
يقدم الفنان يوسف غزاوي في معرضه في باريس مقاربة تشكيلية معاصرة تُعيد النظر في علاقة الصورة بالتراث، ليس بوصفه موضوعاً بصرياً جاهزاً ، بل بوصفه بنية ثقافية قابلة لإعادة الصياغة. إذ لا تتعامل لوحاته مع الزي التقليدي أو التراث الشعبي باعتبارهما عناصر توصيفية، وإنما كوسائط دلالية تحمل ذاكرة جماعية وتاريخاً من التحولات الاجتماعية. ويصبح الجسد المرسوم مجالا بصرياً تتقاطع فيه الهندسة، اللون، الحركة، والفراغ، ضمن نظام تشكيلي يتجاوز التمثيل المباشر.
على مستوى البنية التكوينية، تعتمد أعمال الغزاوي على تنظيم مفتوح لا يسعى إلى الإحاطة الكاملة بالمشهد. التكوينات لا تُغلق داخل إطار بصري صارم، بل تترك أطراف العناصر تذوب في الخلفية، ما يخلق إحساساً بالاستمرارية خارج حدود الورق. هذا الخيار البنيوي يخفف من مركزية المشهد ويمنح الفراغ دوراً فاعلًا في بناء المعنى. فالفراغ في لوحاته المائية ليست مساحة مهملة، بل عنصراً بنيوياً يوازن الكتل البشرية ويؤكد حضورها دون أن يثقلها. كما تتسم بالمرونة. إذ لا نجد اعتماداً على الخطوط المستقيمة أو الزوايا الحادة، بل هيمنة واضحة للخطوط المنحنية والكتل العضوية. الأجساد مبنية وفق توازنات لينة، حيث يتداخل المحور العمودي مع الانحناءات الجانبية الناتجة عن وضعيات الوقوف أو الحركة. هذا البناء الهندسي ينسجم مع طبيعة الموضوع، إذ يحاكي سيولة الحركة البشرية، خصوصاً في المشاهد الجماعية التي تتناول الرقص أو الطقس الاحتفالي. التكرار الإيقاعي الراقص في بعض اللوحات يخلق نظاماً بصرياً قائماً على التماثل الجزئي، حيث تتشابه الأحجام وتختلف التفاصيل، ما ينتج إيقاعاً منتظماً دون الوقوع في الرتابة.
يُظهر الغزاوي وعياً واضحاً بعلاقات التوازن الأفقي. توزّع الشخصيات على مساحة اللوحة يتم بطريقة تحافظ على استقرار التكوين رغم كثافة العناصر. هذا الاستقرار لا ينتج عن تماثل حاد، بل عن توزيع مدروس للكتل والألوان، حيث تُقابل كل كتلة رئيسية مساحة لونية أو فراغ بصري يعادلها في الوزن. أما في اللوحات الفردية، فيُلاحظ اعتماد على التكوين العمودي الكلاسيكي، الذي يعزّز الإحساس بالثبات والرمزية، ويمنح الشخصية حضوراً مركزياً واضحاً كلوحة الشحرورة صباح.
تعتمد الأعمال في معرضه هذا على تقنيات اللون المائي، بما تحمله من شفافية وقدرة على التراكب. هذا الاختيار التقني ليس محايداً، بل يتوافق مع الرؤية الجمالية بشفافية اللون، وتُبقي أثر المساحات السابقة حاضراً ، ما يخلق إحساساً زمنياً، فاللون لا يُستخدم لتحديد الأحجام فحسب، بل لبناء العمق والإيحاء بالحركة والذاكرة.
تميل أعماله في مجملها إلى الألوان الدافئة، مع حضور متوازن للألوان الباردة في الخلفيات. الأحمر، الخمري، والأصفر تُستخدم بوصفها ألوانًاً ذات حمولة رمزية، مرتبطة بالطقس، الاحتفال، والهوية الثقافية. في المقابل، يُوظف الأزرق والرمادي لتخفيف الكثافة البصرية وخلق مساحات هادئة تسمح للأجساد بالظهور دون صدام لوني. يُلاحظ غياب اللون الأسود الخالص تقريباً، واستبداله بتدرجات داكنة ناتجة عن مزج الألوان، ما يمنح السطح نعومة ويجنّبه القسوة البصرية. أما العلاقة بين اللون والخط فكعادته يوسف غزاوي يبني علاقة تكاملية. الخط لا يسبق اللون، ولا يهيمن عليه، بل يتشكّل معه في آن واحد. في كثير من المواضع، يذوب الخط داخل الكتلة اللونية، ما يحدّ من النزعة الوصفية ويعزّز الطابع التعبيري. هذا الأسلوب يبتعد عن الرسم الأكاديمي الصارم، ويقترب من مقاربة ترى في الشكل نتيجة لتفاعل اللون والحركة، لا مجرد بناء تشريحي.
لا تقدّم أعمال غزاوي قراءة دلالية نوستالجية مباشرة للماضي، بل تقترح مقاربة تأملية للتراث بوصفه كياناً حياً. إذ يمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفن والذاكرة الجماعية. اللوحات لا تستعيد الحدث، بل أثره؛ لا تعيد تمثيل الطقس، بل الإحساس المرتبط به. هذا التحول من التمثيل إلى التأويل هو ما يمنح هذه الأعمال قيمتها المعاصرة . أما أسلوبياً ، يمكن تصنيف هذه الأعمال ضمن منطقة وسطى بين التعبيرية والانطباعية الإيحائية، مع حضور واضح للبعد الرمزي. لا تسعى اللوحات إلى نقل المشهد كما هو، بل إلى إعادة صياغته وفق رؤية ذاتية واعية. الملامح الوجوه غالباً مختزلة، لا تُعنى بالتفاصيل الدقيقة، بل تكتفي بإشارات كافية لتحديد الحالة. هذا الاختزال لا ينتقص من قوة التعبير، بل يمنح المتلقي مساحة للتأويل، ويبعد العمل عن التقريرية فالزي التقليدي يحتل موقعاً مركزياً في التكوين، لكنه لا يُقدَّم كعنصر زخرفي. الأقمشة، الأحزمة، وأغطية الرأس تُرسم بوصفها امتداداً للجسد،. حركة القماش في رسوماته تُضخَّم بصرياً بنعومة، فتبدو أكثر سيولة من الجسد نفسه، ما يعكس دور الزي كحامل للهوية ووسيط بين الفرد والجماعة. هذا التوظيف يعيد الاعتبار للملبس بوصفه عنصراً ثقافياً فاعلًا، لا مجرد تفصيل شكلي. فهل العلاقة بين الشكل والمضمون تتسم بالانسجام؟ أم الخيارات التقنية والأسلوبية تخدم الفكرة العامة للعمل، ولا تبدو مفروضة من الخارج.؟ وهل الخلفية تعمل كحقل لوني محايد يسمح بتركيز الانتباه على الحركة والعلاقات بين الأجساد، دون تشتيت بصري.؟
الخيام | khiyam.com
تعليقات: