
مي حسين عبدالله: فنزويلا دولة ذات سيادة، عضو في الأمم المتحدة ومع ذلك لم تحمها هذه الصفات من إجراءات تتجاوز ما تنصّ عليه مواثيق الشرعية الدولية.. السبب موقع جغرافي حسّاس وموارد استراتيجية
لم يكن الحديث عن غرينلاند، في المقال السابق، مجرّد قراءة في جغرافيا بعيدة أو نزاع افتراضي على جزيرة متجمّدة. كان في جوهره محاولة لفهم قاعدة غير مكتوبة تحكم النظام الدولي المعاصر: حين تتعارض القوانين مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، تُعلَّق القوانين، وتُقدَّم القوّة.
غرينلاند كانت نموذجًا “باردًا” لهذه القاعدة. لا حرب، لا نزاع قانوني مباشر، ولا خرق معلن لميثاق الأمم المتحدة، بل اهتمام متصاعد بموقع استراتيجي وثروات كامنة وممرات مستقبلية. وما إن دخلت المصالح الكبرى على الخط، حتى بدا القانون الدولي تفصيلًا مؤجّلًا، لا عائقًا حقيقيًا.
ما جرى مؤخرًا في فنزويلا، وإن بدا مختلفًا في الشكل، جاء ليؤكّد القاعدة نفسها، لكن هذه المرّة بصيغة “ساخنة” وفجّة. فنزويلا دولة ذات سيادة، عضو في الأمم المتحدة، لها حدود معترف بها وحكومة قائمة، ومع ذلك لم تحمها هذه الصفات من إجراءات تتجاوز ما تنصّ عليه مواثيق الشرعية الدولية. السبب ليس خفيًا: موقع جغرافي حساس، موارد استراتيجية، وخيارات سياسية لا تنسجم مع إرادة القوّة المهيمنة.
هنا يبرز التناقض الجوهري في النظام الدولي. الدول لا تُقاس بمدى التزامها بالقانون (سيادة، حقوق إنسان، قرارات أممية)، بل بمدى قدرتها على فرض إرادتها (القوة العسكرية، النفوذ الاقتصادي، السيطرة على الموارد، والقدرة على تعطيل قرارات الآخرين). من يمتلك أدوات القوّة يفرض تفسيره للقانون، أو يعيد تأويله، أو يتجاوزه من دون محاسبة فعلية.
أما من لا يملك هذه القدرة، فيُطالَب بالامتثال، لا بوصفه شريكًا متساويًا في نظام يفترض المساواة، بل بوصفه طرفًا ضعيفًا في معادلة غير عادلة سلفًا. وهنا بيت القصيد: فالقانون الدولي يفترض نظريًا أن الدول متساوية في السيادة، بينما تُظهر الممارسة الفعلية انعدام هذه المساواة، حيث لا يُعامَل الضعيف كشريك، بل كطرف يجب “إدارته”.
بهذا المعنى، لا تبدو فنزويلا حالة استثنائية، ولا كانت غرينلاند مجرّد مثال جغرافي عابر. الاثنتان تكشفان البنية نفسها: قانون دولي حاضر في النصوص، غائب في لحظة الاختبار. يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يقيّد حركتهم.
ليست المشكلة، إذًا، في غياب القوانين، بل في انتقائيتها. وليست الأزمة في المواثيق، بل فيمن يملك حق تعليقها أو تفعيلها. أما الحديث عن نظام دولي قائم على العدالة والمساواة، فيبقى خطابًا نظريًا جميلًا، ما لم يتغيّر ميزان القوّة الذي يحكم تطبيقه.
ما بين غرينلاند وفنزويلا، تتكشّف قاعدة لا تتعلّق بدولة بعينها، بل ببنية النظام العالمي نفسه. فالقوّة لم تعد استثناءً يخرق القانون، بل أصبحت الإطار الذي يُعاد فيه تعريف القانون. ومع كل سابقة جديدة، يتقلّص الفارق بين ما هو “شرعي” وما هو “مفروض”، لتغدو السيادة مسألة قدرة لا حق، والعدالة توصيفًا انتقائيًا لا قاعدة ملزمة.
ولا يتوقّف أثر هذه القاعدة عند غرينلاند وفنزويلا، بل يفتح الباب على سؤال أوسع يتعلّق بمسار النظام الدولي في مراحله المقبلة.
من بعد غرينلاند وفنزويلا: من يملك تأجيل دوره؟
لا يُدار النظام الدولي اليوم بمنطق التسلسل الأخلاقي، ولا وفق أولوية القوانين، بل وفق ميزان أدقّ: ميزان الكلفة، والقدرة على الردّ، وتأجيل الصدام. في هذا السياق، لا يُستهدف الجميع بالسرعة نفسها، ولا تُمارَس الضغوط على الدول بالأسلوب ذاته.
السؤال الحقيقي لم يعد: من سيكون الهدف التالي؟
بل: من يملك من عناصر القوّة ما يسمح له بتأجيل دوره؟
الدول التي تمتلك:
* أدوات ردع فعلية،
* هامش مناورة سياسيًا واقتصاديًا،
* وشبكة علاقات إقليمية أو دولية قادرة على رفع كلفة المواجهة،
تستطيع تأخير لحظة الاصطدام، أو تحويلها إلى تفاوض، أو تفريغها في ساحات أقلّ حساسية. أما الدول التي تفتقر إلى هذه العناصر، فتُدفع سريعًا إلى موقع الامتثال، لا لأن القانون يدينها، بل لأن ميزان القوّة لا يحميها.
بهذا المعنى، لا تبدو بعض الدول خارج دائرة الاستهداف، بل داخلها بزمن مختلف. الفارق ليس في الموقف، بل في القدرة على الصمود وتأجيل الاختبار. وفي نظام دولي تتقدّم فيه القوّة على القانون، يصبح تأجيل الدور إنجازًا استراتيجيًا بحدّ ذاته، لا علامة براءة ولا ضمانة دائمة.
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: