من الكونغرس، في تفعيلٍ مباشرٍ لمبدأ «صلاحيات الحرب» الذي يحدّ من تفرد الرئيس باستخدام القوّة العسكرية. (قانون صلاحيات الحرب، 1973).
وقد شهد هذا التصويت انشقاق عدد من أعضاء الحزب الجمهوري عن موقف رئيسٍ من حزبهم، في مؤشرٍ نادر على استعداد المؤسسة التشريعية لتفعيل دورها الرقابي حين تُستشعَر محاولة التفرد بقرار الحرب.
قوّةُ هذا الموقف لا تكمن في رقمِه فقط، بل في رمزيته الدستورية. فقد كسر منطقَ الانضباط الحزبي، وأعاد التذكير بأنّ الولاء في النظام الأميركي ليس للرئيس، بل للدستور. كما بعث برسالةٍ إلى الداخل بأنّ الكونغرس لا يزال قادرًا على كبح جُموح السُّلطة التنفيذية، وإلى الخارج بأنّ الولايات المتحدة، رغم نزعات التفرد في خطابها، لا تزال تُدار بالمؤسّسات لا بالأمزجة.
غضبُ ترامب من هذا التصويت، وعتبُه العلني على من عارضوه، يعكسان فهمَه الشخصي للسُّلطة بوصفها علاقةَ ولاء. لكنه، مهما رفع منسوبَ الضغط الإعلامي أو السياسي، لا يملك أدواتٍ لمعاقبة الكونغرس كمؤسّسة. لا يستطيع إسقاطَ نائبٍ لأنّه خالفه، ولا تحويلَ التصويت التشريعي إلى جريمةٍ سياسية. أقصى ما يملكه هو التهديدُ والدعاية، وهي أدواتٌ فعّالة في الشارع، لكنها محدودةُ التأثير داخل بنيةٍ دستوريةٍ صلبة.
السؤالُ الجوهري إذًا ليس ما إذا كان ترامب قادرًا على الحُكم، بل ما إذا كان قادرًا على التحكُّم الكامل. التجربةُ حتى الآن تشير إلى أنّه قادرٌ على التعطيل، وعلى إرباك السياسات، وعلى استثمار الانقسام، لكنه عاجزٌ عن إعادة صياغة النظام أو إخضاع مؤسّساته دفعةً واحدة. كلُّ خطوةِ تفردٍ تصطدم بجدار، وكلُّ محاولةِ توسّعٍ تفتح ملفًّا قانونيًّا أو سياسيًّا جديدًا.
الخاصرةُ الرخوة للولايات المتحدة لا تكمن في شخص ترامب، بل في تطبيع فكرة أنّ الرئيس يمكن أن يكون فوق القواعد والمؤسّسات ما دام «قويًّا» و«منتخبًا». الخطرُ الحقيقي ليس في أن يبقى ترامب أو يرحل، بل في الأثرِ التراكمي لهذه المرحلة على الثقافة السياسية الأميركية نفسها.
أميركا اليوم لا تختبر رجلًا، بل تختبر نظامَها. والسؤال الذي سيحدّد مستقبلَها ليس: هل ينتصر ترامب؟ بل: هل تنجح الولايات المتحدة في الخروج من هذا الاختبار محافظةً على صورتها كنظامٍ تحكمه القواعد، لا كقوّةٍ تحكمها الأهواء؟
هذا المقال يُعدّ قراءةً تمهيديةً في لحظةِ اختبار، ومحاولةً لفهم كيف تعمل الولايات المتحدة حين تُدفَع إلى حدودها القصوى.
أمّا ما بعد هذا الاختبار، وكيف سينعكس على صورة الولايات المتحدة في العالم، وعلى توازنات القوّة خارج حدودها، فذلك نقاشٌ آخر…
يبدأ من هنا، ولا ينتهي عند هذا النص.
مي حسين عبدالله
- باحثة في الشؤون الدولية والدبلوماسية
- حاصلة على دبلوم مهني بريطاني في الشؤون الدولية والدبلوماسية
- ودبلوم دراسات عليا في الإرشاد التربوي – الجامعة اللبنانية
الخيام | khiyam.com
تعليقات: